لم تبق غير ساعات قليلة قبل نهاية الأجل الذي ضربته المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) برئاسة نيجيريا للتدخل العسكري في النيجر إذا لم يبادر الانقلابيون بإعادة الرئيس المنتخب محمد بازوم إلى السلطة، ورغم أن هذا التوجه يعتبر الخيار الأخير الذي تتحدث عنه الهيئة الأفريقية الأقوى في المنطقة، فإنه يعتبر أيضا الأًصعب بالنسبة لأنظمة وشعوب المنطقة.

وتضم إيكواس في عضويتها 15 دولة هي غامبيا وغينيا وغينيا بيساو وليبيريا ومالي والسنغال وسيراليون وبنين وبوركينافاسو وغانا وساحل العاج والنيجر ونيجيريا وتوغو الرأس الأخضر، ويبلغ مجموع سكانها نحو 350 مليون نسمة (إحصائيات 2021)، وتبلغ مساحتها الإجمالية 5 ملايين كيلومتر مربع، أي 17% من إجمالي مساحة قارة أفريقيا.

وقد تدحرج الملف من أيدي الرؤساء إلى طاولة النقاش بين أيدي قادة ورؤساء أركان الجيوش في دول المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، وذلك في اجتماع متواصل في أبوجا حتى صباح اليوم الجمعة.

ليس الأسبوع بالزمن الطويل، لكنه أيضا ليس بالمهم في نظر الانقلابيين الذين أكدوا بوضوح أنهم لن يرضخوا للتهديد، ولن يعيدوا بازوم إلى السلطة.

ومن باب "أعذر من أنذر"، فقد أرسلت الإيكواس وفدا للتفاوض بقيادة الرئيس النيجيري السابق الجنرال عبد السلام أبو بكر إلى نيامي للتفاوض، ولا يتوقع أن يعود الرجل وفريقه بتوبة الانقلابيين ولا بعودة بازوم إلى السلطة، فلدى العسكريين الجدد ما يراهنون عليه من تجييش للشارع النيجري ضد "الغزو الأفريقي والغربي " المرتقب.


إيكواس.. تهديد صارم ومخاوف من ضعف التماسك

وقد أعلنت حتى الآن عدة دول من المنظمة الغرب أفريقية استعداها للمشاركة في القوة العسكرية الموجهة إلى النيجر، ومن تلك الدول السنغال وبنين ونيجريا، فيما لا يستبعد أن تنخرط تشاد أيضا في المجهود العسكري "الإيكواسي"، فضلا عن فرنسا التي تمتاز بامتلاكها قوة عسكرية جاثمة على الأراضي النيجرية، ويمكن أن تكون عنصر ارتكاز في مواجهة انقلابيي نيامي.

وفي مقابل ذلك فإن دول السبق الانقلابي أخذت موقفا معارضا بقوة للتدخل العسكري وأعلنت مالي، بوركينافاسو، غينيا، (دول يقودها انقلابيون) أن أي عمل عسكري ضد النيجر هو عدوان على تلك الدول.

وفي نفس التوجه يمكن أن تحسب الجزائر، التي تملك حدودا بألف كلم مع النيجر، وتملك حساسية كبيرة تجاه التدخل العسكري الأجنبي في المنطقة.

أصابع على الزناد وترقب متصاعد

تتوفر قرائن متعددة على قرب التدخل العسكري، وتتزايد المخاوف من نوعيته وزمنه ودائرته إذا انطلق، ومن تلك المؤشرات:

مكانة النيجر ومحوريتها لدى فرنسا

تحظى النيجر بمكانة هامة في الإستيراتجية الفرنسية والغربية بشكل عام؛ باعتبارها آخر رهان للقوى الغربية في منطقة الساحل، وآخر بلد لم تصل إليه أيدي الانقلابيين، وأكثر مورد للطاقة بالنسبة لفرنسا، وعنصرا أساسيا في التوازن العسكري في العالم بالنسبة للولايات المتحدة التي ترى في النيجر رقعة أساسية من دائرة قوتها الأفريقية (آفريكوم).

وازدادت أهمية النيجر في الحسابات الإستراتيجية الفرنسية بمنطقة الساحل، بعد مغادرة القوات الفرنسية لمالي وبوركينافاسو إثر الانقلابيين الذين شهدها البلدان وقادهما ضباط عسكريون أداورا ظهورهم لفرنسا، وولوا وجوههم شطر روسيا.

ومن المؤكد أن فرنسا ستبذل كل ما أوتيت من قوة وجهد سياسي إن لم نقل عسكري لوأد هذا الانقلاب لأنه على الأرجح يمثل ضربة كبيرة لمصالحها الاقتصادية والسياسية ومكانتها الإستراتيجية وتأثيرها في المنطقة.

إجلاء الرعايا الغربيين من النيجر

وقد تم الأمر بالفعل بالنسبة لفرنسا وعدد من الدول الأوربية والغربية، وهو أمر قد يكون طبيعيا في حالات الاضطراب السياسي والأمني، ولكنه في حالة كهذه قد يشي بقرب التدخل العسكري، الذي تقرع الآن طبوله منظمة الإيكواس.

