أمينة رشيد والتزامها تجاه الوطن
تاريخ النشر: 11th, June 2024 GMT
بدأت هذا الأسبوع بقراءة السيرة الغيرية التي كتبتها سلمى مبارك عن الباحثة والمناضلة المصرية أمينة رشيد في كتاب: أمينة رشيد أو العبور إلى الآخر وذلك بترجمة داليا سعودي عن دار المرايا المصرية. نشأت أمينة رشيد في عائلة أرستقراطية، لكن هذا لم يمنعها من استخدام الامتيازات التي حظت بها من أجل القيم التي كونتها خلال سنوات شبابها، الفترة التي جايلت فيها نصر حامد أبو زيد وجابر عصفور وآخرين، وكانت قد انتظمت في مجموعات يسارية عبرت عن نفسها عبر وسائط مختلفة آنذاك.
الكتاب يناقش أفكار وأطروحات أمينة رشيد فيما يتعلق بمشروعاتها حول الأدب المقارن، ودراسة التأثر والتقليد في الكتابة العربية، بالإضافة للجدل حول جنس الرواية وما إذا كان أوربيًا، وعن الرواية العربية الأولى وما إلى ذلك، لكن في هذا التوقيت لم يكن هذا ما يعنيني من قراءة هذا الكتاب، بعد السابع من أكتوبر وعدتُ نفسي بالالتزام بقراءة تاريخ المنطقة وتحولاتها، وتأثير النخب الثقافية والاقتصادية فيها، وكان أن وجدتُ هذا في سيرة رشيد، إذ اعتبرتْ أن نكسة يونيو 1967 كانت بمثابة التحول الكبير الذي أثر على رؤيتها للعالم، ليست وحدها بل تأثر ذلك الجيل كله بما حدث في نهاية الستينيات والهزيمة التي مني بها العرب، «إثر هذا الحدث الصدمة، انكفأت أمينة على عملها لإتمام رسالتها. فبالنسبة إليها، انقضت ساعةُ المباهج الباريسية بما في ذلك أوهام الحرية، ونقاشات المثقفين في المقاهي، وحماس اكتشاف النقد الجديد ومع فوران أحداث مايو 1968، كانت أمينة قد تباعدتْ بالفعل مع مشهدٍ أخذتْ في الاغتراب عنه يومًا بعد يوم. (رأيتُ جدران السوربون الكئيبة في العادة، تمتلئ بالشعارات الثورية والطوباوية إلى حد كبير ...... رأيتُ الطلبة وبعض العمال الذين انضموا إليهم يهتفون ويغنون ويرقصون وينادون بالثورة ...... وعشتُ بذهول التجربة المثيرة لإضراب الشهرين الذي شل الحياة في فرنسا)».
كان مهمًا أن أقرأ بدوري كيف أن السابع من أكتوبر هو حادثة النكسة بالنسبة لجيلي، حتى أنه أكثر فظاعة ورعبًا مما حدث في الستينيات، أعني على صعيد القتل والتهجير والتجويع والإبادة التي يشاهدها العالم كله حتى هذه اللحظة. على الرغم من ذلك لم يتراجع موقف أمينة رشيد ونضالها من أجل القضية الفلسطينية، الأمر الذي وضعها في السجن أيام حكم السادات مع التغييرات التي قام بها والتي كان منها التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي. «أذهلنا فرط التعامي الذي أبداه الغرب إزاء إسرائيل. إذ أرى أنه من غير المعقول أن يتوجب علينا أن نشرح لشخص مثل إتيامبل الفرق بين معاداة السامية ومناهضة الصهيونية. فكيف لمن اختار أن يكون مواطنًا منتميًا إلى العالم بأسره أن يكون على هذه الدرجة من الانسياق والتعامي أمام الدعاية الصهيونية! وبالمناسبة، كان ذلك هو أحد أسباب إعراض الشباب المصري اليساري عن الثقافة الغربية للبحث عن جذورهم العميقة في إرثهم العربي الإسلامي. هل كانت تلك اللحظة الزمنية هي التي شهدت التحول إلى التطرف؟ وأفرخت الثورة الإيرانية وكراهية الشيطان الأمريكي الأعظم؟».
