في يومها العالمي: هل قضية البيئة مهمة في عالمنا العربي رغم الحروب والمآسي؟
تاريخ النشر: 5th, June 2024 GMT
"يا صديقي، لقد حوّلنا الغابة إلى أرض قاحلة، فكيف سنجيب إنليل في نيبور؟" يتساءل بطل "ملحمة جلجامش" – أقدم ملحمة شعريّة مسجلة بالسومريّة، وإحدى أبرز الأعمال الأدبية العتيقة في تاريخ البشرية – عن مدى خطورة ما قد تواجهه البيئة نتيجة لقطع الأشجار.
تجسّد هذه الكلمات القديمة القلق البشريّ منذ آلاف السنين حول القضايا البيئية، التي لا تزال من أكبر التحديات التي تواجه البشريّة في العصر الحديث.
على الرّغم من الحروب والمآسي التي يعاني منها عالمنا العربيّ، تظلّ قضية البيئة ذات أهمية بالغة، إذ تتداخل مع جميع جوانب الحياة اليوميّة، من الأمن الغذائي والمائي إلى الصحّة العامة والاستقرار الاقتصادي.
تنعكس هذه الأهمية أيضًا من خلال البيانات المثيرة للقلق التي تظهر عواقب بيئية خطيرة على المنطقة. حيث يؤدي تلوث الهواء إلى ملايين الوفيات سنويًا، ويساهم في زيادة معدلات الإصابة بالسرطان، حيث يتنفس 99٪ من سكان العالم هواءً غير صحي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن حوالي 37% من حالات الوفاة المبكرة الناتجة عن تلوث الهواء الخارجي في عام 2019، تمت نسبتها إلى الإصابة بمرض القلب الإقفاري والسكتة الدماغية، في حين نُسبت 18% و23% من هذه الوفيات إلى مرض الرئة الانسدادي المزمن وعدوى الجهاز التنفسي السفلي الحادة على التوالي. كما تسبب سرطان الجهاز التنفسي في 11% من الحالات.
وتشير إلى أن التعرض لجزيئات PM2.5 يزيد من مخاطر الإصابة بسرطان الرئة.
بالإضافة إلى ذلك "يواجه ما يقرب من 50 مليون شخص في العالم العربي نقصًا حادًا في مياه الشرب الأساسية، في حين يعيش 390 مليون شخص، أي ما يقرب من 90٪ من إجمالي عدد السكان، في بلدان تعاني من ندرة المياه".
أخطر خمس مشاكل بيئيةشهد العالم في السنوات الأخيرة زيادة هائلة في التأثيرات البيئية السلبية التي تؤثر على كوكبنا، من بين أخطر هذه التأثيرات خمس مشاكل تهدد البيئة والبشر على حد سواء:
1- ندرة الماء وتلوثه:
يعاني العديد من الدول العربية من مشكلة ندرة الماء العذب، وهناك أسباب عديدة لذلك مثل: قلة هطول الأمطار، واستغلال الموارد الجوفية، ما يؤدي إلى انخفاض مستوياتها، وممارسات الري غير الفعالة.
2 – التصحر وفقدان الأراضي الزراعية:
يمثل التصحر تهديدًا خطيرًا يواجه البيئة العالمية، حيث يتسبب سنويًا في تدهور 12 مليون هكتار من الأراضي. هذا التدهور يؤثر بشكل مباشر على نحو 40% من سكان العالم، ما يعرّض الأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي لتحديات هائلة.
3 – تلوث الهواء:
تتعرّض المدن الكبرى في العالم العربي لمستويات عالية من تلوّث الهواء؛ بسبب الانبعاثات الصناعية والنقل والوَقود الأحفوري. هذا التلوث يؤثر على صحة الإنسان، ويزيد من معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب.
4 – التغير المناخي وزيادة درجات الحرارة:
تؤثر تغيرات المناخ بشكل ملحوظ على المنطقة العربية، حيث تزيد من تكرار وشدة الأحداث الجوية القاسية، مثل: موجات الحر والجفاف والفيضانات، فضلًا عن التأثير الاقتصادي على السياحة والزراعة.
