د. سعيد بن سليمان العيسائي **

تعددت ألقاب الحكم عند العرب والمُسلمين وغيرهم من الدول والشعوب على مستوى العالم، ومن هذه الألقاب لقب "سلطان" و"ملك" و"خليفة" و"إمام" و"رئيس" و"أمير"، وكنَّا نفكر في الكتابة عن هذا الموضوع منذ سنوات طويلة، ومنذ أن سُئِلَ السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- عن سبب تسمية عُمان سلطنة وحاكمها لُقِبَ بلقب سلطان، ولم لم يتم تغيير اللقب إلى مَلِك؟! ردَّ جلالته- رحمه الله- قائلًا: "إنَّ الملك لله، والسلطان من السُّلطة، ونحن نستفيد من تراثنا وموروثنا في هذه التسمية".

وأذكر أنَّ الصحفي أو الإعلامي الذي سأل جلالته هذا السؤال هو صحفي مصري إذا لم تخنِ الذاكرة، وسألت بعض الإخوة الإعلاميين والصحفيين والمؤرخين من العُمانيين، فأخبرني بعضهم أنَّ الصحفي هو أحمد الجار الله، صاحب جريدة السياسة الكويتية. بينما ذكر لي بعضهم أنَّ الإعلامي أو الصحفي الذي سأل هذا السؤال هو مصري (وأغلب الظن أنَّه الإعلامي الراحل سمير صبري)، مؤكدين بذلك على ما ذكرته.

وسنبدأ بالحديث عن بعض ألقاب الحكم بادئين بلقب "خليفة" مرورًا ببقية الألقاب على أن يكون الحديث عن لقب "سُلطان" مسك حديثنا في هذا المقال. ونعتقد أن لقب "خليفة" بدأ بعهد الخلفاء الراشدين، الذين بدأ حكمهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر حكمهم حوالي 29 عامًا، والخلفاء الراشدون بالترتيب هم:

1. أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

2. عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

3. عثمان بن عفان رضي الله عنه.

4. علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

والخليفة هو رأس الدولة في الخلافة، وهو قائد مسلم على الدولة الإسلامية ليحكمها بالشريعة الإسلامية، ويُسمى بذلك، لأنَّ الخليفة هو قائدهم، وهو يخلف النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الإسلام، وسبب هذا اللقب أنَّ الخليفة الأول أبوبكر الصديق رضي الله عنه كان يُلقب بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما بُويع عمر رضي الله عنه للخلافة ناداه النَّاس بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر هذا اللقب في الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة الفاطمية، ودولة خلفاء الأندلس التي قال عنها الشاعر: علي الحصري القيرواني:

مِمّا ينغّصُني في أَرضِ أَندَلُسٍ *** أَسماءُ مُعتَصِمٍ فيها وَمُعتَضِدِ

أَسماءُ مَملَكَةٍ في غَيرِ مَوضِعِها *** كَالهِرِّ يَحكي اِنتِفاخًا صَولَةَ الأَسَدِ

وهي ما كانت تُسمى دولة "ملوك الطوائف"، أما في الدولة العثمانية فكان رأس الدولة يُسمى "خليفة"، أو "الخليفة العثماني"، إلّا أنه كان يحمل لقب "سلطان"، وتُعد الدولة العثمانية من أكبر الدول وأطولها التي استخدمت هذا اللقب الذي استمر فيها لقرونٍ طويلة حتى سقوط الدولة العثمانية في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

ومن الألقاب النادرة لقب "شَرِيف"، ويُطلق هذا اللقب على من كان مُعظّمًا بين قومه في المُجتمع العربي، وكان إطلاق هذا اللقب شائعًا على أعيان العرب في العصر الجاهلي، ولما جاء الإسلام خُص اللقب ببيوتات بني هاشم، لشرف نسبهم إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، فأصبحوا أشراف العرب.

وتطلق الأسرة الحاكمة في الأردن على نفسها "الأسرة الهاشمية" نسبة إلى الشريف: حسين بن علي شريف مكة؛ حيث إِنَّ نَسَبُهُ يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويُطلق على أبناء عمومة الملك الراحل الحسن بن طلال لقب "الشريف"، ومن أشهرهم الشريف زيد بن شاكر.

واللقب الذي كان يحمله الشريف حسين لقب شرفي، وليست له صلاحيات إدارية مُحددة، وإنما يُعَيِّنُهُ السلطان العثماني.

