مؤتمر القاهرة وفرص السلام في السودان
تاريخ النشر: 7th, June 2024 GMT
محمد جميل أحمد
تبدو مآلات الحرب السودانية اليوم أكثر خطورةً من أي وقت مضى، في ضوء المعطيات المخيفة التي كشفت عنها تلك المآلات؛ من شبح للمجاعات وانهيار الدولة المركزية وما يترتب عن ذلك الانهيار في منطقة جيوسياسية يجاور فيها السودان خمس دول شهدت حروباً أهليةً طاحنة، إلى جانب المخاطر الأخرى التي يمكن أن تترتب عن انهيار الدولة في السودان، من مظاهر الجريمة المنظمة، والهجرة السرية، والإرهاب ، فضلاً عن وصول أوضاع الاقتتال الجارية الآن إلى الحرب الأهلية الشاملة.
تلك المآلات ستعني بالضرورة أن مصالح كبرى لدول عالمية وإقليمية ستتضرر وهي مصالح لا يمكن غض الطرف عنها في ظل التشابك الحيوي الذي كشفت عنه طبيعة التجارة الدولية اليوم، إلى جانب التوازنات الجيوسياسية التي ستضطر تلك الدول إلى البحث عن حل للأزمة السودانية، بالرغم من انشغال العالم اليوم بحربين؛ الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب إسرائيل في غزة .
وتبدو كل من مصر الولايات المتحدة الأمريكية هما الدولتان المعنيتان أكثر بخطورة مآلات الحرب السودانية على مصالحهما الأمنية والجيوستراتيجية.
فمن ناحية تدرك الولايات المتحدة، أن هناك أكثر من سبب يدفعها إلى البحث عن حلول للأزمة السودانية، فالحرب في السودان اليوم لا تشيه أي حرب أهلية في أفريقيا. فالصومال الذي انهارت فيه الدولة منذ العام 1990 لم يكن سوى طرف على هامش القرن الأفريقي، وليس لموقعه الجيوستراتيجي تلك الخطورة التي يمثلها الموقع الجيوسياسي للسودان، فضلاً عن أن هناك دواع أخرى تجعل من الولايات المتحدة معنيةً بوقف الحرب في السودان على نحو خاص، ذلك أن الولايات المتحدة قد أدركت تماماً أن رغبة الشعب السوداني في الديمقراطية والدولة المدنية رغبة صادقة، ولاحظت أمريكا تلك الرغبة عبر وفرة من المعطيات التي عكسها المشهد السياسي في السودان منذ العام 2019 سواءً عبر اسقاط الجنرال عمر البشير في أبريل العام 2019 أو في مقاومة عملية فض اعتصام القيادة العامة في يونيو من العام ذاته، أو في رفض انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي واجهه الشعب السوداني بمظاهرات انطلقت منذ اليوم الأول للانقلاب وظلت مستمرةً لأكثر من عام لم يستطع فيه الانقلابيون تكوين حكومة ولا تسيير دولاب العمل العام بسبب تلك المظاهرات التي دفع الشعب السوداني فيها أكثر من 120 شهيد وشهيدة من خيرة أبناء الشعب السوداني، حتى اضطر الانقلابيون للتوقيع على الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر 2022 مع القوى السياسية، لكن سرعان ما انكشفت رغبة الجيش وحلفائه من عناصر النظام القديم في تفجير الوضع السياسي باندلاع حرب 15أبريل 2023 التي لاتزال مجرياتها راهنة.
ومن جهة أخرى تدرك مصر مآلات خطر الحرب في السودان على مصالحها القومية وعلى رأسها الأمن المائي الذي يعني أن وضعاً آمناً في السودان هو ضرورة استراتيجية لأمن مصر القومي، ولقد ظهرت هذه الحاجة على نحوٍ ملح مع بروز تلك المخاطر التي المذكورة لمفاعيل الحرب في السودان، لذلك تبدو مصر اليوم أكثر من أي وقت مضى استعداداً للبحث عن سلام في السودان والبحث جدياً عن ما يضمن حماية مصالحها الأمنية الجيوستراتيجية هناك.
ولعل الدعوة إلى مؤتمر لحوار سوداني سوداني في القاهرة يوم 30 يونيو تعتبر أبرز العلامات التي تعكس حرص مصر في ضوء معلومات سربتها الولايات المتحدة للأولى محذرةً لها من أن وضع الحرب في السودان بحلول شهر يوليو قد يصل إلى نقطة اللاعودة وعلى نحو يعكس خطورةً شديدة على أمن مصر ودول المنطقة.
ولقد ترافق مع تلك الجهود من أجل البحث عن السلام في السودان حدث كبير هو قيام المؤتمر التأسيسي لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) بقيادة رئيس وزراء حكومة الثورة د. عبد الله حمدوك، في أديس اببا بين يومي 27 – 30 مايو الماضي وهو مؤتمر حشد كثيراً من القوى الحزبية والنقابية ولجان المقاومة والإدارة الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، وعكس التمثيل فيه طيفاً واسعاً للمجتمع السياسي السوداني، ونرجو أن يكون لنجاحه اللافت دوراً كبيراً في تعزيز الحل السياسي بالوصول إلى اتفاق ينهي الحرب في السودان ويعزز قيام حكومة مدنية، لاسيما وأن تنسيقية (تقدم) قد أعلنت موافقتها المبدئية على المشاركة في مؤتمر الحوار السوداني السوداني بالقاهرة في 30 يونيو الجاري.
