إن التحوُّل الذي يُحدثه الذكاء الاصطناعي في حياة المجتمعات يدخل ضمن مراحل متسارعة من التطورات التي تشمل تنفيذ مجموعة من المهام المعرفية بل وحتى العملية التي كانت تستغرق ساعات من العمل الذهني والإبداعي، وهذا التطوُّر يثير الكثير من التساؤلات التي تشغل العالم اليوم، فحياتنا في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات التي نراها وسنراها في المستقبل القريب، تستوجب الاستعداد خاصة على تلك المستويات التي تمس الحياة الاجتماعية والثقافية.
فالتطورات التي يشهدها العالم في تقنيات الذكاء الاصطناعي مرتبطة بالضرورة بعلاقتها بالدماغ الإنساني، التي عزَّزت التعاونات العلمية والاكتشافات الطبية، وسهَّلت مشاركة البيانات والبحوث المختلفة؛ ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي أكثر من كونه تطبيقات محادثة أو ريبوتات، فهو يختلف عن الذكاء الإنساني، وإن ارتبط تطويره بمستويات الفهم، فالذكاء الاصطناعي اليوم في طفراته المتسارعة يقوم على تطوير شكل من أشكال الأحاسيس والعواطف أو الوعي أو حتى الحدس بالمستقبل، من خلال تلك التطورات التي تشغل المتخصصين التقنيين الذين ما فتئوا يحاولون الوصول به إلى هذا الحد.
ولهذا فإن هذه الطفرات تؤثر تأثيرا مباشرا على السياقات الثقافية، خاصة فيما يخص القيم والهُويات وتوجهات المجتمعات أفرادا أو جماعات، وبالتالي فإنها تؤثر على التصورات والسلوك والقرارات، ذلك لأن الهويات والقيم متطوِّرة عبر مراحل تغيُّر المجتمعات وترتبط بقدرتها على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات المتسارعة من ناحية، وارتباطها مع قيمها الأخلاقية ومبادئها الحضارية من ناحية أخرى، لذا فإن تطورات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وأشكاله أدت إلى اختلاف مفاهيم أساسية في الثقافة مثل الأصالة والخصوصية ومفهوم الصالح العام، والأمن والشفافية والمساواة والمسؤولية وكذلك الرفاه وغير ذلك من المفاهيم.
إن تلك المفاهيم التي تُعد مبادئ للقيم الثقافية والاجتماعية في المجتمع، بدأت تأخذ أشكالا جديدة بفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ ولهذا فإن العالم أجمع على ضرورة إيجاد مبادئ توجيهية لهذا النوع من الذكاء، في محاولة لما يسمى بـ(عولمة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي)، حتى يتواءم مع الأخلاقيات العامة للمجتمعات الإنسانية، وعلى الرغم من أنها مبادئ أخلاقية عامة، غير أنها تؤثر مباشرة في توجهها العام على الهُويات الوطنية، خاصة على المجتمعات الشرقية التي حرصت على الحفاظ على تلك الهُويات باعتبارها مميَّزة وفريدة حضاريا.
ولعل هذا ما دفع الكثير من الدول إلى إيجاد نسخ جديدة من الذكاء الاصطناعي التوليدي في برنامج الشات «جي بي تي» مثلا، من خلال إنشاء ما يُسمى بـ(النماذج اللغوية)، التي تحدثنا عنها في المقال السابق، فالأمر هنا يتعلَّق بمحاولة المجتمعات للحفاظ على الهُويات الوطنية، من خلال إنتاج أنماط معرفية جديدة تواكب التطورات المتسارعة، وتقدِّم صور ذهنية أكثر اتساعا وانفتاحا عن المجتمع ومبادئه وحضارته؛ فالسياقات الثقافية عادة أكثر عرضة للتأثير لأنها مرنة وتأخذ أشكالا متنوِّعة في الحركة والتطوُّر، ولهذا سنجد أن الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة ثقافية بالدرجة الأولى، يتبنى الأنماط الثقافية التي يُراد له أن يتبناها من قبل المبتكرين وفق أيديولوجية معينة، فالخوارزميات المتوفِّرة هنا تعتمد في الغالب على الثقافات الأكثر انتشارا وحضورا على مستوى العالم.