5- إدارة النفايات:
يؤدي سوء إدارة النفايات إلى تلوث الأراضي والمياه، ويزيد من المخاطر الصحية. إذ ينتج عن عدم التخلص من النفايات الخطرة، التسبب في تلوث المياه الجوفية والتربة.
هذه المشاكل تتطلب إجراءات مستدامة وعملية للحفاظ على الموارد الطبيعية والنظم البيئية، التي تعتمد عليها حياة الإنسان، والحياة البرية.
من هنا، تبرز أهمية وجود يوم عالمي للتوعية من أجل تعزيز الوعي، وتحفيز العمل الجماعي لحماية كوكب الأرض، وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
ذكريات الأيام الأولىفي 5 يونيو/حزيران عام 1972، انعقد في ستوكهولم، السويد، مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة، وهو الأوّل من نوعه لمناقشة القضايا البيئية على مستوى عالمي. أسفر هذا المؤتمر عن إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، وإطلاق اليوم العالمي للبيئة كمنصّة للتوعية البيئية، وحشد الجهود العالمية لحماية بيئتنا والحفاظ عليها.
كلّ عام يتم اختيار بلد مضيف، وموضوع مختلف لتسليط الضوء على القضايا البيئيّة الملحة، وتحفيز اتخاذ إجراءات ملموسة لمعالجة مشاكل بيئية محددة.
وقد شملت بعض المواضيع السابقة تغيّر المناخ، والتنوع البيولوجي، والحدّ من التلوث بالمواد البلاستيكية. أما موضوع هذا العام، الذي تستضيفه المملكة العربية السعودية، فهو: "أرضنا مستقبلنا- معًا نستعيد كوكبنا"، حيث ينصبّ تركيزه على إصلاح الأراضي، والتصحر، ومقاومة الجفاف.
يوافق هذا العامُ أيضًا الذكرى الثلاثين لإبرام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر، وهي واحدة من المعاهدات البيئية الثلاث الرئيسيةّ المعروفة باتفاقيات "ريو".
في هذا اليوم، يتم دعوة الحكومات والمؤسسات والأفراد لاتخاذ خطوات فعالة، نحو معالجة المشكلات البيئية التي تواجه عالمنا اليوم، بهدف خلق وعي عالمي بالمخاطر البيئية، وتعزيز المبادرات التي تسهم في الحفاظ على البيئة من خلال التعليم والتوعية.
تستهدف هذه المبادرات توحيد قوى الهيئات، والمؤسسات والمواطنين من أجل تغيير طريقة العيش.
وفي بعض الدول يتم دمج هذا الحدث في المناهج الدراسية والأنشطة اليومية للتركيز على أهمية الحفاظ على البيئة ومكافحة التلوث. كما تحرص المدارس على جذب انتباه طلابها إلى هذا اليوم من خلال تنظيم العديد من الأنشطة والفعاليات.
محاور المبادراتإصلاح الأراضي، والتصحر، والقدرة على مقاومة الجفاف، هي المحاور الرئيسية التي ستركز عليها المناقشات والمبادرات المقررة. حيث تواجه الأرض أيضًا تحديات بيئية خطرة، تتعلق بتدهور الأراضي والتصحر.
وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، "تصل نسبة الأراضي المتدهورة إلى 40% من مساحة الكوكب، مما يؤثر بشكل مباشر على نصف سكان العالم، ويهدد حوالي 44 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وبداية من عام 2000، ارتفع تكرار وشدة حالات الجفاف بنسبة 29%، ويقول مراقبون في حال لم تُتخذ إجراءات عاجلة، فمن الممكن أن يتأثر أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم بالجفاف بحلول عام 2050".
وبرغم التحديات البيئية الكبيرة التي نواجهها، فإن يوم البيئة العالمي يمثل مناسبة مهمة لتوحيد الجهود العالمية نحو حماية كوكبنا.
فلنتكاتف سويًا تحت شعار: "معًا نستعيد كوكبنا"، ولنبدأ اليوم في التغيير نحو مستقبل أكثر استدامة وأمانًا للجميع.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الأمم المتحدة سکان العالم
إقرأ أيضاً:
الأمن العراقي.. من يقرره ومن يحققه؟
كتب د. نبيل العبيدي – الخبير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية
عند الحديث عن الأمن الداخلي، فإننا نتناول جملة من الإجراءات والتدابير الوقائية والاحترازية التي تتخذها الدولة من أجل حماية أمنها الداخلي والحفاظ على استقراره، سواء من زاوية ضبط النظام وتطبيق القانون، أو من حيث حماية المواطنين وممتلكاتهم الشخصية.