وهناك لقب "الشَرِيف"، وهو لقب قائد شرطة، أو مسؤول الأمن، ونشاهده في الأفلام الأمريكية، بزيه والشارة الخاصّة الرسمية.

ومن الألقاب النادرة كذلك لقب "خديوي" أو "خديو"، وهو لقب اختُص به ولاة مصر العثمانية دون غيرها من ولاة الدولة العثمانية منذ عام 1866، وحتى إعلان السلطنة المصرية في أعقاب فرض الحماية البريطانية على مصر عام 1914، ومن أشهر من حملوا لقب خديوي: الخديوي إسماعيل، والخديوي عباس حلمي الثاني.

وإذا انتقلنا للحديث عن لقب "إمام"، الذي هو لُغة من يُقتدى به في أقواله وأفعاله من رئيس أو غيره، وربما جاءت في الأصل من الإمام الذي يصلي بالناس، وأول من حمل لقب "إمام" هو الإمام: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومن أوائل الذين حملوا لقب "إمام" هم الأئمة الإباضية الأوائل في عُمان، منذ الإمامة الإباضية في عُمان عام 129هـ في عهد الجُلندى بن مسعود بن جيفر الأزدي، الذي انتُخِب أول إمامٍ للعُمانيين.

وحمل حكام الدولة اليعربية لقب "إمام" طوال مدة حكمهم التي امتدت لأكثر من قرنٍ ونصف القرن تقريبًا.

ويمكن الرجوع لكتاب "عُمان الديمقراطية الإسلامية.. تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث" للدكتور حسين عباس، للتوسع في مجال الحديث عن الإمامات الإباضية في عُمان.

وقد وضع الإباضية شروطًا فيمن يتم اختياره ليكون إمامًا، وقد أشرنا إليها في بحثنا الذي قدمناه في ندوة أقامتها عمادة شؤون الطلاب بمناسبة زيارة السلطان قابوس لجامعة السلطان قابوس عام 2001، وحديثه عن عدم جواز مُصادرة الفكر، ونشر هذا البحث في مقالات بصحيفة أخبار الأدب الإماراتية منذ سنوات.

كما حمل حكام الدولتين السعودية الأولى والثانية لقب "إمام".

وكانت للإباضية إمامة في اليمن من عام 128هـ إلى 130هـ، وامتد نفوذها إلى الحجاز، وكانت بقيادة الإمام عبد الله بن يحيى الكندي الملقب بـ"طالب الحق".

ومن أشهر من حملوا لقب "إمام" أئمة الزيدية في اليمن، التي استمرت لعدة قرون، كما حمل حكام الدولة الفاطمية لقب "إمام"؛ نظرًا لانتمائهم للمذهب الشيعي.

وكان يُطلق على بعض كبار العلماء من المسلمين لقب "إمام" كالإمام الغزالي، والإمام محمد عبده وغيرهم، كما يطلق على شيخ الأزهر لقب "الإمام الأكبر".

وننتقل للحديث عن لقب "مَلِك"، الذي ذكِرَ في القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ" (المائدة: 20)، وقوله تعالى: "قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ" (النمل: 34)، وذلك في الحديث عن بلقيس ملكة سبأ، التي قد تكون من أقدم من حمل لقب ملك في الجزيرة العربية.

وكان في اليمن قديمًا من يحملون لقب "ملك"، وبخاصة في حِمْيَر، وهم قوم تُبَّع، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، ولقب "تُبَّع" في اليمن من أيام الجاهلية، مثل لقب الخليفة في الإسلام، وهو أيضًا مثل لقب فرعون وهامان.

ومن أقدم من حمل هذا اللقب في الجزيرة العربية ملوك الغساسنة وملوك المناذرة.

ومن أشهر من حمل هذا اللقب في الجزيرة العربية أيضًا الشاعر: امرؤ القيس، الذي كان يلقب بـ"الملك الضليل".

ومن أشهر من حمل هذا اللقب أيضًا النجاشي ملك الحبشة، لأنَّ النجاشي لقب كان يطلق على ملوك الحبشة.

ومن أقدم من حمل لقب "ملك" من أهل عُمان: عبد وجيفر ابني الجُلندى، اللذيْن كانا يلقبان بملكي عُمان، وكان مقر حكمها في صحار، وقصتهما مع الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه رسولُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم معروفة.

ويرى بعض المؤرخين العُمانيين أنَّ بعض حكام النباهنة كان يحمل لقب "ملك"، ولهذا سموهم بـ"الملوك الجبابرة" لأسباب ليس هنا مكان الحديث عنها.