ولعل هذا الموقف هو ما جعل زعيم الانقلابيين في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني يعتبر الأمر استعجالا لا داعي له، معتبرا أن الفرنسيين "ليس لديهم سبب موضوعي لمغادرة النيجر"، لأنهم "لم يتعرضوا بتاتا لأدنى تهديد".

تصعيد في الخطاب

ومع قرب انتهاء مهلة الإيكواس لانقلابيي النيجر بدأت نبرة التهديد تتصاعد من لدن قادة سياسيين وعسكريين في منظمة الإيكواس، في ظل إصرار حكام النيجر على رفض المهلة وعدم ظهور أي بوادر لإمكانية قبولهم بعودة الرئيس المخلوع محمد بازوم للسلطة سلما.

وتوحي تلك الإنذارات والتهديدات المتصاعدة أن هامش المناورة والتفاوض بات ضيقا أو متلاشيا بالنسبة لقادة المنظمة الساعين إلى حماية الرقعة الساحلية من لهيب الانقلابات.

اجتماعات متواصل لقادة الجيوش

وفي محاولة من الإيكواس لإظهار جدية تهديداتها بالتدخل العسكري، دخل قادة أركان دولها منذ يومين في اجتماع متواصل بالعاصمة النيجيرية (أبوجا)، وهي خطوة تتداخل فيها أبعاد الحرب النفسية مع "الأبعاد العملياتية" المتعلقة بالتخطيط للتدخل العسكري المحتمل.

طلب رسمي بالتدخل

وبالتوازي مع تهديدات الإيكواس تحدث عسكريو النيجر عن وثيقة وقع عليها كل من وزير الخارجية السابق رئيس الوزراء بالنيابة قاسومي مسعود، وقائد قوات الحرس الوطني العقيد الرائد ميدو جيري، تطلب من فرنسا رسميا "شن ضربات عسكرية على القصر الرئاسي بنيامي".

وهو ما يمثل محاولة لإضفاء صبغة "شرعية" من الناحية القانونية والسياسية على أي مشاركة عسكرية فرنسية في التدخل العسكري المحتمل.

الخوف من انتقال العدوى

يرى قادة الإيكواس في إفشال انقلاب النيجر السد الأخير ضد الانقلابات التي عادت بقوة إلى أفريقيا، ولذلك سيبذلون كل الجهود من أجل عودة -ولو رمزية- لبازوم إلى كرسيه السليب.

ومن المعلوم أن انقلاب النيجر ليس الأول من نوعه بالمنطقة خلال السنوات الأخيرة، فقد عاد زخم الانقلابات في المنطقة إلى سابق عهده، وتتالت المحاولات الانقلابية الناجحة والفاشلة بشكل متسارع في المنطقة منذ العام 2020، حيث شهدت كل من مالي وغينيا وبوركينافاسو انقلابات متتالية، وباتت هذه البلدان محكومة بمجالس عسكرية.

ويخشى قادة الإيكواس وحلفاؤهم الخارجيون من استمرار انتقال هذه العدوى إلى بقية دول المجموعة، خصوصا إذا أفلت المسؤولون عنها من العقاب واستتب لهم الأمر، وهو ما يزيد من حرص المجموعة على إفشال الانقلاب سلما أو حربا.

وتنقل وكالة الأنباء الألمانية عن كونفيدانس ماكهاري، الخبير الأمني في "إس بس إم إنتليجنس" قوله إن حل الأزمة هو "مسألة بقاء" لقادة المنطقة، مشيرا إلى أنه "إذا سُمح لمخطّطي الانقلاب بالإفلات من العقاب، ستعيش دول أخرى تحت تهديد الانقلابات".


ليست رحلة استجمام.. عقبات أمام التدخل الأفريقي

بيد أن مؤشرات ودوافع التدخل العسكري -وهي كثيرة ومتعددة- تقابلها كوابح وتعقيدات متضافرة هي الأخرى، تحول دون التقدم نحو خيار من هذا القبيل نظرا لما يحيط به من "مخاطر" وما قد تترتب عليه من تداعيات قد لا تحمد عقباها، ومن هذه العقبات:

موقف الرئيس بازوم

من المعلوم أن الرئيس النيجري المخلوع محمد بازوم ما زال متمسكا بمنصبه، ويرفض أي تنازل عنه لصالح الانقلابيين، رغم كونه خاضعا للاحتجاز من طرفهم، ورغم الضغوط والتضييق الذي تزايد عليه في الأيام الأخيرة من طرف الانقلابيين، فإن هذا الفليسوف الذي اختطفته السياسة من التعليم لم يعبر بعد عن موقف واضح من قبول أو رفض التدخل العسكري الأجنبي لإعادته إلى السلطة.

تهديد جيران النيجر بمواجهة التدخل

ويتعلق الأمر أساسا بدولتي مالي وبوركينافاسو، إضافة إلى غينيا، فيما تعبر نيجيريا عن مواقف صارمة تجاه جارتها الفقيرة التي تعتمد على كهرباء أبوجا.