فالأمن الداخلي مسؤولية جماعية، لا تنحصر في أفراد أو جهات بعينها، بل تتحقق بتكامل مؤسسات الدولة الأمنية والدفاعية كافة. ولا يمكن لأي طرف بمفرده أن يقرّر مسار هذا الأمن أو يتحكم به، لأنه في جوهره يقع ضمن مسؤوليات الدولة ورئاستها، ممثلةً بكل أجهزتها السيادية والعسكرية.
ونظرًا إلى الترابط الوثيق بين الأمنين الداخلي والخارجي، لا بد من وجود توازن دقيق بينهما، لأن أي اضطراب في محيط العراق الإقليمي، لا سيما في ظل الصراعات المتكررة في المنطقة، سينعكس بشكل مباشر على أمنه واستقراره الداخلي. فالحروب والنزاعات في دول الجوار تُسهم في زعزعة الأمن، وتفتح أبوابًا لتفاقم التهديدات والتحديات الأمنية الداخلية.
وبالنظر إلى الموقع الجغرافي الحساس الذي يتمتع به العراق، وسط منطقة ملتهبة تشتعل فيها الصراعات الإقليمية والدولية، فإن الاستقرار الأمني في الداخل يبدو أكثر هشاشة. وقد أثبت التاريخ، أن كلما خمدت نار الحرب في الجوار، سرعان ما تجد من يشعلها من جديد، في سياقٍ تتقاطع فيه المصالح والنفوذ الخارجي.
لقد مرّ العراق منذ تأسيس الجمهورية، بسلسلة من الحروب والانقلابات والتقلبات السياسية، وقُدنا مرارًا إلى مواجهات لا نعرف من بدأها ولا من يملك الحق فيها. وعشنا صراعات داخلية وخارجية، دفعنا ثمنها باهظًا من دماء أبنائنا ومن حاضرنا ومستقبلنا، في حين ظلّت الدول التي تقود تلك المعارك تأخذ خير العراق، وتترك له الدمار والخراب.
ورغم ذلك، فإن العراق لا يموت. قد يصل إلى حافة الانهيار، لكنه لا يفارق الحياة. كأنما قد كُتب له في لوح القدر أن يبقى حيًّا رغم الجراح، وأن يُبعث من تحت الركام مهما اشتدّت عليه الأزمات.
وعليه، حين يتحدث البعض عن الحرب أو السلام، لا يجوز أن يُبنى الموقف على مصالح شخصية أو ولاءات ضيقة. العراق بحاجة إلى صوت العقل، وإلى من يمنع عنه الحروب لا من يدفعه نحوها. فما عدنا نحتمل حربًا جديدة تشبه تلك التي خضناها مع إيران لثماني سنوات، دون أن نعرف يقينًا من المعتدي، ومن صاحب الحق، ولا لماذا بدأت ولا كيف انتهت.
إن واجبنا في هذه المرحلة، أن نكون دعاة استقرار في المنطقة، وأن نقدم النصح والمشورة لدول الجوار، ونساهم في منع انهيارها لا تسريع سقوطها. فالأمن الإقليمي هو جزء من أمننا، والحروب إن اندلعت، لن تميز بين دولة وأخرى، بل ستحرق الجميع.
ولذلك، يجب أن نضع العراق أولًا، في أمنه ونظامه واستقراره، دون مزايدات ولا شعارات. فمن أحب العراق، وأكل من خيراته، واستظل بسمائه، فليكن ولاؤه له، ولأمنه، ولسيادته. فبدون العراق، لا كرامة لنا، ولا معنى لانتمائنا.
الله، الله في العراق وأمنه.
هو قبلتنا التي لا نساوم عليها، ولا نجامل أحدًا على حسابها.
اللهم احفظ العراق من شرور الطامعين، ومن نيران الحروب، ومن سماسرة المصالح الشخصية.
واحمه من كل من يريد به سوءًا.