ليلة لم تكن هادئة بالمطلق،اصوات الانفجارات في كل مكان، طائرات الاستطلاع الإسرائيلية ذات الصوت المزعج والمستفز تجوب سماء غزة ، نهضت على عجاله ايقضت طفلي الصغير وانطلقت مسرعة الى مستشفي شهداء الأقصى شرق دير البلح ، لم تكن المواصلات مؤمنة بسهولة بعد محاولات متكررة ووقفة طويلة في موقف السيارات استطعت وطفلى ان نحظى بالركوب على عربة كارة يجرها حمار هزيل ، حتى الحيوانات لا يتوفر لها الطعام المخصص تجدها بالكاد تستطيع السير ، بعد معاناة كبيرة واعتلاء الشمس لكبد السماء وصلنا المستشفى بعد ساعة ونيف.
كان هذا هو الطابور الاول ولم يكن طابور المستشفى للحصول علي تذكرة العلاج أفضل حالًا ، ممر طويل يكتظ بالنساء والرجال والشيوخ والأطفال، يجهز كل من يصطف هذا الطابور بطاقته الشخصية وما ان ينتهى من تسجيل أسمه حتى يدخل صالة كبيرة مكتظة بالمرضي يتنظر دوره للدخول إلى الطبيب حسب الاختصاص المطلوب.
ساعات تجر بعضها البعض ونحن في انتظار دورنا ، يئن ابنى من الألم كما الأطفال المتواجدين بالمكان بين الفينة والاخرى ، يلفت انتباهه كما الجميع دخول سيارات الإسعاف المتوالية والتى تقل الشهداء والجرحى من أماكن تم استهدافها بالقرب من المكان ، يسمع أنين المكلومات من النساء اللواتى اسرعن في البحث عن عوائلهن يودعن قرة اعينهن بنحيب ، يحاولن التشبت بأجسامهم ، أطفال مصابين ، رائحة الدماء والبكاء تملأ المكان ، بينما الصمت يخيم علينا وكأن على رؤسنا الطير، قالٌت ام سامي متي ستنتهي هذه الحرب التى اشتعلت ولم يستطعٌ العالم بأسره وقفها ؟ لقد دمرت الأسلحة والآلة الإسرائيلية كل ما هو جميل ولم يبقي لحياتنا أي معني .
وقعت دموعها منهمرة كما اغلب المتواجدين بينما كان الطبيب يعتذر من مرضاه الذين ينتظرونه فقد طُلب منه الذهاب فورًا لغرفة العمليات لإنقاذ حياة طفل اقلته سيارة الإسعاف من مكان الاستهداف الأخير، لم يستطع احد الاعتراض بل وقف جميع من ينتظرون الطبيب وغادروا المكان ، كلٌ يقصد طريقه
ذهبت برفقة ابني مشيًا علي الأقدام الى مستشفى العودة الذي يبعد حوالي 5 كيلومترات عن مستشفى دير البلح بعد أن ركبنا عربة كارة مرة أخرى، لم يكن حال المستشفى أفضل بل مكتظ بالنازحين المرضى جلهم من الأطفال والنساء الذين يعانون من حساسية بالجسم ، ارتفاع بدرجة الحرارة ، التهابات معوية وغيرها من الأمراض .
قطعت تذكرة دخول بقيمة 7 دولار تقريبًا وبقيت انتظر في صالة تعج بالمرضى لحوالى ساعة تقريبًا ثم حظيت برؤية الطبيب الذي كشف عن ابني وكتب له العلاج المناسب ، طبيب منهك تبدو عليه ملامح الانهاك والتعب كما حال معظم أطباء غزة.
عدنا للمنزل بعد ان قضينا آكثر من نصف يوم من أجل الحصول على فرصة علاج كان اسم ابني مدرج في كشف تحويلات المرضى لجمهورية مصر العربية لكن اغلاق معبر رفح في السابع من مايو المنصرم احال دون سفره لذلك فما زال ينتظر كما الكثير من المرضى والجرحي في قطاع غزة.
ومن المعلوم أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة تسببت بواقع صعب يعيشه 17,000 طفل دون أحد والديهم أو كليهما.
كما أن أكثر من 3,500 طفل دون سن الخامسة معرّضون لخطر الموت في قطاع غزة بسبب سياسات التجويع ونقص الغذاء وانعدام المكملات الغذائية ومنع المساعدات من قبل الاحتلال فيما يعاني هؤلاء الأطفال من سوء التغذية بدرجة متقدمة أثَّرت على بنية أجسادهم، وهو ما يعرضهم -فعلياً- إلى خطر الإصابة بالأمراض المعدية التي تفتك بحياتهم، وتؤخّر نموّهم، وتهدد بقائهم على قيد الحياة ، و يفتقر هؤلاء الأطفال أيضا للخدمات الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية والمتابعة الطبية الدورية بالتزامن مع تتفاقم حالاتهم صعوبة في ظل حرمانهم من التطعيمات والجرعات الدوائية المخصصة لهم في بدء سنوات حياتهم.