وقد اعتبرت مالي وبوركينا فاسو في بيان لهما أن أي تدخل عسكري في النيجر سيكون بمثابة إعلان حرب على بلديهما، وهو ما يعني أن تداعيات التدخل العسكري لن تقتصر فقط على النيجر بل ستتجاوزه إلى البلدان المجاورة.

وبالإضافة إلى ذلك، سارعت الجزائر -من خارج دول المنظمة- للتعبير عن موقف صارم ضد التدخل العسكري خشية تصاعد موجة العنف في المنطقة.

خطر الحرب الأهلية في النيجر

لا يعرف حتى الآن شكل التدخل العسكري المفترض الذي تنوي دول الإيكواس تنفيذه في النيجر -إن كانت تنوي تنفيذه فعلا- ولكن لا يستبعد بالنسبة للعديد من المراقبين أن يؤدي إلى إشعال فتيل حرب أهليه مفتوحة في بلد يعيش على أمواج الفقر في جدب الصحراء، وفي ظل استمرار قادة الانقلاب وما يتبع لها من وحدات رئيسية وأساسية بالسلطة ورفضها أي تنازل عنها لصالح الرئيس محمد بازوم.

معارضة أوروبية للتدخل

رغم الموقف الأوروبي والأميركي القوي ضد الانقلاب، والدعم الفرنسي القوي لإجراءات الإيكواس، فإن قضية التدخل العسكري لا تبدو محل اتفاق بين جميع الدول الأوروبية؛ حيث دعا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، يوم الأربعاء، إلى استبعاد أي تدخل عسكري غربي في النيجر لأنه سيعتبر استعمارا جديدا.

شبح التدخل الروسي

لا يعرف حتى الآن إن كانت روسيا قد فتحت خط اتصال مع انقلابيي النيجر حتى الآن، ولكن المرجح أن أي تدخل عسكري في البلاد، سيمنح موسكو مسوغا إضافيا للشراكة العسكرية في كتابة مستقبل هذا البلد الأفريقي، وهي فرصة يعمل الروس كثيرا من أجل الوصول إليها.

انهيار الإيكواس

لا يستبعد الكثيرون أن تصل التداعيات الكبيرة للتدخل العسكري بالنيجر إلى كيان منظمة الإيكواس نفسها، خصوصا إذا انسحبت منها دول معارضة للتدخل، وهو ما سيفقد المنطقة آخر هيئاتها الفاعلة.

أما مجموعة دول الساحل الخمس المعروفة بـ"جي 5″ والتي تتكون من بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، فهي أصلا في حالة موت سريري بعد موجة الانقلابات التي ضربت جميع دولها باستثناء موريتانيا.

توقف استخراج وتصدير اليورانيوم

ومن شأن التدخل العسكري كذلك، أن يحمل معه تأثيرات سلبية كبيرة على مصادر الطاقة الفرنسية، وهو ما قد يضفي مزيدا من الالتهاب على الصيف الباريسي المفعم بالأزمات، خصوصا أن فرنسا لا تملك أي مؤشرات على إمكانية نجاح هذا التدخل، مما سيقلص حضورها الأفريقي، لتؤوب إلى آخر "أبنائها البررة" في المنطقة وهو الرئيس الشاب محمد إدريس ديبي كما يصفه بعض معارضيه.

إمكانية ترحيل الفوضى

وذلك باتجاه الدول المتحمسة للتدخل، فالسنغال التي تعيش أزمة سياسية عميقة جدا، قد تكون عرضة لردود فعل شعبية معارضة ومتضامنة مع حكام النيجر، كما أن التداخل العرقي بين مكونات الجيشين في النيجر ونيجيريا قد يعوق تدخل هذه الأخيرة في حربها على الجار الشقيق.

وتشير وكالة الأنباء الألمانية في أحد تقاريرها إلى تشكيك الخبراء في أن الجنود النيجيريين سيوافقون على الانتشار في النيجر نظرا إلى الروابط القوية بين الجيشين اللذين يضمان في صفوفهما العديد من الهوسا، وهي مجموعة إثنية موجودة بكثرة في كل منطقة الساحل.

وقال مسؤول عسكري رفيع المستوى طلب عدم كشف اسمه "من غير الوارد أن يذهب الجنود النيجيريون إلى النيجر ويقاتلوا جنودها الذين نعتبرهم أشقاء لنا".

وقال الباحث في معهد هادسون في واشنطن جيمس بارنيت إن " نيجيريا ستكون الأكثر قلقا من زعزعة الاستقرار في النيجر لأنها تتشارك معها في حدود طولها 1600 كيلومتر وليس بإمكان قوات الأمن النيجيرية ضمان أمنها كما يجب".