*نقلا عن صحيفة عمان
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الولایات المتحدة الحرب فی السودان الشعب السودانی أکثر من
إقرأ أيضاً:
نهب التراث السوداني: خسائر جسيمة ونداءات لاستعادة الآثار المنهوبة
يعد السودان من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ والحضارات القديمة، مما يجعله مركزًا هامًا للتراث الثقافي. غير أن الحرب المستمرة بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع الارهابية أدت إلى دمار ونهب واسع النطاق للمتاحف والآثار السودانية، حيث أكد النائب العام، خلال إحدى الليالي الثقافية في بورتسودان، تعرض 20 متحفًا سودانيًا للنهب والتخريب.نهب المتحف القومي السودانيفي مقابلة خاصة مع (سونا)، أكدت د. إخلاص عبد اللطيف، نائب مدير الإدارة العامة للآثار والمتاحف، أن المتحف القومي السوداني، الذي يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، تعرض لعمليات نهب واسعة النطاق منذ يونيو 2023.وأشارت إلى أن مقتنيات المتحف، التي تشمل آثارًا من العصر الحجري، وحضارة كرمة، ونبتة، ومروي، والعصور المسيحية والإسلامية، تمت سرقتها ونقل بعضها إلى خارج السودان، خاصة عبر الحدود الجنوبية.كما أوضحت أن مخازن المتحف القومي، التي كانت تُعد المستودع الرئيسي لجميع آثار السودان، تعرضت للنهب الكامل، مما أدى إلى فقدان كنوز وطنية لا تقدر بثمن، مثل المومياوات القديمة، والتماثيل، والفخار التاريخيتدمير ونهب متاحف أخرىلم يقتصر الدمار على المتحف القومي، فقد تعرضت متاحف الإثنوغرافيا، القصر الجمهوري، والمتحف الحربي في الخرطوم للنهب والتخريب.وأكد د. النذير تيراب، مدير متحف إثنوغرافيا السودان، أن تقييم حجم الأضرار بدقة لايزال صعبًا نظرًا لموقع المتحف في شارع الجامعة بوسط العاصمة.في أمدرمان، تعرض متحف الخليفة عبد الله التعايشي للسرقة، وتضررت أجزاء من مبناه، فيما نُهبت مقتنياته بالكامل.وفي دارفور، لم يسلم متحف السلطان علي دينار في الفاشر من التدمير، حيث استُهدف بالقصف المدفعي، مما أدى إلى تدمير هياكله الداخلية وتحطم نوافذه الزجاجية، كما نُهب متحف نيالا بالكامل، بما في ذلك الأثاث وخزائن العرض.اتجار غير مشروع بالقطع الأثريةأدى هذا الدمار إلى انتشار القطع الأثرية السودانية المنهوبة في الأسواق الدولية، حيث تم رصد بعض الكنوز للبيع على منصات إلكترونية مثل “eBay”. وحثت منظمة اليونسكو القطاع الخاص على الامتناع عن شراء هذه القطع المسروقة، بينما تم تتبع بعضها عبر طرق التهريب إلى جنوب السودان.جهود محلية ودولية لاستعادة التراث السودانيوسط هذه الكارثة الثقافية، تكثفت الجهود لاستعادة التراث المسلوب. ففي 26 فبراير 2025، التقى وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر وفد بريطاني يرأسه مايكل مالينسون، عضو مجلس المعماريين الملكي، لمناقشة خطة حماية التراث السوداني بالتعاون مع المتحف البريطاني، وجامعة كامبريدج، والمعهد البريطاني لشرق إفريقيا.واتفق الطرفان على إعداد قائمة مفصلة بالقطع الأثرية المنهوبة، ووضع تقرير شامل حول الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الثقافية السودانية، إضافةً إلى وضع خطط لإعادة تأهيل المتاحف المتضررة.ووفقًا للإعيسر، تقدر الخسائر الأولية في قطاع الثقافة والآثار والسياحة بحوالي 110 ملايين دولار.مبادرات لحماية التراثبالرغم من الدمار الواسع، ظهرت مبادرات محلية لحماية ما تبقى من التراث السوداني، من بينها:مبادرة حماية تراث السودان، التي أطلقتها منظمة (تراث من أجل السلام) في 2023، وتهدف إلى توثيق الأضرار والدعوة لحماية المواقع الثقافية.مجلس المعماريين الملكي وشركاؤه، الذين ساهموا في إعادة تأهيل أكثر من 12 متحفًا سودانيًا.جمعية أصدقاء المتاحف السودانية، التي تجري زيارات ميدانية لتقييم وضع المتاحف وتقديم خطط إعادة إعمارها.مخاوف دولية وتحذيرات من اليونسكوأعربت منظمة اليونسكو عن قلقها البالغ إزاء التقارير التي تفيد بتعرض المتاحف والمواقع الأثرية في السودان للنهب، محذرةً من أن هذه الممارسات تمثل تهديدًا خطيرًا للهوية الثقافية السودانية.ختامًايعد نهب المتاحف السودانية كارثة ثقافية تهدد السرد التاريخي والهوية الوطنية، حيث يؤدي فقدان هذه الكنوز إلى انقطاع الصلات بماضي السودان العريق. ومع ذلك، فإن الجهود المحلية والدولية تبعث الأمل في إمكانية استعادة هذا الإرث وحمايته للأجيال القادمة.تقرير: الرسالة عبدالرحيم – سونا إنضم لقناة النيلين على واتساب