ومن أشهر من حمل لقب "ملك" في المنطقة شاه إيران: محمد رضا بهلوي، الذي يلقب نفسه بـ"الشاهشاه" أي ملك الملوك.

وإذا انتقلنا إلى لقب "سُلطان"، فإنِّه من أقدم الألقاب وأكثرها شهرة وانتشارًا في التاريخ، ومن بين من حملوا لقب "سلطان" هم حكام الدولة العثمانية منذ بداية تأسيسها على يد السلطان: محمد الفاتح إلى سقوط الدولة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ودامت مدة حكم الدولة العثمانية قرابة الستة قرون.

ومن الدول الإسلامية التي حمل حكامها لقب "سلطان" سلاطين السلاجقة، وسلاطين الدولة المملوكية، وسلاطين الدولة الأيوبية في مصر.

ومُعظم ممالك الهند كانت تحمل اسم سلطنة، وحاكمها يحمل لقب "سلطان" مثل "سلطنة دلهي"، و"سلطنة حيدر أباد" وغيرها، واستمرت هذه السلطنات إلى مجيء الاستعمار البريطاني، الذي سعى لإلغاء هذه السلطنات الإسلامية واحدة تلو الأخرى.

وكان فيما كان يسمى باليمن الجنوبي عدد من السلطنات وحاكمها كان ممن يحمل لقب "سلطان" كالسلطنة القعيطية، والسلطنة الكثيرية، وسلطنة المهرة، وسلطنة العوالق العليا، أما مؤسس الدولة السعودية الثالثة عبد العزيز بن سعود فقد حمل ثلاثة ألقاب: الأول هو أمير نجد، ثم سلطان نجد، ثم ملك المملكة العربية السعودية بعد انضمام سلطنة نجد ومُلحقاتها إلى مملكة الحجاز.

وكان لقب "سلطان" موجودًا في مصر، وأول من تلقب به هو السلطان حسين كامل من 19 ديسمبر 1914، وحتى 19 أكتوبر 1917، وتولى حسين كامل السلطنة المصرية بعد عزل الإنجليز للخديوي عباس حلمي الثاني، واستمر هذا اللقب إلى عهد أحمد فؤاد، والد الملك فاروق الأول، الذي حمل لقب "سلطان" ثم تلقب بعد ذلك بلقب "ملك".

أما في المغرب، فقد بُويِع محمد الخامس سلطانًا على المغرب في 17 نوفمبر 1927، ووالده يوسف كان يحمل لقب سلطان أيضًا، وتمَّ تغيير هذا اللقب ليحمل محله لقب "ملك" عام 1957.

وإذا انتقلنا إلى تاريخ لقب "سلطان" في عُمان، فإن دولة بني نبهان من 1154م إلى 1624م تكاد تكون أول من ظهر فيها هذ اللقب، وحكمت أسرة بني نبهان عُمان قُرابة الخمسة قرون، وكان حكمهم على فترتين: الأولى: من عام (549هـ، 1154م) إلى (906هـ، 1500م). والثانية: من عام (960هـ، 1500م) إلى (1034هـ، 1624م).

وحمل مُعظم حكام هذه الأسرة لقب "سلطان"، بينما يرى بعض المؤرخين العُمانيين أن بعضهم حمل لقب "ملك"، ولهذا سموهم بـ"الملوك الجبابرة". ومن أشهر سلاطين بني نبهان، السلطان: سليمان بن سليمان النبهاني، الشاعر المعروف. وللنباهنة العديد من الإنجازات إلّا أنَّ بعض المؤرخين العُمانيين سخط عليهم، أو تحامل عليهم بسبب حكمهم الوراثي، وبسبب بعض الأخطاء التي اقترفها بعضهم.

وإذا انتقلنا إلى مسك الختام، وهو الحديث عن لقب "سلطان" في العصر الحديث، فإنَّ بعض المؤرخين العُمانيين يرى أنَّ سلطان بن أحمد بن سعيد هو أول من تلقب بلقب "سلطان" من الأسرة البوسعيدية، وكان والده أحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية يحمل لقب "سيد"، وهو اللقب الذي كان يطلقه اليعاربة على وُلاتِهم، وأحمد بن سعيد كان يحمل لقب "سيد" بصفته كان واليًا على صحار. ويرى بعض المؤرخين العُمانيين أنَّ أحمد بن سعيد حمل لقب "إمام" لأسباب واعتبارات لا مجال لذكرها في هذا المقال.

