يمانيون – متابعات
تؤكد الوثائق القانونية الدولية إدراك منظمة الأمم المتحدة لخطورة جريمة الإبادة الجماعية، ليس بالنسبة لمن وقعت عليهم فحسب، بل على البشرية بشكل عام.

وقد أعلنت المنظمةُ الدوليةُ في قرارها رقم 96 لسنة 1946أن (الإبادة الجماعية تعد جريمة بمقتضى القانون الدولي تتعارض مع روح الأمم المتحدة، ويدينها العالم المتمدن)، واعترفت المنظمة الدولية في القرار ذاته الصادر عن جمعيتها العامة (أن الإبادة الجماعية قد ألحقت في جميع عصور التاريخ خسائرَ جسيمة بالإنسانية؛ وإيمانًا منها بأن تحرير البشرية من مثل هذه الآفة البغيضة يتطلَّبُ التعاوُنَ الدولي).

ووفقًا لما ورد في القرار السابق، يتأكد أن جريمة الإبادة الجماعية وفقًا لمفهوم الأمم المتحدة، ليست أمرًا غامضًا يحتاجُ إلى إجراء العديد من الدراسات والأبحاث؛ حتى تتضح أسبابه ودوافعه ونتائجه والمخاطر المترتبة عليه، ومن ثم البحث عن وسائل المعالجة لتلك الأسباب والدوافع والنتائج والآثار، بل إن الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد أقرت وبشكل مفصل في قرارها السابق، وفي غيره من الوثائق القانونية الدولية، بإدراكها العميق لما سببته جريمة الإبادة الجماعية للإنسانية عبر العصور المختلفة من خسائر جسيمة؛ وهو ما دفع المنظمة الدولية إلى وصف تلك الجريمة بأنها آفة بغيضة، وجودها يستعبد البشرية، وحينها أخذت على عاتقها العمل -من خلال التعاون الدولي- على تحرير البشرية من هذه الآفة البغيضة.

والأصلُ وفقاً لإدراك المنظمة الدولية لخطورة جريمة الإبادة الجماعية، ألا تتعرَّضُ أَيَّةُ جماعةٍ بشرية مطلَقاً لأَيِّ فعل يمكنُ أن يندرِجَ ضمن أفعال جريمة الإبادة الجماعية، خُصُوصاً أن المنظمة الدولية قد جسَّدت إدراكَها لخطورة هذه الجريمة في وصفها لها بأنها آفةٌ بغيضةٌ، والأصلُ أَيْـضاً أن منظمةَ الأمم المتحدة، التي تجاوز عمرُها ثمانيةَ عقود من الزمن، تمتلكُ من الخبرات المتراكمة والوسائل المادية، ما يمكِّنُها من منع تعرض أية جماعة بشرية لأي فعل من أفعال جريمة الإبادة الجماعية، وتملك أَيْـضاً وسائلَ لقمع من يتجرَّأُ على اقتراف أفعال إبادة جماعية بحق أية جماعة بشرية، وإن لم يكن ذلك كذلك، فما معنى ما ورد في الوثائق الدولية بشأن إدراك المنظمة لدولة لمخاطر جريمة الإبادة الجماعية على الإنسانية؟!

وإذا ما تتبعنا موقف منظمة الأمم المتحدة الذي جسدته في وثائقها القانونية، لوجدنا أن ذلك الموقف قد ارتبط بالتحضير والإعداد لسن اتّفاقية دولية بشأن (منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها) والتي أقرتها سنة 1948، وقد تزامن هذا الإقرار مع أخطر حدث في تاريخ البشرية، وهو ولادة دولة الكيان الصهيوني، بعملية جراحية قيصرية، تولتها منظمة الأمم المتحدة بقرارها رقم 181 لسنة 1947، وشطرت به وحدة أرض فلسطين العربية إلى شطرين، بل شطرت الوحدة الجغرافية الطبيعية للأُمَّـة العربية إلى شطرين، وتولت المنظمة الدولية لاحقاً رعاية المولود المسخ والعناية به، حَيثُ كَــبُــرَ ترعرع في كنفها، وبذلك القرار المشؤوم لمنظمة الأمم المتحدة، الذي ترتب عليه زرع الكيان الصهيوني في قلب جغرافيا الأُمَّــة العربية، ومحق ميزة وحدتها الطبيعة، وتمزيق شعوبها، ومنعها من مُجَـرّد التفكير في تحقيق وحدتها، القائمة على روابط الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.