لذا فإن إيجاد تطبيقات ونماذج ذكية للثقافات بتنوعها وتعددها سيضمن قدرة المجتمعات على الحفاظ على المفاهيم الأساسية لقيمها وهُوياتها الوطنية والإقليمية، الأمر الذي سيجعلها دوما قادرة على المضي قدما والمساهمة الفاعلة في التطوير التقني والمعرفي لمجتمعاتها، كما سيقدِّم حلولا فاعلة على المستويات الاجتماعية والتعليمية والأكاديمية، وبالتالي يجعلها أكثر صمودا في وجه المتغيرات والتحديات.
يخبرنا تقرير (الذكاء الاصطناعي والثقافة وجهات نظر للتنوع الثقافي في العصر الرقمي)، أن قطاعات الثقافة ما زالت غير مشاركة بشكل فاعل في مناقشة الأطر الأساسية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي من ناحية، إضافة إلى قلة الدراسات التي تناقش تأثيره على مجالات الثقافة والهُويات الوطنية، إلاَّ أنه مع تسارع التطورات التقنية للذكاء الاصطناعي وقدراته، تزايد الاهتمام بالمحتوى الثقافي وتحريره وإنشاء تطبيقات تعتني بإبداع الأعمال الفنية، وبرامج الوساطة الثقافة، وتقديم الخدمات الثقافية للجماهير خاصة في المؤسسات الثقافية كالمتاحف والمزارات السياحية، إضافة إلى الإدارة الثقافية وتحليل البيانات، وتنظيم المجموعات الرقمية المساندة للبرامج الثقافية.
إن تلك الخدمات التي يقدمها اليوم الذكاء الاصطناعي للقطاع الثقافي، تشكِّل أهمية في تطوير رؤى الثقافة وقدرتها على الدعم الاستراتيجي لبرامجها، ومن هنا كان الاهتمام بتعزيز تفاعله مع مجالات القطاع الثقافي من ناحية، وإمكانات تطوير برامجه بما يتواءم مع الثقافات الوطنية والإقليمية من ناحية ثانية، بما يسهم في المحافظة على أصالة تلك الثقافات وتسهيل انتشارها باعتبارها قوة ناعمة قادرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى، لذا فإن التطورات المتسارعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تؤثر سلبا إلا على تلك المجتمعات التي تعتمد في الإنتاج التقني على غيرها من دول العالم، التي تسمح بعولمة ثقافتها المحلية وتحوُّلها إلى ثقافة هجينة تحت شعار العولمة.
لهذا كان الاهتمام بإمكانات التركيز على استخدامات الذكاء الاصطناعي في تطوير القطاع الثقافي، ودراسة آثاره على الثقافة المجتمعية، بحيث يمكن إيجاد أدوات وبرامج توظَّف في تصميم تقنيات تطوِّر المفاهيم الأساسية للقيم المجتمعية بما يتناسب مع العصر وتحافظ على أصالتها، فما تمر به المجتمعات من متغيرات تتطلَّب التدخُّل الإيجابي الذي يستفيد من المعطيات الهائلة للذكاء الاصطناعي بما يتناسب مع قيم المجتمع وهُويته.
لقد شكَّل التطوُّر المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وأدواته طفرة معرفية وقدرة هائلة للبيانات والمعلومات والاتصالات، التي تُعد فرصا لـ«تعزيز التفاعل بين الثقافات، وتسهيل التمويل والفرص الاقتصادية للتنمية المستدامة، والتمكن من الترابط العالمي، وتسريع التقدُّم نحو تحقيق خطة التنمية المستدامة 2030» ـ حسب التقريرـ، الأمر الذي فتح آفاق الثقافة وجعل المجتمعات أكثر انفتاحا وقدرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى في العالم، الأمر الذي أسهم في انتشار ثقافات أكثر تنوَّعا وتعددا.
إن ثقافتنا في العصر الرقمي تواجهها العديد من التحديات التي تحتاج إلى جهود مضاعفة من أجل إيجاد البرامج الرقمية المناسبة والتي تتناسب مع قيمنا ومفاهيم ثقافتنا المحلية والإقليمية، وبالتالي فإن الذكاء الاصطناعي يوفر تلك الفرص بقدر كبير إذا ما اتخذنا منه وسائل وبرامج ميسِّرة فقط، ضمن محتوى ثقافي مناسب وقادر على ضبط الإنتاج والنشر والإبداع، فالسياقات التي تتأسَّس وفقها الثقافة في المجتمعات تحتاج إلى ابتكار طرق لإشراك الأفكار والتبادل المعرفي، الذي يضمن ديناميكيتها وتفاعلها المعزِّز للإبداع والابتكار.