شعرت رشيد بأنها لا تستطيع ترك بلدها ليقاسي كل هذه المرارة، دون أن تسهم من أجله ومن أجل مواطنيه بأي شيء حتى وإن كان بأن تصبح أستاذة للأدب المقارن في جامعاته، الأمر الذي دفعها للعودة من باريس إلى القاهرة، تكتب سلمى مبارك: «وبالرغم من كل المغريات التي كانت تحثّها على مدِّ إقامتها في باريس والاستفادة من وضعها المستقر هناك: من مسكنٍ مريح، ووظيفةٍ مجزية الأجر، ودراسة تتم في سياق ثقافي مزدهر ونشاط سياسي يجري في مناخ من الحرية والديمقراطية، تمَلَّكَ أمينةَ إحساسٌ بأن حياتها صارت مفرّغةً من المعنى، وأن هذا المعنى الذي ترتجيه موجودٌ في مصر. فما لبثتْ أن اتخذت قرارها بالانتهاء من رسالتها والعودة إلى بلدها. (لم أتحمل فرنسا أكثر من ذلك، أعيشُ في أحداثِ مصر وأبكي عندما أفتحُ نافذتي وأرى سماء باريس الرمادية أشعر أنني استفدتُ كثيرًا مما عشته من تجارب فكرية وسياسية ووجدانية، لكني أدركتُ تمامًا أن هذا التاريخ ليس تاريخي وأن هذه الحياة ليست حياتي. .... وأنني ما خضتُ ذلك الكفاح كي أحيا بعيدًا)».
التزمت أمينة رشيد بمشروعها كمثقفة ومناضلة ومعلمة وباحثة، وقدمت العديد من الإسهامات حتى وقت وفاتها عام 2018 لقد عاشت تحولات عديدة منها أحداث الربيع العربي وما آلت إليه البلدان العربية بعد 2011 لا شك بأن هذا كثير على حياة واحدة، لكن ألا يجعلني هذا أنا وغيري نشعر بالمسؤولية تجاه هذه اللحظة التاريخية، المسؤولية التي لابد وأن تفضي للالتزام، بدلاً من العدمية التي غرقنا فيها لسنوات، والتي شعرنا فيها بأن التغيير مستحيل، وبأننا خارج التاريخ وخارج سياق أي دور يمكننا تبنيه فعلًا في ظل ما يحدث؟
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الوطن والمواطن.. خط أحمر
د. محمد بن خلفان العاصمي
الدعوات التي يُوجِّهُها البعض من الذين تنكَّروا للوطن للخروج والتظاهر، إنِّما هي دعوة باطل يُراد بها شر البلاد والعباد، وإنْ غُلِّفَت بغلاف المصلحة والقضايا الوطنية وشعارات مُحاربة الفساد والظلم، لكنها لا تعدوا شعارات جوفاء تهدف إلى الفوضى ونشر البلبلة داخل الوطن المُستقر، وجلب الفساد إلى المؤسسات وتعطيل الخطط الوطنية والتعدي على الحياة الآمنة للناس، ونشر الخراب والدمار والصراع بين أبناء الوطن، والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد إلى شيعٍ وطوائفَ متناحرةٍ، يفقد معها الإنسان حقوقه المشروعة، ويضيع معها جهد السنوات الطويلة من البناء والتعمير.
وما الأمثلة التي نشاهدها حولنا إلّا دليل على كل ما أذكُرُه، ولا نحتاج لكثير من البحث والتفكير للوصول إلى هذه النتيجة الحتمية، والرد على من يدعي أنها وسيلة لاسترداد الحقوق وغيرها فيكفي أن يكون هذا أكبر دليل على نواياه الخبيثة عندما يطلب أمراً هو أساس ومنهج عمل الدولة.
في فترة ما عُرف بـ"الربيع العربي"- الذي أُعِده شخصيًا عكس ذلك- ظهر المُحرِّضون الذين كانوا يدفعون الناس للتظاهر والخروج للشوارع ويدفعونهم لمهاجمة مؤسسات الدول؛ بل وقتل الأفراد الذين يخالفونهم ويدافعون عن مكتسبات الوطن، بينما هم جالسون خلف شاشات أجهزة الكمبيوتر والهواتف وفي أستوديوهات التلفزيون تحت مكيفات الهواء، وعندما تحقق لهم ما أرادوا قفزوا إلى المشهد يُديرونه ويستفيدون من الفرص المتاحة، ورموا من خرجوا إلى الشوارع داخل سجون الاعتقال وأصبحوا هم المتصدرين للمشهد. وهذا كان هدفهم من الأساس واستخدموا الناس كأدوات لتحقيق أهدافهم، وما أشبه الليلة بالبارحة، فمن يحرض يعيش بعيدًا عن المشهد ويملك سجلًا حافلًا من الفساد والتعدي والظلم وينادي بالحريات والحقوق بكل صلافة وجه. منتظرًا الفرصة المناسبة ليتقدم كالفاتح إلى المنصة، ولكن هيهات أن يكون أبناء هذا الوطن كما يحلم هؤلاء الفاسدون.