وغلب لقب "سيد" على بعض الحكام العُمانيين كسعيد بن سلطان، والسلطان: سعيد بن تيمور، الذي يسميه الكثير من العُمانيين "السيد سعيد"، وبعد وفاة السيد سعيد بن سلطان، وتقسيم الإمبراطورية العُمانية من قبل بريطانيا، حمل أولاده وأحفاده لقب "سلطان" إلى قيام الانقلاب في زنجبار في عهد السلطان: جمشيد بن عبدالله، آخر سلاطين الدولة البوسعيدية في زنجبار.

ونُشير هنا إلى أنَّ لقب "سيد" ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا" (الأحزاب: 67)، والسيد هو كبير القوم وزعيمهم ورئيسهم، أما السلطان فإنه مشتق من السُلطة كما قال السلطان الراحل في المُقابلة التي أجريت معه، وقد ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى كما فى قوله تعالى: "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا" (الإسراء: 65)؛ أي: ليس لك عليهم قوة.

وقد اطّلعت على البطاقة الشخصية للسُّلطان الراحل: قابوس بن سعيد، التي أهداها لمكتبه معالي السيد محمد بن أحمد- رحمه الله- ووجدت أنَّه مكتوب عليها (قابوس بن سعيد بن تيمور البوسعيدي)، وعندما سأله الوزير السابق محمد بن موسى اليوسف عن اسمه، أجاب: بهذا الاسم الذي ذكرناه.

ونختم مقالنا هذا بثلاثة أمور:

الأول: أنَّ لقب "سلطان" موجود حاليًا في ثلاث دولٍ هي: (سلطنة عُمان، وسلطنة بروناي، وماليزيا).

الثاني: هو تجربة فريدة لحكم وراثي ملكي، ولكن يُطلق على رأس الدولة فيها لقب (رئيس)، وهذه الدولة هي دولة الإمارات العربية المتحدة، ولهذا الموضوع أسباب وحيثيات، وسياقات تاريخية هي التي أدت إلى وجود هذه الحالة الفريدة، لأنه في العادة يكون لقب "رئيس" في الدول الجمهورية.

الثالث: فهو عبارة عن استفسار أو تساؤل عن البدايات الأولى لنشوء لقبي "سلطان" و"ملك"، أو الأسس والقواعد والضوابط التي قامت عليها المماليك والسلطنات من الوجهة التاريخية والدستورية، ولعل في بعض الوثائق والأدبيات القديمة ما يجيب على هذا التساؤل.

** كاتب وأكاديمي

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

خيارات الدولة السورية الجديدة

بيت القصيد

لا تقل الثورة السورية أهمية، حينما توّجت مسيرتها المظفرة بإسقاط النظام السياسي المستبد، عن الثورات التاريخية التي انتصرت على الاستكبار العالمي، لا من حيث طول المدة في المقارعة ولا من حيث حجم التضحيات.

فالثورة السورية قدمت مليونا من الأنفس ويزيد، وهُجر نصف شعبها أو قريب، ودُمر من البنية العمرانية قسط كبير، ورغم معاناة شعبها من آثار الحرب فلا يزال صابرا أبيا، قد أكرمه الله تعالى بـحكم راشد لديه رؤية حضارية، على ما يبدو، رغم ما يلقى في طريقه من المعوقات.

إنه في صميم هذا الصراع وغيره من الصراعات الجليلة التي ابتليت بها الأمة بعد سقوط الخلافة، تجد الإسلام ـ الدين الذي ارتضاه الله للعالمين- المحرض الأول للناس على التحرر، والعامل المستفز الأكبر لكل من يقف أمام إنجازات الشعوب من  ثورات مضادة ومرجفين؛ قرأنا ذلك عن الثورة الجزائرية وبعد استقلالها، وعن الثورة الإيرانية وما أعقبها، وإبان الثورة المصرية غداة الربيع العربي وما تلاها، وفي تونس وأفغانستان وسورية الجديدة، وأخيرا قطاع غزة وحكومة حماس. إنها قصة واحدة تتكرر في أكثر من مكان وزمان.