الاقتصاد.. أقوى أوراق الضغط

وفيما تحيط الضبابية بخيار التدخل العسكري، يراهن الغربيون والأفارقة أيضا على ورقة الاقتصاد بشكل خاص لكسر ممانعة الانقلابيين في نيامي، وتبدو هذه الورقة أكثر وأقوى ما تملك الإيكواس أيضا وأقلها تداعيات أمنية على بلدانها، وأكثرها إضرارا على المدى الطويل بالمجموعة الانقلابية، وقد بدأت فعليا ممارسة هذا الضغط من خلال قطع نيجيريا كهرباءها عن النيجر، لتنضم بذلك إلى كل من بنين وكوت ديفوار (ساحل العاج) في تطبيق العقوبات التي فرضتها مجموعة "إكواس" على النيجر إثر الانقلاب. ومعلوم أن النيجر تعتمد في استهلاك الكهرباء على نيجيريا بنسبة 70%.

ويتوقع مراقبون أن التأثيرات الاقتصادية الأكبر قد تكون للعقوبات التي ربما تفرضها المجموعة النقدية لغرب أفريقيا (مجموعة الفرنك الأفريقي) التي تتبع بنوك النيجر لها بحكم عضوية البلاد فيها، وقد أعلنت حتى الآن عن فرض بعض العقوبات، ولكن أكثر ما يخشاه الانقلابيون هو أن تباشر القيام بإجراءات أكثر خطورة من قبيل تجميد الحسابات وإغلاق المصارف، مما يعني كف يد المجلس العسكري عن الوصول للنقد المتاح في النيجر، وعدم قدرته على دفع رواتب الجنود والموظفين المدنيين في الدولة.

كما يؤكد الأوربيون أنهم سيمتنعون عن دعم الميزانية النيجرية وهو ما يعني الخنق السريع لاقتصاد بلد يخنقه الجفاف والفساد والأزمات منذ عقود، حيث أعلن البنك الدولي إيقاف صرف الأموال إلى النيجر حتى إشعار آخر.

صمود أم رهان على الزمن؟

يسعى زعيم الانقلابيين إلى مواجهة التدخل بما أمكن من ترميم للقوة الضعيفة لبلاده، وفي سبيل ذلك أكد رفض مجلسه للتدخل العسكري واستعداده لمقاومة أي تدخل أجنبي، ولإظهار أن التهديد هامشي، أعاد الرجل فتح حدوده مع جيرانه الخمس، فيما قرر الاتصال والتشاور مع دول "الحالة الانقلابية" التي صرحت بأن العدوان على النيجر عدوان على العواصم الثلاث.

ومن الإجراءات التي سارع إلى اتخاذها خلال الأيام الأخيرة أيضا تعيين حكام عسكريين جدد على المناطق الثمانية في البلاد، وهو ما يضمن إحكام القبضة الأمنية وإبعاد المحسوبين على الرئيس السابق.

كما سارع أيضا إلى التترس بالتأييد الشعبي وتجييش مشاعر الغضب تجاه القوى المناوئة للانقلابيين الجدد، والاستفادة من الزخم الشعبي في قمع مناوئي الانقلاب من داخل البلاد، حيث تجاوز عدد المعتقلين 180 شخصا بحسب مصادر الحزب الحاكم سابقا في البلاد.

وفيما يطبق الفقر بمخالبه على شعب النيجر، فإن الخناق الاقتصادي ينبئ هو الآخر بأيام نحسات في هذا البلد الصحراوي الذي يعيش سكانه بنحو دولارين في اليوم للفرد الواحد.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: بازوم إلى السلطة التدخل العسکری فی المنطقة محمد بازوم فی النیجر عسکری فی حتى الآن أی تدخل وهو ما

إقرأ أيضاً:

تحولات أمنية في الساحل الإفريقي.. انسحاب النيجر وتأثيراته على الحرب ضد الإرهاب

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أثار قرار المجلس العسكري الحاكم في النيجر الانسحاب من قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات (MNJTF) العديد من التساؤلات حول تداعياته الأمنية والسياسية في منطقة الساحل الأفريقي. في ظل التحولات السياسية التي شهدتها النيجر منذ الإطاحة بالرئيس محمد بازوم في يوليو 2023، يبدو أن نيامي تعيد تشكيل تحالفاتها الاستراتيجية، مما قد يعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي في غرب أفريقيا.

وقد انسحب المجلس العسكري الحاكم في النيجر من القوة الإقليمية التي تقاتل الجماعات الإسلامية المسلحة في منطقة بحيرة تشاد بغرب أفريقيا، مما عزز الانقسام المرير عن الحلفاء السابقين في المنطقة.

أُعلن قرار انسحاب قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات (MNJTF) في نشرةٍ بثّها التلفزيون الرسمي نهاية الأسبوع. وجاء في النشرة أن هذه الخطوة "تعكس نيةً مُعلنةً لتعزيز أمن المواقع النفطية"، دون تقديم مزيدٍ من التفاصيل.

شُكِّلت قوة المهام المشتركة المتعددة الجنسيات (MNJTF) عام ٢٠١٥ من قِبل الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا في أعقاب تزايد الهجمات الجهادية على أراضيها. في ذروتها، بلغ عدد جنودها ما يُقدَّر بعشرة آلاف جندي، وقاتلت العديد من الجماعات المسلحة، وخاصةً بوكو حرام وفروعها. لكن أي تقدم جدي أُعيقَ أو حتى تبدَّد بسبب ضعف التعاون والتجهيز، وفقًا للمحللين.