لهذا فإن المشاركة الفاعلة من القطاع الثقافي وما تُبذل من جهود واضحة في تنشيط الإبداع الثقافي، يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي وبرامجه، وقدرته على إيجاد سبل وطرائق جديدة لتنمية مجالات القطاع تسهم في تطوير سياسات الإبداع، وتقدِّم حلولا فاعلة للمحافظة على قيم المجتمع وهُويته الوطنية، كما ستوفِّر إمكانات تفاعلية وتنافسية على مستوى الصناعات الثقافية وجودتها وسلاسل القيمة المرتبطة بها، لذا فإن الاهتمام بدراسات أثر الذكاء الاصطناعي على الثقافة، وإنشاء برامج عدة تتواءم مع ثقافتنا وآدابنا وتراثنا سيكون له الأثر الكبير في تعزيز الثقافة الوطنية وتمكين الشباب المبدع في هذا القطاع.
إن مسؤولية المحافظة على ثقافة المجتمع اليوم في ظل الكثير من المتغيرات المرتبطة بالعصر الرقمي ليست مسؤولية مؤسسية وحسب بقدر ما هي مسؤولية مجتمعية، فكلنا نمثِّل المجتمع والوطن عندما ندخل عوالم الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرقمنة، ونتفاعل معها ضمن حوارات أو إنشاء نصوص أو إبداع تقني أو فني أو معرفي أو غير ذلك، فالمحتوى الثقافي الذي يُقدم لنا يجب أن يتواءم مع ثقافتنا وإمكاناتنا الفكرية والمعرفية، وما نكتبه أو ننشئه، عليه أن يمثِّل قيم مجتمعنا وهُويتنا الوطنية، فالعالم اليوم ينظر إلينا من خلال الشاشات الرقمية.
عائشة الدرمكية باحثة متخصصة في مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی العصر الرقمی من ناحیة من خلال الذی ی
إقرأ أيضاً:
مايكروسوفت.. شركة رائدة في قطاع المعلوماتية عند منعطف الذكاء الاصطناعي
سان فرانسيسكو (أ.ف.ب) - تحتفل مايكروسوفت غدًا في الرابع من أبريل بمرور خمسين عامًا على تأسيس الشركة التي قدمت للعالم ابتكارات تكنولوجية نقلتها إلى قمة وول ستريت وجعلت أنظمتها المعلوماتية أساسية، لكنها لم تنجح يومًا في تحقيق خرق حقيقي على صعيد الإنترنت الموجه للعامة.
يقول المحلل في شركة "إي ماركتر" جيريمي غولدمان: إن صورة مايكروسوفت تظهرها على أنها "شركة مملة وأسهمها في البورصة مملة".
قد تكون الشركة مملة، لكنها مربحة: فمع قيمة سوقية تناهز 3 تريليونات دولار، تمتلك مايكروسوفت أكبر قيمة سوقية في العالم بعد "أبل".
تعتمد مايكروسوفت بشكل أساسي على خدمات الحوسبة عن بعد (السحابة)، وهو قطاع سريع النمو ازدادت قوته مع الطلب على الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويضيف غولدمان: "أنها ليست بنية تحتية مثيرة للغاية، لكنها ذات قيمة كبيرة؛ فهي تدر الكثير من المال".
أسس بيل جيتس وبول ألين شركة مايكروسوفت في عام 1975، وأطلقا نظام التشغيل "ام اس دوس" MS-DOS الذي كان نجاحه سببا في تحقيق ثروتهما. وسُمي هذا النظام لاحقا بـ"ويندوز" Windows، نظام التشغيل المستخدم في أكثرية أجهزة الكمبيوتر في العالم.
وأصبحت برمجيات "مايكروسوفت أوفيس" (أبرزها "وورد" و"إكسل" و"باوربوينت") مرادفا لأدوات المكتب اليومية، لكن المنافسة المتزايدة مع أدوات "غوغل دوكس" Google Docs تغيّر المعادلة.
ويوضح غولدمان "أن يكون (أوفيس) لا يزال مجالا مهما بالنسبة إلى مايكروسوفت يكشف الكثير عن قدرتها على الابتكار".
ويتابع: "لقد وجدوا طريقةً لإنشاء منتج قائم على السحابة يمكن الإفادة منه بموجب اشتراك. لولا ذلك، ومع ظهور خدمات مجانية ومميزة، لكانت حصتهم السوقية قد انخفضت إلى الصفر".
- "الأقل مهارة" - لكن على صعيد التطبيقات التي يستخدمها ملايين الأشخاص يوميا، تظل مايكروسوفت في ظل شبكات التواصل الاجتماعي فائقة الشعبية، والهواتف الذكية الأكثر رواجا، ومساعدي الذكاء الاصطناعي متعددي الاستخدامات.