تورم الأقليات

يستوحي بعض الكتاب خلاص الأمة من تجربة الغرب مع الدين المسيحي، ويختار لشعبه الحل العلماني وقد يكون القائل بذلك قسا إصلاحيا! إنه لا المسيحية تمتلك نظرة خاصة بها للدولة، ولا التجربة الغربية الحديثة حلت المشكلة، فالديمقراطية هشة كما قال الرئيس الأمريكي "بايدن". يقفز هؤلاء على تجربة الحكم النبوية والراشدية، وهي أروع نموذج في تاريخنا السياسي، وما تلاه من خلافة لم يك سيئا كما يتصورون، لأن الاختيار في زمنها اعتمد على شروط الولاية وزاد العصبية لا الكاريزما الفردية؛ والنتيجة أن كانت الخلافة الإسلامية أقوى الدول حتى أواخر بني عثمان، وعاشت الأقليات فيها أهنأ حياة، لأنها سلمت بعدالة الميزان، الذي يميل للأغلبية الساحقة، فالقسمة بالسوية "ظلم" بين الرعية.

إذا كان الأمر كما يدندن هؤلاء، فلنوازن إذن بين مبدئي الشورى في إطار الخلافة والتعددية في إطار الديموقراطية، ولنحسبها بالنقاط، ثم نستفتي الجمهور الذي سيطبق عليه أحد المبدئين عن رأيه، بما أن القضية سترسو كلها على الاختيار الحر النزيه.

للسوريين تاريخ سياسي ثري قبل سيطرة الفكر القومي، فلا أرى للدرزية والعلوية والكردية أطروحة ثقافية خاصة في الحكم تصلح لسوريا غير أطروحتهم كمكون أصيل من مكونات الأمة عبر تاريخها المجيد.طيب، هل من العدل في الحقوق الأساسية أن يكون الرئيس مسيحيا في مجتمع أغلبيته مسلمة؟ وهل من الإنصاف أن يطبق نظام الأحوال الشخصية للمسلمين على غيرهم؟

التنوع الثقافي ليس مدعاة للخوف منه أو اتخاذه أداة للصراع. للسوريين تاريخ سياسي ثري قبل سيطرة الفكر القومي، فلا أرى للدرزية والعلوية والكردية أطروحة ثقافية خاصة في الحكم تصلح لسوريا غير أطروحتهم كمكون أصيل من مكونات الأمة عبر تاريخها المجيد. بقي أن يصاغ "الإعلان المرجعي" للدولة باستخراج علمائها ما في بطون الكتب الأصيلة من كنوز دفينة في السياسة الشرعية ويقرأ فيها بإمعان.

لا يشعر مناصرو الدولة القطرية بالتناقض حينما يتحدثون عن التاريخ الاجتماعي الواحد الذي جنت عليه مسطرة سايكس- بيكو، أو عندما ينادون بتحقيق المصلحة المشتركة التي يفرضها التشابك الجيوسياسي والتاريخ الواحد، ثم يشرعون في التنظير لترسيم التقسيم الاستعماري عفويا. هذه هي المشكلات الراكزة في وعينا لم نفككها بعد، والأولى بالبلدين، سورية ولبنان، المنقسمين سياسيا مد أواصر اللحمة بين أبناء هذا الشعب الواحد على أسس عادلة مشتركة، استثمارا لهذه الفرصة التاريخية تثار حفيظة بعض العلمانيين إذا سمعوا حديثا عن ضبط الحريات حتى ولو تعلقت بقضايا شخصية، كانت بالأمس القريب حراما أن تستباح. إنه من الخصوصية الأخلاقية عبر التاريخ لبلاد الشام هذا الإحساس الروحي الذي يضفى عليها طابع الولاية والصلاح.

إن مظاهر الاقتتال والتدافع الحاد مظاهر سيئة بين أبناء البلد الواحد وهم على مرمى حجر من الأعداء، لكنها مظاهر معهودة تاريخيا في مثل هذه المراحل الانتقالية من حياة الدول. وسيدركها الأفول تدريجيا ما استقر الحكم الجديد وساد عدله بين الناس.

سياسات آمنة

مطالب الولايات المتحدة للقيادة السورية رعناء. ولا يحسن الرد عليها إلا الأفغان. سورية أرض حرب ما دام الكيان قائما، والعقوبات ستبقى سيفا مصلتا في وجه السوريين ما ارتفع لهم جفن؛ لذلك، لا يجب على القيادة التطلع إلى دولة تحيا حياة اعتيادية، بل عليها أن تعمل على بدائل اقتصادية، وتحالفات قوية تمنعها، وعليها أن تمتلك أوراق ضغط حقيقية على الغرب، لا أن تعطيه إعطاء الذليل.