قال أولف ليسينغ، مدير برنامج الساحل في مؤسسة كونراد أديناور الألمانية ومقره باماكو: "لم تكن القوة بهذه الفعالية قط". وأضاف أن تراجعها "خبر سار للجهاديين، ولكنه خبر سيئ للقرويين على ضفاف البحيرة، والصيادين والمزارعين الذين يرغبون فقط في ممارسة أعمالهم، لكنهم سيتلقون الآن دعمًا عسكريًا أقل".

وجاء خروج النيجر من قوة المهام المشتركة بعد أيام من أداء زعيم المجلس العسكري عبد الرحمن تياني اليمين الدستورية رئيسا حتى عام 2030 بموجب ميثاق جديد علق العمل بالدستور وحل جميع الأحزاب السياسية.

كما عزلت النيجر نفسها عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، بعد أن فرضت إيكواس مجموعة من العقوبات في أعقاب التطورات السياسية التي أطاحت بالرئيس، محمد بازوم، في يوليو 2023.

وفي غضون شهرين من هذه التطورات السياسية، انضمت إلى تحالف دول الساحل المنشق إلى جانب بوركينا فاسو ومالي، حيث كانت هناك أيضًا عمليات استيلاء عسكرية منذ عام 2020.

ومنذ ذلك الحين، قدمت حكومة نيجيريا جوازات سفر بيومترية جديدة لتحل محل جوازات السفر الإقليمية القديمة، وأعلنت يوم الاثنين عن فرض ضريبة بنسبة 0.5٪ على السلع المستوردة من دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

وقال إيكيميست إيفيونج، الشريك الإداري في شركة إس بي إم إنتليجنس الاستشارية النيجيرية للمخاطر الجيوسياسية، إن الضريبة وضعت حدًا "لتاريخ طويل من التجارة الحرة في جميع أنحاء غرب الساحل" ويمكن أن تغير ديناميكيات مفاوضات إيكواس مع وكالة الطاقة الذرية.

وقال إيفيونج "عندما يتماشى هذا مع التزام المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا بالحفاظ على التجارة والحدود المفتوحة مع دول منطقة جنوب شرق أفريقيا، أعتقد أن هذه [الضريبة] ستجبر المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على التخلي عن استراتيجية القفازات المطاطية وأن تكون أكثر حزما مع منطقة جنوب شرق أفريقيا".

لا يزال من غير الواضح تأثير انسحاب النيجر من قوة المهام المشتركة المتعددة الجنسيات على الاتفاقية الأمنية الموقّعة مع نيجيريا المجاورة في أغسطس الماضي. يشترك البلدان في حدود تمتدّ لألف ميل، لكنّ مساعي المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بقيادة نيجيريا للعودة السريعة إلى الحكم الديمقراطي سبّبت خلافات بين البلدين.

وقال إيفيونج إن التحركات الأخيرة في العاصمة نيامي، التي تسعى إلى شركاء عسكريين واقتصاديين جدد منذ طرد القوات الفرنسية في عام 2023، ليست مفاجئة.

وقال إيفيونج، الذي أشار إلى أن قوة المهام المشتركة المتعددة الأطراف تلقت مساعدات عسكرية واستخباراتية من شركاء غربيين في الماضي، إن "النيجر انسحبت من جميع التزاماتها الإقليمية الثنائية والمتعددة الأطراف الرئيسية، والتي ترى أن الكثير منها متأثر أو مستوحى من الغرب".

الدوافع وراء الانسحاب

تأتي خطوة النيجر في سياق سلسلة من التحولات التي اتخذها المجلس العسكري الحاكم لتعزيز سيادته وإعادة ترتيب أولوياته الأمنية والسياسية. يمكن رصد عدد من العوامل التي قد تكون دفعت النيجر إلى هذا القرار:

التوجه نحو استقلالية القرار الأمني

منذ استيلاء المجلس العسكري على السلطة في يوليو 2023، تبنّت القيادة الجديدة في النيجر نهجًا أكثر استقلالية في سياساتها الأمنية. تنظر القيادة العسكرية إلى القوة متعددة الجنسيات على أنها امتداد لنفوذ القوى الغربية، وخصوصًا فرنسا، التي كانت لها علاقات عسكرية وأمنية وثيقة مع النظام السابق. بعد طرد القوات الفرنسية من النيجر في عام 2023، تسارعت وتيرة الانفصال عن الهياكل الأمنية الإقليمية التي تحظى بدعم غربي، حيث يرى المجلس العسكري أن الاعتماد على تلك الآليات قد يقيد سيادته الوطنية ويحدّ من حريته في اتخاذ القرارات الأمنية.

إضافة إلى ذلك، تعتقد السلطات في نيامي أن التدخلات الغربية في الشؤون الأمنية لم تحقق الاستقرار الموعود، بل على العكس، تسببت في إطالة أمد الصراع مع الجماعات المسلحة. وعليه، فإن الخروج من هذه الشراكات الأمنية المتعددة الأطراف هو جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل السياسة الدفاعية للبلاد، وجعلها أكثر اعتمادًا على نفسها، أو على تحالفات إقليمية بديلة تراها أكثر توافقًا مع رؤيتها الاستراتيجية.

