جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-06@22:38:21 GMT

"جُود".. وإرثنا الخالد

تاريخ النشر: 11th, June 2024 GMT

'جُود'.. وإرثنا الخالد

 

مدرين المكتومية

أُجزم أنَّنا نكاد نكون البلد الوحيد الذي يقطع أشواطًا واسعة على مضمار مُواكبة كل طفرات الحداثة والتقدُّم، بتوازن دقيق مُشبَّع بالوطنية ومُرتبط بالهُوية ومتماس مع إرثنا الخالد الذي ورثناه جيلًا بعد جيل، يعكسُ ذلك سواءً الرَّغبات والدوافع وراء كلِّ مُبادرة، أو حملة، أو مشروع تنموي أو مجتمعي، أو حتى على مستوى المسميات والشعارات التي تأتي مطليَّة بمداد تراثنا العصيِّ على النسيان، لتشكِّل جميعها ما يُشبه ملحمة ترابط عابر لحدود الزمن بماضيه وحاضره ومستقبله، صانعًا قُدوات مُتجددة تُحيي في النفوس عنفوان الأجداد وعزائمهم ليظل نابضًا دومًا بالحياة.

وقبل أيام.. جاءت الحملة الإعلامية للترويج للمنصة الرقمية للتبرعات الخيرية "جود" -بمبادرة من وزارة التنمية الاجتماعية وبالتعاون مع شركائها المجتمعيين- لتنتظم في عَقْد سلسلة طويلة من المبادرات والحملات الوطنية، رَافِعَة شعار "الجود فينا من زمان" لتستحضر في النفوس قيم البذل والعطاء اللامحدود على امتداد تاريخنا الوطني الثري، وتُحيي جهود التعاضد والتكافل والتكاتف بين الجميع بسهولة ويُسر، بتوظيف مثالي للتكنولوجيا عبر استهداف إنشاء قاعدة بيانات مُوحَّدة لحصر بيانات المستفيدين من المساعدات والمعونات الخيرية، وتقليل الوقت والجهد المطلوب لدراسة الحالات، وإيصال المساعدات لمستحقيها بسهولة ويُسر، وضمان أمن معلومات المستفيدين والتبرعات؛ تعزيزًا لثقافة العطاء في المجتمع، وتشجيعًا للانتقال نحو استخدام رقمي للتبرعات.

والعمل الخيري في عُمان متأصل في جذورنا الثقافية والمعرفية، والأيادي البيضاء ممتدة دائمًا لكل من يحتاج في هذا الوطن العزيز، ومع إطلاق منصة "جود"، تكون جهود التبرعات قد شهدت تطورًا كبيرًا، بفضل الإجراءات التنظيمية التي تتولى مسؤوليتها وزارة التنمية الاجتماعية.

وثقافة التبرع والعمل الخيري ورغم أنها راسخة في مجتمعنا منذ القدم، إلّا أن تنظيمها وإدارتها وفق رؤية مؤسسية وقواعد حوكمة، يساهم في تعزيز الفوائد المُتحققة وتلبية الاحتياجات المجتمعية. ولذلك تعكف وزارة التنمية الاجتماعية على بذل كل ما من شأنه أن يدعم تطوُّر منظومة العمل الخيري والتبرعات، لضمان وصول هذه الأموال إلى مُستحقيها. ومن أبرز جهود التطوير تحويل جميع المعاملات المالية إلى تعاملات رقمية، وهو ما توفره منصة "جود"؛ حيث تُوفِّر للراغبين، ميزات متعددة للتبرع من خلال التطبيق الرقمي أو الموقع الإلكتروني، وهي قنوات آمنة تضمن وصول الأموال بالطريقة القانونية الصحيحة.

المميز في هذه المنصة أيضًا أنها توفر إحصاءات حول العديد من الأمور، سواء للحالات المُتسحقة أو حجم التبرعات وغيرها الكثير من الأرقام والبيانات الإحصائية التي تُفيد سواء المُتبرع أو حتى الباحثين في دراسات العمل الخيري. إلى جانب أن الضوابط التي تحكم المنصة وعملية التبرع من خلالها، تضمن الاستفادة المُثلى من جهود الفرق والجمعيات الخيرية والموجهة إلى مُقدمي طلبات المساعدة بكل شفافية ومصداقية.

وهذا التطور الكبير يعكس التوجهات المستقبلية التي تنص عليها الرؤية الطموحة "عُمان 2040"، والتي تسعى في جوانب منها إلى تعزيز التحول الرقمي وتوفير سبل الحياة الكريمة للمواطن.

