مازلت محافظة الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط، تحضن بداخلها الكثير من المهن القديمة التي تعود عمرها الي المائة عام، من أشهر المهن التي كان لها ذاع كبير بين المهن الأخرى، وهي السنان أو سنان السكاكين و في قلب المدينة العريقة، وبين أزقة سوق المنشية النابضة بالحياة، تقع ورشة، أقدم سنان سكاكين في المنطقة حيث حكايةٌ تمتدّ جذورها لأكثر من 100 عام، تُحكي قصةَ إرثٍ عريقٍ يتوارثه الأبناء عن الآباء، حكايةُ شغفٍ وحرفيةٍ تُقاوم رياح التغيير وتُحافظ على رونقِ مهنةٍ مهددةٍ بالانقراض.

يقول الحاج «محمد مصطفى»، أقدم سنان السكاكين أنه منذ عام 1937، وُضعت الطلقة الأولى لهذه الحكاية، عندما فتح أجدادي الورشة المتواضعة، ليُصبح سنان الملك فاروق نفسه. ومنذ ذلك الحين، توالى على الورشة أبناءُ العائلة، حاملين معهم أسرارَ المهنة ودقتها، حافظين على شعلةِ الإبداع والتجديد حيث روي ذكرياتٍ من ورشته، فيذكر كيف كانت تُصنع وتُسنّ في الماضي أدوات التشريح الطب الشرعي، بالإضافة إلى الأدوات اليدوية والمستوردة من الخارج بأشكالٍ وأحجامٍ مختلفة. ويُشير إلى أن أنواع الحجارة المستخدمة في سن المعادن تختلف، ففي بعض الورش يُستخدم الماء مع حجر السن، بينما يعتمد هو على حجر خاص من النمسا وبولندا لسن الأشياء الدقيقة وحفظ المعدن.

وأكد «مصطفي» للأسبوع أن مهنة السنان تتطلب مهاراتٍ عالية، فبالإضافة إلى المعرفة الدقيقة بأنواع الحجارة وطرق السن، يجب على السنان أن يكون مُلمًا بخصائص المعادن المختلفة، وأن يتعامل معها بحذرٍ ودقةٍ لضمان سلامته وسلامة من حوله لافتا أنه مع مرور الزمن، واجهت مهنةُ سنّ السكاكين العديدَ من التحديات فمع انتشار المنتجات الصينية رخيصة الثمن، اتجه البعض لاستخدامها في المنازل، مُهددين بذلك وجودَ هذه المهنةِ العريقة مؤكداً أنه لم يستسلم بل واصلَ العملَ بِإصرارٍ وعزيمةٍ، مُؤمنًا بأنّ جودةَ عملهِ لا تُقارن بأيّ منتجٍ صناعيّ مشيراً أن احتفاظه علي المهنة جاء لاستمرار الحرف اليدوية العريقة في مدينة الإسكندرية وهذا يأتي فبفضل خبرة أجيال من السنانين، تُحافظ هذه الورشة على تقنياتٍ أصيلةٍ لسنّ السكاكين.

وأضاف أن الورشة تُقدم خدماتها بجودةٍ عاليةٍ تُلبي احتياجات العملاء، وتُقاوم في الوقت ذاته موجة التغيرات العصرية التي تُهدد بانقراض هذه المهنة لافتا أن موسم الذروة للعمل يكون مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، حيث يُقبل الجزارون والأهالي على سن سكاكينهم استعدادًا للذبح.

وعن مراحل سن السكاكين قال الحج محمد أن المرحلة الأولى يتم فيها إصلاح أي إعوجاج وذلك من خلال الطرق عليها حتى تستقيم جوانبها ثم تبدأ المرحلة الثانية، وهى تمريره على الحجر الهاشمي حتى يتم حد سن السكين وتنظيف جوانبها، وذلك من خلال تكريها على الحجر أكثر من مرة وغمسها في الماء ثم تدخل السكينة مرحلة أخرى وهى مرحلة حجر الجلخ، وهذا الحجر هو المسئول عن إزالة الطبقة القديمة من على سن السكين وتسمى الرايش وعمل سن جديد حاد ويتم بعدها غمس السكاكين في الماء مرة أخرى حتى تبرد لأنها تكون ساخنة جدا نتيجة حجر الجلخ.

وأشار أن السكاكين يوجد بها أنواع كثيرة منها سكين لسلخ الجلد وسكين التقطيع وساطور شق العجل و ساطور تكسير العضم مؤكدا إن الورشة التي تعود عمرها الي المائة عام كان رحلةٌ عبر الزمن تُثري ثقافتنا و تُحافظُ على هويتنا، وتُؤكّدُ على أنّ الإبداعَ والحرفيةَ لا يعرفانِ حدودًا، وأنّ العشقَ والولاءَ لمهنةٍ ما هما سرّ النجاحِ والاستمرار.

وتعبر قصةٌ الحج محمد صاحب اقدم ورشة لسن السكاكين ملهمه بأهميةِ التمسكِ بجذورنا والاعتزازِ بِإرثنا الحضاريّ، ودعوةٌ للحفاظِ على هذهِ المهنِ العريقةِ من الانقراض، لِتظلّ شمسُ الإبداعِ والإتقانِ تُضيءُ دروبَ أجيالٍ قادمة.

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الإسكندرية الملك فاروق عيد الأضحى المبارك منطقة المنشية

إقرأ أيضاً:

ساكو الأخير.. حكاية الذهب اليدوي في عنجر اللبنانية

 بيروت- "الأرمن ذهب لبنان"، هكذا يختصر ساكو شانكيان، أحد آخر الحرفيين الأرمن، علاقته بحرفة صياغة الذهب اليدوي، التي تحتضر ببطء في لبنان، كما هي الحال في العالم أجمع.

هذه المهنة التي كانت ركيزة اقتصادية وثقافية لجالية أرمنية عريقة، تنزوي اليوم تحت وطأة آلات المصانع الحديثة، التي تنتج آلاف القطع في ساعات، لكنها تفتقر إلى "الروح"، على حدّ تعبيره.

من حلب إلى عنجر

وترتبط علاقة الأرمن بحرفة صياغة الذهب يدويا بتاريخ نزوحهم الكبير من تركيا إلى لبنان عام 1920. يومها، حملوا معهم أدواتهم ومهاراتهم وأسّسوا نواة لقطاع اقتصادي مهم في بيروت، بلغ ذروته في ستينيات القرن الماضي بسوق الذهب الملاصق لساحة الشهداء، الذي تحوّل إلى مقصد للسياح العرب والأجانب، حتى في أوج الحرب اللبنانية.

عقد يرجع تصميمه لـ300 سنة صنعه يدويا الصائغ ساكو  (الجزيرة)

يستعيد ساكو ذكرياته قائلا إنّه تتلمذ على يد دانكستو هانكسيان وريج دارنبايان في أربعينات القرن الماضي، وكانا أول من أنشأ ورشا لصياغة الذهب يدويا في الأشرفية والدورة، قبل أن تنتقل لاحقا إلى برج حمود.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت: "توسّعت المهنة مع قدوم آل بوغوصيان من حلب، وازدهرت بسرعة في عنجر ضمن التجمعات الأرمنية".

إعلان بين التكنولوجيا والشغف.. الحرفة في مهبّ الريح

لكن ذلك العصر الذهبي بات من الماضي. "لم يبقَ من الحرفيين اليدويين إلا قلة قليلة"، يقول ساكو بأسى. ويشرح أن السوق اللبناني بات يعجّ بذهب مستورد من تايوان والصين، في حين تنتج نحو 400 ورشة حديثة آلاف القطع يوميا، مما دفع بحرفته نحو التراجع الكبير: "كنت أُصنّع أو أرمم 20 كيلو سنويا، أما اليوم فلا أُنجز أكثر من كيلوين".

ويمتد الوجود الأرمني في لبنان لأكثر من 3 قرون، لكن الموجة الأكبر من النزوح كانت بين عامي 1916 و1939. واليوم، يتراوح عدد الأرمن اللبنانيين بين 150 و160 ألفا، يشغل بعضهم مناصب سياسية، ويتمسكون بلغتهم وهويتهم وحرفهم، وعلى رأسها صياغة الذهب. فهل هناك جيل جديد يحمل الشعلة؟

العثور على حرفيين يدويين لتصميم الذهب أصبح أمرا نادرا بحسب خبراء (الجزيرة)

يؤكّد ميكيل شانكيان (نجل ساكو) أنّه يتعلّم أسرار المهنة من والده، ويعمل على تطوير مهاراته لإحياء هذا التراث: "أؤمن بوجود زبائن يقدّرون الخاتم أو العقد المصنوع يدويا، لأنه يحمل فنا راقيا وجودة عالية، ويُكمل شخصية من يرتديه".

رغم اعترافه بصعوبة مواجهة التكنولوجيا الحديثة، يشير شانكيان إلى أنّ ارتفاع سعر كيلو الذهب إلى 100 ألف دولار يمثل عائقا كبيرا، يُضاف إلى اكتساح المعامل الكبرى للسوق. لكنه يصرّ على الاستمرار: "أنا مُصر على المواجهة كي أرضي ضميري، وأحافظ على ريادة أهالي عنجر في هذا المجال".

 ماذا يقول خبراء السوق؟

يشير هادي جبارة، خبير تصنيع الذهب وتقييم الألماس، إلى أن العثور على حرفيين يدويين أصبح أمرا نادرا: "نواجه صعوبة في تلبية طلبات بعض الزبائن، خاصة المغتربين وهواة القطع الفريدة".

ويضيف للجزيرة نت "نحن في زمن التكنولوجيا الحديثة، يجب أن نكون واقعيين. السوق اللبناني يعتمد كليا تقريبا على إنتاج المعامل الحديثة، التي يديرها محترفون معظمهم من الأرمن".

إعلان

ويلفت جبارة إلى أن القطاع يشهد نموا كبيرا داخليا، بسبب لجوء اللبنانيين إلى الذهب كملاذ آمن في ظل الأزمة الاقتصادية، ويضيف: "لامس حجم التصدير إلى الخارج 90% من الكميات المصنعة محليا أو المعاد تصديرها".

لكن رغم هذا النمو، فإن جبارة يعترف بأن المنتج الآلي لا يضاهي في قيمته الفنية القطع المصنوعة يدويا: "الآلات تنتج ألف خاتم مرصع بالألماس خلال ساعات، لكن السوق لا ينتظر أحدا".

ويبقى السؤال مطروحا: هل تُنقذ الدولة اللبنانية، أو حتى مؤسسات المجتمع الأرمني، هذه الحرفة قبل أن تندثر؟ وهل يجد الجيل الجديد ما يكفي من الشغف والدعم ليواصل طريق ساكو، آخر الحرفيين في عنجر؟

مقالات مشابهة

  • بين الأزقة العتيقة.. سيد الخشب يُبقي نبض المهنة حياً في أربيل (صور)
  • «عم نافع» أقدم صانع فخار في الفيوم: حارس الإرث الثقافي لصناعة الفخار
  • محافظ كفر الشيخ: متحف الآثار أيقونة تاريخية تحتضن حضارة مصر العريقة
  • إعادة الأمل.. حكاية سيدة عراقية تنذر حياتها لإزالة الألغام
  • بعد غياب 3 أشهر.. طاهر محمد طاهر في قائمة الأهلي لمواجهة الهلال السوداني
  • ساكو الأخير.. حكاية الذهب اليدوي في عنجر اللبنانية
  • غيتس يحدد المهن التي ستبقى خارج سيطرة الذكاء الاصطناعي
  • مسكن وفرصة عمل.. محافظ الإسكندرية يطمئن على مصاب في انهيار عقار بالجمرك
  • بيل غيتس يكشف المهن التي ستظل بعيدة عن تأثير الذكاء الاصطناعي: 3 فقط
  • محافظ الإسكندرية يزور مصاب انهيار العقار بحي الجمرك والنيابة العامة تباشر تحقيقها