إعادة ترتيب الأولويات العسكرية

أعلن المجلس العسكري أن انسحاب النيجر من القوة المشتركة يهدف إلى "تعزيز أمن المواقع النفطية"، وهو ما يعكس تحولًا في أولويات الدولة من الحرب ضد الجماعات المسلحة إلى تأمين مواردها الاقتصادية الحيوية. فالنيجر تمتلك احتياطيات نفطية مهمة، وتعدّ الموارد الطبيعية عنصرًا حاسمًا في استراتيجيتها الاقتصادية، خاصة في ظل العقوبات التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بعد الانقلاب. لذا، فإن إعادة توزيع الموارد العسكرية لحماية تلك المواقع يشير إلى رغبة السلطات في تأمين عائدات النفط، التي تعد شريان الحياة للاقتصاد الوطني.

علاوة على ذلك، فإن تأمين المنشآت الاقتصادية، مثل حقول النفط والبنية التحتية للطاقة، يُعدّ جزءًا من رؤية أوسع لتعزيز الاستقرار الداخلي. إذ تدرك القيادة العسكرية أن استقرار البلاد اقتصاديًا هو عامل أساسي للحفاظ على سلطتها، لا سيما في ظل الضغوط الدولية والإقليمية. وبذلك، فإن القرار لا يعكس مجرد تحول أمني، بل يعبر عن إعادة هيكلة للأولويات الاستراتيجية للنيجر، حيث بات التركيز ينصبّ أكثر على المصالح الاقتصادية الداخلية بدلًا من الالتزامات العسكرية الخارجية.

الخلافات داخل القوة المشتركة

منذ إنشائها في عام 2015، واجهت قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات تحديات هيكلية أعاقت فعاليتها في مواجهة الجماعات الجهادية. كانت هناك مشكلات مزمنة في التنسيق بين الدول الأعضاء، حيث لم تتمكن القوة من توحيد جهودها العسكرية بشكل فعّال، ما أدى إلى تباطؤ العمليات الميدانية. كما عانت القوة من نقص التمويل والمعدات، مما جعلها غير قادرة على التعامل بفعالية مع التهديدات المتزايدة في منطقة بحيرة تشاد. يرى المحللون أن غياب استراتيجية واضحة وتقاسم غير متوازن للأعباء العسكرية بين الدول الأعضاء ساهم في تقويض نجاح المهمة.

إلى جانب ذلك، كانت هناك شكاوى متكررة من عدم التكافؤ في تحمل المسؤوليات داخل القوة المشتركة. إذ شعرت النيجر بأنها تتحمل عبئًا أمنيًا أكبر مقارنة ببعض الدول الأخرى، بينما لم تكن هناك نتائج ملموسة على الأرض. وبما أن المجلس العسكري يسعى إلى تقليل مشاركته في التحالفات التي يعتبرها غير مجدية، فإن قرار الانسحاب يعكس استياءً متزايدًا من الأداء الضعيف لهذه القوة وعدم تحقيقها للأهداف المرجوة.

التحولات الجيوسياسية في المنطقة

انسحاب النيجر من القوة المشتركة يأتي ضمن تحولات جيوسياسية أوسع تشهدها منطقة الساحل. فمنذ انقلاب 2023، تتجه نيامي إلى إعادة بناء تحالفاتها بعيدًا عن الإطار التقليدي الذي فرضته المنظمات الإقليمية المدعومة من الغرب. وقد كان انضمامها إلى تحالف الساحل مع بوركينا فاسو ومالي مؤشرًا واضحًا على هذا التوجه، إذ تسعى الدول الثلاث إلى بناء شراكة عسكرية وأمنية جديدة تعتمد على قدراتها الذاتية، بعيدة عن النفوذ الغربي المباشر.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى القرار على أنه جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على الشراكات التقليدية والتحول نحو تحالفات جديدة. ومن المرجح أن يتجه المجلس العسكري في النيجر إلى تعزيز التعاون مع روسيا أو الصين، اللتين أبدتا اهتمامًا متزايدًا بتوسيع نفوذهما في أفريقيا، خصوصًا في الدول التي تسعى إلى تقليل ارتباطها بالغرب. هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، مع احتمال تصاعد التنافس بين القوى العالمية على النفوذ في الساحل الأفريقي

التداعيات الأمنية والسياسية

تصاعد تهديد الجماعات المسلحة

يمثل انسحاب النيجر من قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات فرصة ثمينة للجماعات المسلحة، مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا، لتوسيع نطاق عملياتها في منطقة بحيرة تشاد. فقد كانت هذه القوة بمثابة حاجز أمني يمنع انتشار هذه التنظيمات، ورحيل النيجر قد يؤدي إلى خلل في هذا التوازن. كما أن الفراغ الأمني الناتج عن هذا الانسحاب قد يتيح للجماعات المتطرفة فرصة إعادة تجميع صفوفها وتكثيف هجماتها على القرى والمناطق الحدودية، مما يزيد من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الإرهاب وسندان ضعف القوات الحكومية.

إلى جانب ذلك، فإن التهديدات الأمنية لا تقتصر فقط على منطقة بحيرة تشاد، بل قد تمتد إلى أجزاء أخرى من النيجر والبلدان المجاورة. فمع ضعف التنسيق الأمني وتراجع الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب، قد تصبح النيجر بيئة خصبة لعودة بعض الجماعات الجهادية التي تكبدت خسائر في السنوات الماضية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تصاعد موجات النزوح الداخلي، وزيادة الضغوط الإنسانية على المناطق المتضررة.

تراجع التعاون الأمني الإقليمي

كان التنسيق بين دول المنطقة أحد العناصر الأساسية في مواجهة التهديدات الإرهابية، حيث لعبت النيجر دورًا محوريًا في العمليات المشتركة ضد الجماعات المسلحة. لكن مع قرارها الانسحاب من قوة المهام المشتركة، من المرجح أن يضعف هذا التعاون الإقليمي، مما يجعل من الصعب احتواء التهديدات الأمنية المتزايدة. وقد تجد الدول الأخرى نفسها مضطرة لتحمل عبء إضافي في غياب الدعم العسكري واللوجستي الذي كانت توفره النيجر، وهو ما قد يؤثر على فاعلية العمليات الأمنية.

علاوة على ذلك، فإن هذا الانسحاب قد يدفع بعض الدول الأعضاء الأخرى في القوة المشتركة إلى إعادة تقييم مشاركتها، لا سيما إذا شعرت بأنها تتحمل مسؤوليات أكبر من غيرها. وإذا استمرت هذه الديناميكية، فقد يؤدي ذلك إلى تفكك القوة المشتركة، أو على الأقل تقليص نطاق عملياتها، مما سيصب في مصلحة الجماعات الإرهابية التي تعتمد على ضعف التنسيق الأمني بين دول المنطقة لتعزيز نفوذها.

تعميق العزلة الدبلوماسية للنيجر

لم يأت انسحاب النيجر من قوة المهام المشتركة في فراغ، بل جاء في سياق أوسع من التوترات الدبلوماسية المتصاعدة بين نيامي وجيرانها، وخاصة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). فقد أدى الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم في عام 2023 إلى فرض عقوبات صارمة على النيجر، مما زاد من عزلتها الإقليمية. وبانسحابها من القوة المشتركة، ترسل النيجر إشارة واضحة إلى أنها لم تعد ترغب في الالتزام بالترتيبات الأمنية التقليدية التي تنظمها القوى الإقليمية المدعومة من الغرب.

على المستوى الاقتصادي، قد يؤدي هذا الانسحاب إلى مزيد من الضغوط على النيجر، حيث تعتمد البلاد بشكل كبير على التعاون الاقتصادي مع دول الجوار. ومع تدهور علاقاتها مع نيجيريا، التي تعد شريكًا تجاريًا رئيسيًا، قد تجد النيجر نفسها مضطرة للبحث عن بدائل اقتصادية وعسكرية، مما قد يدفعها أكثر نحو تعزيز علاقاتها مع قوى مثل روسيا والصين. هذا التحول قد يعيد رسم خارطة التحالفات في المنطقة، لكنه في الوقت ذاته قد يزيد من حدة التوترات مع الدول الغربية التي تنظر بعين الريبة إلى التقارب المتزايد بين دول الساحل الأفريقي وخصومها الجيوسياسيين التقليديين

السيناريوهات المستقبلية

تعزيز التعاون مع تحالف الساحل

من المتوقع أن تسعى النيجر إلى تعزيز تحالفها مع بوركينا فاسو ومالي، اللتين شهدتا أيضًا انقلابات عسكرية مماثلة، لتأسيس إطار أمني بديل يتجاوز الهياكل الإقليمية التقليدية مثل قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات أو إيكواس. هذا التعاون قد يشمل تشكيل قوات عسكرية مشتركة، وتكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلًا عن تبني سياسات أمنية متقاربة تتماشى مع التوجه المناهض للنفوذ الغربي في المنطقة. ومن شأن هذا التحالف أن يوفر للدول الثلاث منصة لمواجهة التهديدات الإرهابية وفق أولوياتها الخاصة، دون تدخل مباشر من القوى الغربية.

مع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من التحديات، إذ إن هذه الدول تعاني من ضعف القدرات العسكرية مقارنة بالقوى الغربية التي كانت توفر لها الدعم اللوجستي والاستخباراتي. كما أن غياب التمويل الكافي قد يعيق قدرة التحالف على تنفيذ عمليات فعالة ضد الجماعات المسلحة، مما قد يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في المنطقة. وإذا لم يتمكن هذا التحالف من تحقيق نجاحات ملموسة، فقد يواجه صعوبات في استقطاب دعم شعبي محلي، مما يضعف شرعيته على المدى البعيد.