يذكر أن العديد من المراكز والمؤسسات والهيئات التى تعني بالامومة والطفولة وعلى رأسها وزارة الصحة الفلسطينية أوضحت في بيانات متعددة لها أن الأطفال في قطاع غزة يحتاجون إلى معالجة جذرية وفورية لكل الأزمات التي يتعرضون لها بشكل ممنهج من قبل الاحتلال.
أما عن واقع عمل المستشفيات في قطاع غزة فمن الواضح أن تدمير المنظومة الصحية الفلسطينية أصبح هدفاً استراتيجياً لمنظومة الاحتلال الإسرائيلية في حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول «أكتوبر» الماضي، وسط مزاعم إسرائيلية أن استهداف المشافي في غزة كان لضرورات عملياتية عسكرية، وهذا ما فندته الوقائع الميدانية والمصادر الصحفية والطبية ومنظمات تعنى بحقوق الإنسان والتي رصدت نحو 90 حادثة موثقة باستهداف قوات الاحتلال للقطاع الصحي في غزة.
وما يفند الإدعاءات والأباطيل الإسرائيلية ما أكدته صحيفة واشنطن بوست بأن الأدلة الإسرائيلية لا تدعم إدعاءات كيان الاحتلال بشأن استخدام المقاومة الفلسطينية للمستشفيات لأغراض عسكرية، في حين رصدت الصحيفة الأميركية أن 32 من أصل 36 مستشفى في قطاع غزة تعرضت لأضرار أو خرجت عن الخدمة جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.
وعمد كيان الإبادة على استهداف القطاع الصحي في قطاع غزة بشكل ممنهج، حيث أفادت مصادر رسمية فلسطينية باستشهاد نحو 496 من الكوادر الطبية وأصحاب الاختصاص الطبي واعتقال نحو 310 منها من بينها مدراء مشافي، وإصابة نحو 1500 كادر طبي ومن أصحاب الاختصاص الطبي، إلى جانب اخراج نحو 33 مستشفى و 55 مركزاً طبياً عن الخدمة، إضافة لاستهداف نحو 160 مؤسسة أو نقطة طبية، وتدمير نحو 130 مركبة إسعاف، فيما يواجه مستشفيا شهداء الأقصى ومجمع ناصر الطبي خطر التوقف والخروج عن الخدمة نظراً لمنع قوات الاحتلال إدخال الوقود لتشغيل المستشفيين، بما يهدد حياة الجرحى والمرضى والأطفال الخدج، فيما يواجه المستشفى الكويتي في رفح خطر التوقف كونه في مرمى التوغل والاستهداف الإسرائيلي.
فيما بلغت نسبة إشغال الأسرّة في عدد من المستشفيات التي بقيت تعمل بشكل جزئي نحوَ 250%، وتواجه الكوادر الطبية عبئاً كبيراً جراء تكدس الجرحى والمرضى الكبيرين وخاصة مرضى السرطان والكلى والقلب والكبد الوبائي وسوء التغذية وغيرها دون القدرة على تقديم الخدمات الطبية ما يعرض حياتهم للموت.
وفي هذا الشأن فقد اعلن مكتب الإعلام الحكومي بغزة عن استشهاد 15438 طفلا وإصابة عشرات الآلاف خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة واستمرار حرب الإبادة لأكثر من 245 يوم . اما المتحدثة باسم منظمة أوكسفام فقد أكدت أن : 82% من أطفال غزة لم يتلقوا وجبات غذائية ليوم كامل طيلة الأيام الثلاثة الماضية، والمجاعة منتشرة بشكل كبير في القطاع
فيما صرحت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا: ان الأطفال في غزة يعيشون كابوسا بلا نهاية والقصف والتهجير القسري ونقص الغذاء والماء وغياب التعليم يصيب جيلا كاملا بالصدمة.
في حين ورد تصريح عن المكتب ذاته يوضح استشهاد أكثر من 30 طفلا بسبب المجاعة التي تستفحل في القطاع بسبب انعدام الغذاء
مضى اكثر من شهر على احتلال معبر رفح البري من قبل جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، وإغلاق معبر كرم أبو سالم، مما أدى إلى وقوع أزمات إنسانية مركّبة بمنع 22,000 جريح ومريض من السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، وكذلك منع إدخال المساعدات الإنسانية والإمدادات التموينية لقطاع غزة الذي يعيش فيه قرابة 2,4 مليون إنسان، بينهم أكثر من 2 مليون نازح يعيشون على المساعدات بشكل أساسي ووحيد، وفي ظل فقدان ربع مليون رب أسرة لأعمالهم ووظائفهم بسبب حرب الإبادة الجماعية، وهو ما خلّف انعدام السيولة النقدية لديهم مما يعزز فرص تعميق المجاعة بشكل واضح.