وإذا كانت منظمة الأمم المتحدة ومن خلال وثائقها القانونية، تدرك يقينًا خطورة جريمة الإبادة الجماعية على الإنسانية، وَإذَا كانت منظمة الأمم المتحدة هي من أوجد دولةَ الكيان الصهيوني ومنحها دون وجه حق أرضَ فلسطين العربية، وَإذَا كانت منظَّمةُ الأمم المتحدة قد جسَّدت قناعتَها بخطورة جريمة الإبادة الجماعية، وإيمانها بضرورة تحرير البشرية منها، بوصفها آفةً بغيضةً فصاغت لتحقيق ذلك الهدفَ الإنساني النبيل (اتّفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية) لتوفر الحماية القانونية للبشرية في مواجهة من يحمل نوازعَ إجرامية، وَإذَا كانت هذه الاتّفاقية قد وُجدت بالتزامن مع ولادة دولة الكيان الصهيوني المسخ؛ فالأمر لا يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما:-

الاحتمال الأول: أن منظمة الأمم المتحدة كانت تدرك مسبقًا خطورة المولود الجديد المسخ (دولة الكيان الصهيوني) وما يحمله من نوازعَ إجرامية على البشرية عُمُـومًا، وعلى النطاق الجغرافي الذي تمت عمليةُ زراعته فيه خُصُوصاً؛ ولذلك فقد أوجدت المنظمة الدولية بالتزامن مع ولادة ذلك الكيان المسخ اتّفاقية (منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها) لتمثل رادعاً قانونياً له عن التفكير في اقتراف أي فعل من أفعال جريمة الإبادة الجماعية، بحق السكان الأصليين لأرض فلسطين، أَو أية أفعال إبادة جماعية بحق آخرين؛ انتقامًا لمزاعم المحرقة النازية!

الاحتمال الثاني: أن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة يبدو أنها كانت تتوقع أن يتعرض سكان الكيان الصهيوني، لإبادة جماعية أُخرى في النطاق الجغرافي المسلوب من أصحابه الأصليين، والممنوح لهذا الكيان المسخ، وخشية المنظمة الدولية أن تكون الإبادة المتوقعة على غرار تلك الإبادة المزعومة المسماة بالمحرقة النازية، ولمنع تحقّق هذا الاحتمال أوجدت منظمة الأمم المتحدة (اتّفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها)؛ لتوفر الحماية القانونية لليهود في مواجهة العرب عُمُـومًا والفلسطينيين خُصُوصاً؛ وهو ما يعني أن منظمة الأمم المتحدة إنما صاغت الاتّفاقية الدولية وفقاً لهذا الاحتمال، لمنع تعرض سكان دولة الكيان الصهيوني دون غيرهم للإبادة الجماعية؛ وهو ما يفسر اليوم تنصل المنظمة الدولية عن القيام بواجباتها، التي ألزمت نفسها بها في وثائقها القانونية حين يتعلق الأمر باقتراف جيش الكيان الصهيوني لجريمة الإبادة الجماعية، بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، التي تستمرُّ أفعالها وتَتَابَعُ منذ ثمانية أشهر، وتكتفي الأممُ المتحدةُ بوصف تلك الأفعال بأنها مروِّعةٌ!، في حين سبق لها قبلَ أكثرَ من ثمانين عاماً وصفُ الإبادة الجماعية بأنها آفةٌ بغيضة، تتطلَّبُ تعاونًا دوليًّا لتحرير البشرية منها، ومن ذلك الحين وإلى اليوم لا تزالُ منظمةُ الأمم المتحدة في مربع الوصف الذي انخفض سقفُه بشكل كبير عما كان عليه سابقاً!