وأخيرًا.. هذه دعوة مفتوحة لأصحاب الأيادي البيضاء وأهل الكرم والإحسان لأن يُبادروا بالتبرع عبر منصة "جود" لضمان وصول المساعات والتبرعات لمستحقيها بالطريقة الآمنة والقانونية، وأن تكون هذه المنصة بوابة خير عميم لكل المُستحقين، كي يظل المواطن يحيا في عزة وكرامة على هذا التراب الطاهر.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

نضج المساهمة الاجتماعية للمؤسسات

في الجزء الأول من هذه المقالة تناولنا التتبع التاريخي لتطورات مفهوم المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في قطاعات الأعمال ، ووقفنا عند ضرورة تجديد أبعاد المفهوم ليتواكب اليوم مع المقتضى العالمي والإنساني للسياقات التي تنشط فيها هذه الأعمال، وأشرنا إلى ثلاثة أبعاد رئيسية هي في تقديرنا اليوم أبعاد تجديد المفهوم للوصول إلى نضج الممارسات والتطبيقات وهي (المسؤولية تجاه الأفراد - المسؤولية تجاه السياسات - المسؤولية تجاه المستقبل). سردنا في المقالة تفصيلًا لبعض الأفكار المرتبطة بالبعد الأول، والتي تتلخص في إيجاد بيئات عمل داعمة للصحة النفسية وللتوازن والنمو الاجتماعي السليم بالنسبة للأفراد، وما يمكن في الآن ذاته أن يجعل الأفراد الذين يقعون في محيط بيئة الأعمال قادرين على الاندماج الاجتماعي بشكل أمثل داخل المجموعة الاجتماعية الصغرى والكبرى في الآن ذاته. نستطرد في هذا الجزء بالحديث عن البعدين الآخرين؛ بالمسؤولية تجاه السياسات، والمسؤولية تجاه المستقبل.

ففي بُعد المسؤولية تجاه السياسات، فإن السياسات التي تعدها المؤسسات سواء كانت سياسات إجرائية داخلية، أو سياسات تشغيلية قطاعية هي في حقيقتها ذات صلة بالمكون الاجتماعي؛ فالسياسات الإجرائية الداخلية تتماس مع المكون البشري العامل في هذه المؤسسات وفي الوقت ذاته لابد أن تكون مراعية للثقافة والخصوصية المجتمعية عوضًا عن احترامها للتفاهم في محيط اجتماعية المؤسسة، والسياسات التشغيلية القطاعية تتماس مع العمليات والأنشطة والمنتجات التي تولدها هذه المؤسسات وقد يكون المجتمع حاضنًا مكانيًا لها، أو مستفيدًا منها، أو مستهلكًا لها، أو متأثرًا بها. ومن المحكات التي يمكن أن تشملها أشكال المسؤولية تجاه السياسات هو ابتكار آليات ذات ديمومة مؤسسية لتعزيز مشاركة المجتمع في صنع سياسات المؤسسة وتوجهاتها، ومدى تنفيذ ما يعرف اليوم بـ Policy Algorithm Matrix والتي تستخدم لضمان توافق سياسات المؤسسة التي تنتجها مع مجمل السياسات العامة القائمة في بعدها (التشريعي – البيئي – الاجتماعي – الاقتصادي – الثقافي – السياسي)، وهو ما يضمن أن المؤسسة لا تساهم فقط في إنجاح القطاع الذي تعمل فيه وتعظيم فكرة الربح، بل هي مساهمة بشكل أو بآخر في الاتساق مع منظومة السياسات العامة القائمة وتحقيق التنمية الوطنية، وهذا ينسجم مع توجهات الدولة التي تنشط فيها إن كانت تستهدف تحقيق مؤشرات معينة في التشغيل، أو التنوع الاقتصادي، أو تحقيق سياسة اجتماعية كالتمحور حول الأسرة، أو حتى سياسات تربوية كاحترام قيم الزواج والإنجاب، إن المؤسسات وإن نشطت في قطاعات خاصة وتخصصية فإن مجمل سياساتها تتماس مع المقتضيات الوطنية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مرئية أو غير مرئية، ذلك أنها مثلما أسلفنا هي بيئات اجتماعية في داخلها تتشكل قيم وأفكار وتوجهات ومبادئ. ومن المحكات التي يمكن النظر إليها أيضًا هو تحديد مرجعيات أخلاقية للنظم والمبتكرات والتقانات الحديثة؛ سواء كان ذلك مرتبطًا باستخدامات تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو المبتكرات والتقنيات التي تعتمد في التعامل مع المجتمع، أو تلك التي تجمع معلومات عن الأفراد، أو تلك التي تسخر لممارسة أنشطة في المحيط المكاني للمجتمع كالآلات والمعدات والتقنيات الأخرى.