تسود في الشام مدرستان فقهيتان، الحنفية والشافعية، كانتا مؤطرتين للحضارة الإسلامية بامتياز، ومدرسة ثالثة حنبلية قليلة التنطع وسطية. ولعل في كلية الشريعة بجامعة دمشق منبت للرجال الأسوياء، يعول عليها كثيرا في بناء الدولة الجديدة.بدا لي من خلال بيان الحكومة وكلمات الوزراء الجدد أن ما قيل يصلح أن تتبناه أية حكومة، لأنها أهداف فضفاضة بعيدة المنال وصالحة لكل مرحلة، لا لمرحلة انتقالية لها أولويات خاصة وإمكانيات محدودة. ناهيكم عن وقوع السادة الوزراء تحت تأثير جاذبيتين، أولاهما تكرار أدبيات العهد البائد، من: فخامة، ولغة خشبية، والتعامل مع الناس بمنطق المواطنة... وجاذبية أخرى، تمثلت في تبني الحداثة الغربية في بناء الدولة بجميع مرافقها تقريبا، الحداثة التي وصلت إلى طريق مسدود وهي تعيش انهيارا شاملا في هذه الحقبة؛ إنه لا بد من شق طريق خاص بالسوريين، غير الذي سمعناه، في كل المجالات والميادين.

لا يستطيع أي عاقل مشفق على بلده، أن يحدد جدولا زمنيا يهدئ لهفة المطالبين بالتغيير السريع؛ إن أعمار الدول كأعمار البشر، تبدأ بالتأسيس فالقوة فالضعف، وكل مرحلة منها تستنفد حياة جيل أو تزيد، بحسب ما يرى الله الناس كيف يعملون.

ومن تحت هذا الركام نسمع أنينا واستهلالا، فيه إرادة حياة تريد أمتنا أن تحياها، فسورية بدأت المشوار، وتركيا تعاضدها، وأفغانستان تبني نفسها بعد أن تحررت، والإيمان بالمقاومة في أعلى مستوياته.. نسأل الله تعالى أن يبارك ويزيد.

الفرق بين الجاني والضحية هو المبادأة إلى إلقاء المتفجرات وعد الاكتراث للعواقب. أحقا لا تدرك القيادة السورية الجديدة الذراع التي تؤلم العدو الصهيوني؟ أم هي حكمة "بالغة"! إذن أخرجوها لنا!

الأتراك يتحركون فوق أرض لا قرار لها، رغم أن الحزب الحاكم لا يخفي تطلعاته التوسعية المقبولة لدى عموم الأمة، لأن المعارضة لا أمان لها، ولها طرح عنصري لا يؤمن بوحدة الأمة؛ وبالتالي فالمعول على الله والشعب السوري الأبي.

توحيد الشعب السوري على اللسان العربي لا يعني إلغاء غيره، الوضع أشبه باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن لم يسهم في التحرير ليس كمن سعى إلى التقسيم أو جعل سخطه تماهيا مع الاحتلال الصهيوني. لقد كان بالإمكان التأني او اتخاذ خطوات متثاقلة في ترتيب البيت، ولكن أحرار الشام رفقوا بقومهم، فليحمد الله كل سوري حر على نعمة الله عليه ويحسن جوارها.

الحياة متكاملة دينا ودنيا. تختفي الأطروحات السلفية كلما ابتعدت الموضوعات عن الشعائر التعبدية كثيرة الاختلاف، لأن المعاملات والجنايات والنظام العام لا اختلاف كثيرا فيها. تسود في الشام مدرستان فقهيتان، الحنفية والشافعية، كانتا مؤطرتين للحضارة الإسلامية بامتياز، ومدرسة ثالثة حنبلية قليلة التنطع وسطية. ولعل في كلية الشريعة بجامعة دمشق منبت للرجال الأسوياء، يعول عليها كثيرا في بناء الدولة الجديدة.

مقالات مشابهة

  • بكري حسن صالح .. الرجل الذي أخذ معنى الإنسانية بحقها
  • عيد محور المقاومة الذي لا يشبه الأعياد
  • صيام الست من شوال وإهداء ثوابه إلى الميت.. دار الإفتاء توضح الحكم
  • هوملز يعلن اعتزاله بنهاية الموسم
  • بعد إعلانه الرحيل.. نظرة على أرقام دي بروين مع مانشستر سيتي
  • خيول 13 دولة تتنافس السبت في "ميدان" على ألقاب كأس دبي العالمي
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • ما الذي يريده هؤلاء الناس؟
  • جلالة السلطان يهنئ رئيس السنغال
  • خيارات الدولة السورية الجديدة