والأصلُ عقبَ مرورِ أكثرَ من ثمانية عقود من الزمن، أن يرتقيَ وعيُ إدراك منظمة الأمم المتحدة ويرتفعَ بمستوى استشعارها للمخاطر المحدِقة بالإنسانية، خُصُوصاً مع التطورات التكنلوجية الهائلة في مختلف جوانب الحياة، لكن! مؤسف القول إن العقليةَ الجمعية لمنظمة الأمم المتحدة، لم يصبها شيءٌ من ذلك التطور والرقي، بل على العكس من ذلك يبدو اليوم واقع منظمة الأمم المتحدة منحطاً تماماً، مقارنة بما كان عليه حالها عند تأسيسها قبل أكثر من ثمانية عقود من الزمن، عندما كانت تستحضر فقط مخاطر الإبادة الجماعية، وتضع القواعد القانونية اللازمة لتوفير الحماية للإنسانية في مواجهتها، بوصفها آفة بغيضة يتوجب الاتّحاد والتعاون لتحرير الإنسانية من خطرها وشرها.

أما اليوم والآفة التي سبق لمنظمة الأمم المتحدة وصفها بالبغيضة، وحثها على التعاون الدولي لتحرير الإنسانية منها، اليوم هذه الآفة تبدو سافرة، يرتكب أفعالها الكيان الصهيوني جهاراً نهاراً على مدار الساعة، وبشكل مُستمرّ ومتتابع منذ ثمانية أشهر بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أصحاب الأرض الذين سبق لمنظمة الأمم المتحدة سلبُها منهم دون وجه حق، ومنحُها للكيان الصهيوني، الذي تتفرج عليه اليوم هذه المنظمة مباشَرَةً وعلى الهواء، وهو يؤدِّي بكل احترافية وحشية إجرامية فُصُولَ جريمة الإبادة الجماعية، مسنوداً بقوى استعمارية كان لها دورٌ كبيرٌ في تأسيس هذه المنظمة الأممية، وتحظى بعضوية دائمة في مجلس أمنها.

إن جريمة اليوم التي سقطت أمامها منظمة الأمم المتحدة، سقوطاً قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً مدوياً، وسقطت معها كُـلّ القيم والمبادئ الإنسانية الفلسفية، التي ظلت على مدى العقود الماضية تتفاخر بها وتزيِّنُ بها ميثاقها، وأصبحت هذه المنظمةُ اليوم، ومجلسُ أمنها عُرْضةً للتوبيخ والتقريع ولاشمئزاز من جانب ممثِّل دولة الكيان الصهيوني، مقترفِ أفعال جريمة القرن، كلما حاولت هذه المنظمةُ على استحياء، استصدارَ قرارٍ يُخَفِّفُ من حِـــدَّةِ الوحشية التي ينتهجُها الكيانُ الصهيوني وشركاؤه من القوى الاستعمارية الغربية، بحق الأطفال والنساء والشيوخ من سكان أرض فلسطين في قطاع غزة؛ فهل سيكونُ الانهيارُ المادي لهذه المنظمة قريبًا؟ خُصُوصاً بعد انهيارها وسقوطِها قيمياً وأخلاقياً وإنسانياً، بتنصُّلِها عن واجبِ منعِ أفعال جريمة الإبادة الجماعية وقمع مقترفِها وشركائه منذُ ثمانية أشهر بحق سكان قطاع غزة؟

د/ عبد الرحمن المختار

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: دولة الکیان الصهیونی لمنظمة الأمم المتحدة منظمة الأمم المتحدة المنظمة الدولیة هذه المنظمة البشریة من قطاع غزة ا کانت

إقرأ أيضاً:

منظمة حقوقية تطالب بكشف مصير محمد قحطان ومحاسبة المتورطين في إخفائه

قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن استمرار إخفاء القيادي في حزب الإصلاح، محمد قحطان، يُعد جريمة جسيمة وانتهاكًا صارخًا للقوانين المحلية والدولية، مشددة على ضرورة كشف الحقيقة كاملة حول مصيره، وتمكين أسرته من الحصول على معلومات واضحة بشأن مكان احتجازه ووضعه القانوني، ومحاسبة المتورطين في هذه الجريمة.

جاء ذلك في بيان لها بمناسبة مرور عشر سنوات على اختفائه بعد اختطافه من قبل مليشيا الحوثي من منزله في العاصمة صنعاء في الرابع من أبريل2025م، الذي صادف أمس الجمعة.