وفيما يتعلق بالبعد المرتبط بالمسؤولية تجاه المستقبل؛ تبرز أدوار حثيثة على المؤسسات – في قطاعات أعمالها – في بناء ثقافة التفكير المستقبلي تجاه مستقبل متغيرات القطاع وتأثيراتها، وفي تعزيز ما يُعرف بـ semi-specialized general culture ضمن قطاع أعمالها، وكيف يؤثر القطاع ومتغيراته في مشهد الحياة العامة. هناك دور آخر مرتبط ببناء مهارات المستقبل والعمل على تبادلها مع القطاعات الحيوية، إن استثمار المؤسسات في المهارات والقدرات البشرية، والظروف التي تتيحها أدوات التدريب والتمكين المتقدمة ترتبط ببناء صف من المهارات المستقبلية الجاهزة، وما يتوجب على المؤسسات ضمن إطار مساهمتها الاجتماعية هو المساهمة في تجهيز تلك الصفوف من الكفاءات الجاهزة، على مستوى التخصص وعلى مستوى القيادة، وتبادلها مع قطاعات التركيز الحيوية للتنمية، ومع المؤسسات الأخرى ذات الاحتياج، لقد لاحظنا في تجارب دول إقليمية الدور المهم والمحوري خاصة للقطاع الخاص في تجهيز القيادات الوطنية، المؤهلة بالمعرفة، والقادرة على إحداث تحولات جذرية في الرؤى الوطنية، وهذا يدخل حسب تقديرنا ضمن منظومة مساهمة هذه المؤسسات اجتماعيًا ووطنيًا. فهذه القيادات لا تأتي فقط بمهاراتها أو معارفها التخصصية والنوعية، بل بثقافتها وأسلوب تدبيرها وأنماط قيادتها وثقافة الإنتاجية التي تحملها. كما يستوجب على المؤسسات إنضاج مساهمتها الاجتماعية فيما يتعلق بالمنظومات الوطنية لإدارة المخاطر، ليس فقط على مستوى إدارة تلك المخاطر في القطاعات التي تنشط فيها تلك المؤسسات إدارة تقنية وتخصصية، بل في بناء الثقافة العامة، وإكساب المهارات للقطاعات والأفراد في قطاعات أخرى، ونقل الخبرات التخصصية، والمساهمة في حشد المعارف، وإتاحة التقنيات والمعلومات المرتبطة بهذه الجوانب.

إن ما سردنا عبر جزأين هي أفكار لمحكات متفرقة تستوجب إعادة النظر في مفاهيم المسؤولية الاجتماعية، وما يرتبط بها من ممارسات وأبعاد وتطبيقات، وهي دعوة لمراجعة تلك الأبعاد وتكوين المفهوم الوطني المعياري الذي يتناسب والمرحلة الراهنة من عمر العالم والسياق المحلي، إن استيراد المفهوم بمجرد ممارساته ومعاييره العالمية قد لا يخدم بالضرورة مساهمة تلك المؤسسات في عضد التنمية المحلية والوطنية، وإذا ما قسنا المفهوم بكونه (مساهمة اجتماعية) فإن سياق الاحتياجات والأولويات والضرورات لكل مجتمع تختلف بطبيعة الحال عن الآخر، وهذه لحظة مواتية في تقديرنا للانعتاق – ولو جزئيًا – من المفاهيم والمعايير الجاهزة إلى تطوير أطر ومعايير وطنية تتلمس مسؤولية المؤسسات الاقتصادية والثقافية والأخلاقية والتشريعية والبيئية.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان

مقالات مشابهة

  • بهدف دعم الفنانين عالمياً.. «تيك توك» تطلق منصّة جديدة
  • دعم الفنانين عالميا..تيك توك تطلق منصة فور أرتيستس
  • خبير تكنولوجي: تيك توك مهدد بالتوقف في أمريكا بسبب خلفيته الصينية
  • «باقة العمل» خدمة ذكية تخفض مدة إنجاز المعاملات 83%
  • نضج المساهمة الاجتماعية للمؤسسات
  • تفقد سير اختبارات الشهادة الثانوية العامة في حجة
  • أموال بالجملة.. قرار قضائي بشأن المتهمين في منصة Fbc
  • أحمد يعقوب: الحزمة الاجتماعية الحالية من أضخم الحزم التي أقرتها الدولة لدعم المواطنين
  • العمل الخيري للفنانين.. نجوم الفن بين التبرعات والدعم والشعبيه
  • المجلس الرئاسي: بسط الأمن في كافة أرجاء البلاد يعد أولويةً قصوى