غير أن مايكروسوفت حاولت التوسع في هذه المجالات، فقد أطلقت الشركة التي تتخذ مقرًا في ريدموند في شمال غرب الولايات المتحدة، جهاز ألعاب الفيديو "اكس بوكس" Xbox في عام 2001 ومحرك البحث "بينغ" Bing في عام 2009. واستحوذت على الشبكة المهنية "لينكد إن" LinkedIn في عام 2016 واستوديوهات "أكتيفيجن بليزارد" Activision Blizzard في عام 2023.
وكانت الشركة تسعى للاستحواذ على تيك توك في عام 2020، وهي من بين الطامحين حاليا لضمّ هذه المنصة التي تواجه مجددا تهديدا بالحظر في الولايات المتحدة.
لكن من بين كل عمالقة التكنولوجيا، "تُعتبر مايكروسوفت الأقل مهارة في التعامل مع واجهات المستخدم، ويشكل ذلك في الواقع نقطة ضعفهم"، بحسب جيريمي غولدمان.
وفي عهد ستيف بالمر (2000-2013)، فشلت مايكروسوفت أيضا في تحقيق التحول إلى الأجهزة المحمولة.
وقد أدرك خليفته ساتيا ناديلا إمكانات نماذج الذكاء الاصطناعي في وقت مبكر، واستثمر بشكل كبير في "أوبن إيه آي" OpenAI حتى قبل أن تصبح الشركة الناشئة نجمة بين شركات سيليكون فالي بفضل "تشات جي بي تي" في نهاية عام 2022.
وفي العام التالي اعتقدت الشركة أنها قد تنجح أخيرا في هز عرش جوجل في مجال محركات البحث عبر الإنترنت، من خلال إطلاقها نسخة جديدة من محرك بينغ قادرة على الرد على أسئلة مستخدمي الإنترنت باللغة اليومية، وذلك بفضل نموذج الذكاء الاصطناعي من OpenAI.
وقد فاجأت مايكروسوفت المجموعة الأمريكية العملاقة التي تتخذ مقرا في كاليفورنيا، والتي سارعت إلى ابتكار مساعد الذكاء الاصطناعي الخاص بها.
تأخر في مجال الذكاء الاصطناعي
وفي نهاية المطاف، كانت إعادة تصميم بينغ بمثابة فشل، بحسب جاك غولد. على الرغم من زيادة مايكروسوفت حصتها في السوق، إلا أن غوغل لا تزال تستحوذ على حوالي 90% منها. ويختتم المحلل المستقل قائلا: "لقد كانت (جوجل) موجودة (في سوق محركات البحث) أولا، بمنتج أفضل".
ويبدي المحلل اعتقاده بأن مايكروسوفت لا تزال متأخرة في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل عام، وذلك لأنها لا تملك (حتى الآن) شرائحها أو نموذجها الخاص.
وتعمل المجموعة على نشر خدمات الذكاء الاصطناعي بسرعة على منصة "أزور" Azure السحابية الخاصة بها ومجموعة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي "كو بايلوت" Copilot.
لكن "نمو إيرادات +أزور+، من حيث البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي، أقل وضوحًا من نمو منافسيها"، وفق جاك غولد. ويؤكد أن خدمة الحوسبة السحابية "غوغل كلاود" Google Cloud، التي تحتل المركز الثالث في السوق بعد "ايه دبليو اس" من امازون و"أزور"، قد تتقدم إلى المركز الثاني في غضون عامين.
ويضيف المحلل أن جوجل تجذب بسهولة أكبر الشركات الناشئة، لأن أسعار مايكروسوفت موجهة نحو المؤسسات الكبيرة.
ويتابع غولد: "تكمن قوة ريدموند (مايكروسوفت) في أنظمة تكنولوجيا المعلومات الخاصة بالشركات الكبرى. لديهم كل الحوافز للتركيز على ذلك، بدلا من التركيز على المستهلكين، حيث توجد بالفعل منافسة شديدة".
لكن هل يصل ذلك إلى حد الاستغناء عن "إكس بوكس"؟ يجيب غولد "تُحقق ألعاب الفيديو أداءً جيدا، لكنها لا تُمثل سوى جزء ضئيل من إيرادات مايكروسوفت. لو حوّلت الشركة ميزانية البحث والتطوير إلى حلول الأعمال، لكان ذلك منطقيًا، برأيي".