زيادة النفوذ الروسي والصيني

مع انسحاب النيجر من الهياكل الأمنية التي كانت مدعومة من الغرب، قد تجد نيامي نفسها مضطرة لتعزيز علاقاتها مع قوى دولية أخرى، مثل روسيا والصين، لسد الفراغ الأمني والاقتصادي. روسيا، التي وسعت نفوذها في إفريقيا عبر مجموعة فاغنر وغيرها من القنوات العسكرية والدبلوماسية، قد تستغل الوضع لتعزيز وجودها في النيجر، سواء من خلال تقديم مساعدات عسكرية مباشرة أو عبر دعم أنظمة الدفاع المحلية. ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى تقديم نفسها كبديل أكثر موثوقية من الشراكات الغربية، خاصة بعد تزايد مشاعر العداء للوجود الفرنسي والأمريكي في دول الساحل.

أما الصين، فقد تركّز دعمها على الجوانب الاقتصادية، مثل الاستثمار في البنية التحتية والتعدين، وقد يكون لها دور متزايد في تقديم قروض وتمويل مشاريع استراتيجية مقابل حصولها على امتيازات اقتصادية. ومع ذلك، فإن تحول النيجر نحو هذه القوى قد يزيد من تعقيد علاقاتها الإقليمية، خاصة مع استمرار الضغوط الغربية والعقوبات المحتملة التي قد تفرض عليها نتيجة هذا التحول. وفي حال تصاعد التوترات بين القوى الكبرى في المنطقة، فقد تجد النيجر نفسها في وضع حساس بين المصالح المتضاربة.

تفكك محتمل لقوة المهام المشتركة

قد يؤدي انسحاب النيجر إلى تأثير متسلسل يدفع دولًا أخرى إلى إعادة النظر في مشاركتها ضمن قوة المهام المشتركة. فالدول الأعضاء المتبقية، مثل نيجيريا وتشاد، قد تجد نفسها أمام تحديات متزايدة في ملء الفراغ العملياتي الذي تركته النيجر، مما قد يضعف فعالية القوة ويجعلها غير قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد الجماعات الإرهابية. ومن دون دعم كافٍ، قد تواجه القوة المشتركة مزيدًا من التآكل في قدراتها، ما قد يفتح الباب أمام إعادة هيكلة أو حتى تفككها بالكامل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الانقسامات السياسية بين الدول الأعضاء قد تعمق من أزمة هذه القوة. إذ إن غياب التوافق حول الأولويات الأمنية والاستراتيجية قد يجعل من الصعب على هذه الدول الحفاظ على تعاونها العسكري بنفس الكفاءة السابقة. وإذا لم يتم التوصل إلى حلول جديدة لتعزيز التنسيق العسكري بين الدول الأعضاء المتبقية، فقد تتجه بعض الدول نحو حلول أحادية أو تحالفات جديدة، ما قد يسرّع من انهيار القوة المشتركة ويترك المنطقة عرضة لتصاعد النشاط الإرهابي بشكل غير مسبوق.

خاتمة

يأتي انسحاب النيجر من قوة المهام المشتركة في سياق تحول أوسع في سياساتها الأمنية والسياسية، حيث تسعى البلاد لتعزيز سيادتها واستقلالها عن التأثيرات الغربية. هذه الخطوة تشير إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية والدولية، ولكنها في الوقت ذاته تفتح المجال لفراغ أمني قد يستفيد منه الجهاديون والجماعات المسلحة. غياب التنسيق الأمني الفعّال بين دول المنطقة قد يعمق حالة عدم الاستقرار، مما يزيد من هشاشة الوضع في منطقة الساحل الأفريقي.

المستقبل القريب سيكشف ما إذا كانت النيجر وحلفاؤها الجدد، مثل بوركينا فاسو ومالي، قادرين على صياغة استراتيجية أمنية بديلة تعزز من قدرتهم على مواجهة التهديدات الإرهابية. ومع استمرار الأزمات الإقليمية، يبقى التساؤل حول ما إذا كانت هذه التحولات ستؤدي إلى مزيد من الفوضى وانعدام الاستقرار في المنطقة أم ستتمكن هذه الدول من بناء إطار أمني جديد يعيد التوازن الإقليمي.

مقالات مشابهة

  • شهر واحد فقط على انتهاء مهلة التصالح في مخالفات البناء.. الفرصة الأخيرة للمخالفين
  • روسيا تعلن تعزيز التعاون العسكري مع دول الساحل الأفريقي
  • برلماني: اقتحام الأقصى انتهاك صارخ وخرق واضح لجميع الاتفاقيات التي تهدف لترسيخ السلام
  • الأمم المتحدة تندد بالتصعيد العسكري الإسرائيلي المتزايد في سوريا
  • تحولات أمنية في الساحل الإفريقي.. انسحاب النيجر وتأثيراته على الحرب ضد الإرهاب
  • النيجر: الإفراج عن عشرات المعتقلين والإبقاء على الرئيس بازوم
  • اتهمتها بتوطين المهاجرين الأفارقة..ليبيا تعلّق عمل 10 منظمات دولية غير حكومية
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • واشنطن تعزز وجودها العسكري في الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات
  • موعد انتهاء الأجواء المغبرة وهذه حالة الطقس المتوقعة ثالث أيام عيد الفطر