وعندما نتحدث عن الوطن، فنحن نشير إلى كل جزء ومُكَوِّن من مكوناته دون استثناء أو تخصيص، وأول هذه المكونات هو الإنسان العنصر الأهم والرئيسي في هذا الكيان، ولأن الإنسان هو هدف التنمية وأساسها في وطننا الحبيب، فقد وضعت الخطط والبرامج والتشريعات وأسست الدولة بكل كياناتها من أجل المواطن، وهذا أمر طبيعي في دولة تضع الإنسان في محور الاهتمام وتحفظ كرامته انطلاقًا من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف والشريعة السمحاء ومبادئ الإنسانية التي كرّمته وجعلته في مكانة خلافة الله سبحانه وتعالى في أرضه، وما تدهورت الأمم إلّا عندما حادت عن هذا النهج واستنقصت من قيمة الإنسان ونالت من كرامته.
إن حفظ حياة الإنسان وضمان كرامته وتوفير أسباب العيش الكريم له وأمنه وأمانه جزء من واجبات الدولة، ولذلك وضعت التشريعات التي تجرم كل ما من شأنه المساس بهذه الحقوق، ولا تتساهل الدولة في هذا الجانب لأنها تدرك عاقبة ذلك على الفرد والمجتمع والدولة بشكل عام، وفي هذا الأمر فالجميع سواسية أمام القانون دون تمييز، وبحمد الله حفظت منظومة التشريعات والقوانين هذه الحقوق خلال العقود الماضية وجعلت من حقوق الفرد أمراً لا نقاش فيه ولا جدال، وعرفت سلطنة عُمان في أوساط المجتمع الدولي كإحدى الدول التي حفظت حقوق الإنسان سواء المواطن أو المقيم، ومن أجل هذا عرفت بهذه الصفة وعندما تذكر فتذكر بأنها بلد الأمن والأمان والحقوق.
إنَّ ثمن الأمن والأمان الذي ننعم به في هذا الوطن مكلف وعالٍ جدًا، ولا يأتي إلّا من خلال بذل كبير وجهد لا يدركه الكثيرون معتقدين أن ما نعيشه من حياة هانئة واستقرار هو أمر طبيعي يحدث في كل مكان من العالم، وهذا مخالف للحقيقة، فهناك منظومة أمنية متكاملة تعمل من أجل حماية المجتمع والإنسان وجعله يعيش حياة آمنة مستقرة لا يشعر فيها بأي تهديد على حياته أو ماله أو أهله، ولا يتعرض له أي أحد بأي مكروه أو أذى، وليت البعض منَّا يعلم ما يحدث في كثير من الدول وما يتعرض له الإنسان من حوادث جراء انعدام الأمن والأمان.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فخلال إجازة عيد الفطر المبارك الماضية انتشرت نقاط تفتيش متعددة في شوارع وطرقات البلاد، والعديد منَّا تذمر من هذه النقاط ووجدها معطلة له عن أعماله ووجهته، وهذه النقاط لم نشاهدها منذ انقضاء جائحة كورونا إلى هذا اليوم، وفي ظل تذمرنا نسينا أن نتساءل لماذا وجدت الآن وفي هذا التوقيت، كما نسينا أن نتساءل عن حال الدول التي تمتلئ شوارعها بهذه النقاط الأمنية ولا يستطيع الفرد الحركة في وطنه بحرية ولا يتمكن من ممارسة حياته الطبيعية، وفوق كل هذا نسينا أن نقدر ما يبذل من جهد من قبل هؤلاء الرجال الذين يقفون في حرارة الشمس وهم صيام من أجل أمننا وأماننا، لقد أزعجتنا هذه النقاط التي وضعت من أجلنا وحفاظًا على سلامتنا.
لقد أُسِّست دولة القانون والمؤسسات- بحمد الله- لتعمل كمنظومة تحفظ الحقوق والحريات وتحارب الفساد، ولا ينكر ذلك إلّا جاحد مُفترٍ، وما ننعم به من أمن وأمان وكرامة وحرية هو نتاج هذه المنظومة التي أُسِّست عليها الدولة، وما زاد من رسوخ هذه الحقوق هو مقدار الوعي الوطني الذي يتمتع به أبناء هذا الوطن الذين وقفوا دائمًا صفًا واحدًا في وجه كل مخرب ومعتدٍ، وساهموا جميعًا في ترسيخ مفهوم المواطنة الصالحة التي حفظت الوطن والمواطن طوال السنوات الماضية، والتي سوف تستمر بإذن الله تعالى ولا عزاء للحاقدين الفاسدين المُحرِّضِين.