مع إستمرار الحرب علي غزة لشهرها التاسع يجب على كل دول العالم الحر وكل المنظمات الدولية والأممية إلى الضغط على الاحتلال من أجل وقف حرب الإبادة الجماعية، والضغط لفتح معبر رفح البري ومعبر كرم أبو سالم وكل المعابر البرية والسماح لآلاف الجرحى والمرضى بالسفر لتلقي العلاج في الخارج، و إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية، وإدخال الوقود وغاز الطهي، فالواقع في قطاع غزة اقترب من الخروج عن السيطرة، وبالتالي وقوع الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: حرب الإبادة فی قطاع غزة
إقرأ أيضاً:
محللون يحذرون من تبعات الصمت العربي إزاء الجرائم الإسرائيلية بغزة
حذر محللون سياسيون وأطباء -في حديثهم لبرنامج "مسار الأحداث- من استمرار الصمت العربي والدولي إزاء سياسة القتل والتجويع والإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وشددوا على أهمية مواصلة الشعوب والمثقفين وجميع الفئات المختلفة لتحركاتها بهدف الضغط على الأنظمة.
وفي وقت سابق، ناشدت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في غزة أولغا تشريفكو المنظمات الإنسانية الأممية أن تفعل شيئا قبل وقوع كارثة إنسانية في غزة، وحذرت -في مقابلة مع قناة الجزيرة- من التبعات الخطيرة لما قالت إنها أطول فترة توقف لدخول السلع إلى القطاع.
ووصف الدكتور عثمان الصمادي، الناشط في العمل الإنساني والعائد حديثا من غزة، الوضع في القطاع بالمأساوي جدا، وقال إن الأطفال يبحثون عن لقمة الطعام ولا يجدونها ويستشهدون وهم جوعى، وإن ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي حاليا هو عملية قتل للحياة الفلسطينية كلها.
وأكد أن الغزيين دخلوا مرحلة الجوع الشديد، والناس لا تجد ما تشتريه وحتى البصل والطماطم صارت من الأحلام، والأكل المعلب لم يعد متوفرا. أما بذور الخضراوات فيمنعها الاحتلال منذ 10 أشهر بحجة أنه يعتبرها سلاحا نوويا.
إعلانكما أكد الطبيب الأردني أن الوضع الطبي والصحي لم يتغير خلال 40 يوما من الهدنة التي عرفها القطاع، حيث إن نحو 60 إلى 70% من المواد الطبية غير متوفرة في غزة.
وأشار أيضا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يركز في عدوانه على الأطفال الفلسطينيين، لأنه يريد استهداف مستقبل فلسطين.
وحسب الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي، فإن مأساة غزة لم يسبق لها مثيل في المنطقة العربية كلها، حيث التجويع والحصار والقصف والتطهير العرقي ومحاولات تهجير الناس من أرضهم، ويترافق كل ذلك مع صور الدمار والاجتياحات والاعتقالات التي تطال سكان قطاع غزة.
عقوبات
وعبّر البرغوثي عن استغرابه الشديد من صمت الدول العربية والإسلامية إزاء ما يجري من مذبحة وتجويع لأهل غزة ومن استباحة لأهل الضفة الغربية، وقال في هذا السياق إن "دولا لا تزال مستمرة في التطبيع مع مجرمي الحرب في إسرائيل، ويعملون معها استثمارات ويمنحون امتيازات للإسرائيليين في الدول المطبعة".
واتهم الدول العربية والإسلامية بأنها مقصرة في حق الفلسطينيين و"لو اتخذت قرارا موحدا بفرض العقوبات على إسرائيل أو حتى تهديدها بذلك، وبطرد سفرائها فستتراجع عن عدوانها".
كما حذر البرغوثي من أن الاحتلال الإسرائيلي يقتل ويقصف لبنان وسوريا ويهدد بتوسيع اعتداءاته على دول أخرى في المنطقة.
ومن جهته، دعا الباحث في قضايا العالم العربي والإسلامي صلاح القادري للتخلي عما سماها اللغة الرسمية و"لغة الخشب" في التعاطي مع الجرائم التي ترتكب في قطاع غزة، وقال إنه يجب توصيف الأمور كما هي، فالدول العربية المحيطة بغزة قد "انتقلت من حالة الصمت إلى الشراكة في الجريمة ضد الإنسانية"، مشيرا إلى أن مواقف هذه الدول ومواقف القوى الغربية الداعمة للاحتلال تهدف إلى تصفية الحق الفلسطيني.
إعلانودعا القادري المثقفين العرب والأحزاب والشعوب ومختلف القوى إلى التحرك بسرعة واتخاذ موقف حازم لمساعدة أهل غزة، الذي قال إن الجميع تخلى عنهم، إذ أصبح القانون الدولي وحقوق الإنسان لا معنى لهما.
ويذكر أنه منذ استأنفت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية يوم 18 مارس/آذار الجاري، استشهد 730 فلسطينيا وأصيب 1367 آخرون، معظمهم أطفال ونساء، وفق وزارة الصحة بغزة.
وقالت الأمم المتحدة إن قرابة 124 ألف شخص نزحوا مرة أخرى بعد أن استأنفت إسرائيل هجماتها على قطاع غزة.