وأوضحت سام أن قحطان اعتُقل تعسفيًا من منزله في العاصمة صنعاء في 4 أبريل 2015، عقب محاصرته من قبل مسلحي جماعة الحوثي، دون مذكرة توقيف أو مسوغ قانوني، ومنذ ذلك التاريخ، انقطعت أخباره كليًا، حيث لم يُسمح لأسرته أو محاميه بمعرفة مكان احتجازه أو التواصل معه.

وذكرت المنظمة أن هذه الجريمة جاءت ضمن حملة قمع ممنهجة استهدفت النشطاء والسياسيين والمعارضين، إلا أن حالة قحطان حملت طابعًا خاصًا من القسوة، نظرًا لرمزيته السياسية والقيادية.

وبيّنت المنظمة أن مرور عقد كامل على استمرار إخفاء قحطان قسرًا دون أي معلومات عن مصيره، يُمثل انتهاكًا خطيرًا للحقوق الإنسانية، لا يقتصر على الضحية وحده، بل يشمل أسرته ومجتمعه، ويقوّض مبادئ العدالة ويُضعف الثقة في مستقبل يحترم الكرامة الإنسانية.

واعتبرت سام أن الاخفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، محمّلة جماعة الحوثي المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن استمرار هذا الانتهاك، ورافضة تحويل قضية محمد قحطان إلى ورقة تفاوضية أو أداة للمساومة السياسية.

وأكدت منظمة سام أن قضية قحطان تُمثل تذكيرًا مؤلمًا بملف طويل من الانتهاكات السياسية التي لم يُنصف ضحاياها، في شمال اليمن وجنوبه، منذ ما قبل الحرب التي اندلعت بانقلاب جماعة الحوثي على الدولة، في سبتمبر 2014.

ودعت سام الدولة اليمنية، والحزب الذي ينتمي إليه قحطان، وكافة القوى المدنية، إلى تحمّل مسؤولياتهم في تخليد ذكراه، من خلال أنشطة إعلامية وتوعوية وحقوقية، بما في ذلك تسليط الضوء على قضيته عبر وسائل الإعلام، وتنظيم فعاليات دورية للدفاع عن ضحايا الإخفاء القسري، بالإضافة إلى مواصلة تقديم العرائض والملفات القانونية أمام المحاكم والمحافل الدولية.

وجدّدت سام مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المعتقل قحطان، ومحاسبة جميع المتسببين في إخفائه، والالتزام بأحكام الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

وشددت المنظمة على الضرورة الملحة لتكثيف الجهود والضغط من أجل الكشف عن مصير جميع المخفيين قسرًا في اليمن، واتخاذ خطوات عملية لضمان عدم تكرار هذه الجرائم في المستقبل.

وأكدت المنظمة أن معالجة قضية الإخفاء القسري ليست فقط التزامًا قانونيًا وإنسانيًا، بل هي أيضًا خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة، وتضميد الجراح الوطنية، ووضع الأسس لسلام عادل وشامل.

وفي هذا السياق، دعت منظمة سام إلى الكشف الفوري عن مصير جميع من تعرضوا للإخفاء القسري خلال مختلف مراحل الصراع في اليمن، وعلى وجه الخصوص منذ اندلاع الحرب التي أشعلها انقلاب جماعة الحوثي في سبتمبر 2014.

مقالات مشابهة

  • منظمة التعاون تطالب بتحقيق عاجل في جريمة إعدام الكوادر الطبية والإنسانية بغزة
  • 17 ألف طفل فلسطيني في سجل شهداء الإبادة الجماعية
  • موظفة بالشركة: توقفوا عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإبادة الجماعية
  • منظمة حقوقية تطالب بكشف مصير محمد قحطان ومحاسبة المتورطين في إخفائه
  • مقطع يوثق جريمة إعدام طواقم الإسعاف في رفح وينسف رواية الاحتلال (شاهد)
  • برلماني: مجزرة الاحتلال برفح الفلسطينية استكمال لسيناريو الإبادة الجماعية
  • نقابة التعليم العالي تندد بنشاط تطبيعي لمعهد الزراعة والبيطرة" مع منظمة صهيونية تزامنا مع الإبادة الجماعية في غزة
  • الأمم المتحدة: الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على 40% من الوظائف
  • بارزاني: الإبادة الجماعية بحق الكورد الفيليين جزء من المخطط الممنهج للنظام السابق
  • نيكاراغوا تسحب دعمها لقضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل