جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-06@18:27:51 GMT

ولا تُسرِفُوا

تاريخ النشر: 3rd, June 2024 GMT

ولا تُسرِفُوا

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

 

في صباي، كثيرًا ما كنتُ أتأثرُ بالقصة التي أسمعها عن بعض الصالحين في تاريخنا الإسلامي الذين كانوا يحملون جراب الطعام على ظهورهم وهم مُلثمين يقومون بتوزيع الطعام سرًا على الفقراء من أبناء المدينة التي يعيشون فيها، وكنتُ كثيرًا ما أُفكِّر بوسيلة لتقليدهم، ولكني كنت أعجزُ عن القيام بذلك لتغيُّر الواقع، فأمثال هذه القصص على الرغم من أثرها الكبير في النفس إلّا أن من المهم لمن يقوم بطرحها أن يربطها مع الواقع المعاصر، وينطلق منها لأمثلة واقعية يستطيع المستمع تنفيذها على أرض الواقع، بدلًا من أن تبقى في ذهنه دون أثر خارجي ملموس.

ولربما تكون من أهم الوسائل التي يمكن استغلالها في هذا العصر للقيام بذلك هو تطور البحث العلمي وأدوات القياس والإحصاء، وفي هذه العجالة سنتناول أحد هذه المفاهيم التي وردت في القرآن الكريم وهو النهي عن الإسراف؛ ففي القرون السابقة ارتبط مفهوم الإسراف بالسلوك الشخصي للإنسان وشعوره بمعاناة الآخرين، فليس من القيم الأخلاقية أن تبيت شبعان وجارك جائع، وليس من الإنصاف أن ترمي طعامك في سلة المهملات وجارك وأسرته ناموا جياعًا. لكننا اليوم نُدرك ضرر الإسراف بصورة أكثر وضوحًا، وأن أثر الإسراف لا يقتصر على جارك الفقير الذي نام دون طعام فحسب؛ بل إن أثر إسرافك في الطعام يظهر على كرتنا الأرضية برمتها، وما فيها من نبات وحيوان وبشر وهواء وبحر وتراب.

فكميات الغذاء التي يتم إنتاجها في العالم تُعادل ضعف ما يحتاج إليه جميع البشر الذين تصل أعدادهم إلى حوالي 8 مليارات نسمة، لكن ورغم هذه الكميات الكبيرة من الإنتاج فإن ما يعادل 1% من سكان العالم لا يحصلون على كفايتهم من الغذاء، وينامون وهم يتلوون من الجوع هم وأسرهم، ومقابل هؤلاء فهناك ما يعادل 40% من سكان العالم ينامون وهم مُتخمون من الطعام؛ بل وربما بعضهم يتناولون المهضمات تلو الأخرى حتى ينعموا بليلة نوم هانئة!

ولا يقتصر الأمر على ذلك فالمشكلة أكبر بكثير، فعلى الرغم من المسافات الشاسعة التي تفصل بيننا وبين هؤلاء الجوعى، فإن سبب جوعهم يعود ولو بشكل جزئي إلى إسرافنا نحن الذين نبذل جهدًا ونمارس الرياضات المختلفة سعيًا منَّا للتخلص من السعرات الحرارية الزائدة التي نتناولها دون داعٍ!

إنَّ السبب في ذلك أن أحد أهم العوامل التي تسبب ظاهرة الاحتباس الحراري هو صناعة إنتاج الغذاء في العالم؛ إذ إنها تتسبب في إنتاج 24% من الغازات الدفيئة، فالآليات والأدوات التي يتم استخدامها في إنتاج اللحوم والمزروعات تعتمد كلياً على الطاقة الأحفورية، وهذا بدوره يسبب ارتفاع درجات الحرارة في العالم، ويؤدي إلى ذوبان الثلوج في القطبين، كما يسبب تغير النظم الحيوية من حولنا، فيسبب خللًا بيئيًا كبيرًا؛ إذ يؤدى الى انقراض عدد من الكائنات الحية، كما إن هذا الإسراف هو المُسبِّب للجفاف الذي يطال الدول الأفريقية والفيضانات والأعاصير التي نتعرض لها وتتعرض لها بعض الدول الفقيرة، فالإسراف أمر تنبذه الطبيعة ولا تتحمل نتائجه، ولذا فهي تعبر عن غضبها بلغتها وعلينا أن نفهم ذلك ونعيه جيدًا.

لكي تتجلى لنا الصورة بشكل أوضح لابد من ذكر بعض التفاصيل، إذ أثبتت العديد من الدراسات العلمية أن تناول اللحوم مثلا يعد من أكثر الأمور التي تضر بالبيئة، وتأتي على قمة هذه اللحوم، لحوم البقر ثم لحوم الماشية الأخرى، فإذا كنت من عشاق البرجر البقري مثلاً فاعلم أن تناول 100 جرام منه ينتج ما يكافئ 50 كيلوجرامًا من غاز ثاني أوكسيد الكربون، فإذا استبدلت البرجر البقري مثلًا بالدجاج فإن ذلك سيقلل من إنتاج غاز ثاني أوكسيد الكربون بنسبة 60%، أما إذا استبدلت ذلك بوجبة صحية غنية بالخضروات، فربما يقلل ذلك بنسبة تصل إلى 90%، أو ربما أكثر من ذلك، فإحدى الطرق العملية التي يُمكننا أن نساهم في التخفيف عن فقراء العالم أن نُقلل من تناولنا للحوم مثلاً، وأن نتناول من الطعام قدر حاجتنا و لا نهدر منه شيئا، كما إن السعي الى نشر هذه الثقافة له أجره أيضاً، فأنت تساهم في التخفيف عن معاناة الآخرين.

إنَّ هذه الأمثلة أكثر واقعية وخاصة لأجيال اليوم، ويمكننا من خلالها ربطهم بتعاليم ديننا وقيمنا الإسلامية، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فهذه الإحصاءات والدراسات، تفرض علينا في الوقت نفسه أن نعيد النظر في الكثير من عادتنا الغذائية، وتقاليدنا التي اعتدنا عليها، فتوسع معرفتنا بأحوال البشر في مختلف أرجاء العالم، زاد من حجم المسؤولية، وسيزيد من طول وقوفنا في عرصات يوم القيامة؛ فالمعرفة وتوفُّر وسائلها تُحمِّلُنا مسؤولية مُضاعفة، فإن كُنَّا نعلم بأحوال الفقراء والجوعى في العالم ولم نُغيِّر من سلوكياتنا وعاداتنا الغذائية فتلك مصيبة، وإنْ كُنَّا جاهلين بأحوالهم في عصر الإنترنت والمعلوماتية، فتلك مصيبة عظمى وذنب لا يُغفر.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

نظام الإنقاذ.. خطة غذائية للتخلص من زيادة الوزن بعد العيد

أطلق الدكتور بهاء ناجي، استشاري التغذية وعلاج السمنة، نظامًا غذائيًا جديدًا تحت مسمى "نظام الإنقاذ"، بهدف معالجة آثار الإفراط في تناول الطعام خلال شهر رمضان وعيد الفطر، خاصةً ما يتعلق بزيادة الوزن وتراكم الدهون.

تناول الطعام بهذا التوقيت سبب في زيادة الوزن

وأوضح ناجي خلال لقاءه في برنامج "صباح البلد" على قناة صدى البلد، أن النظام يركز على إعادة التوازن الداخلي للجسم، من خلال تقليل النشويات والاعتماد على البروتينات الصحية، مع دمج بعض العادات الغذائية البسيطة لتحفيز الجهاز الهضمي.

وأشار إلى أن البداية اليومية في هذا النظام تعتمد على شرب كوب من الماء الدافئ، يليه كوب آخر مضاف إليه ملعقة من خل التفاح ونصف ليمونة، مما يساعد على تنظيف المعدة وتقليل الشهية بشكل طبيعي.

وأكد أن اتباع هذا النظام لبضعة أيام بعد العيد يمكن أن يسهم بشكل فعال في تنقية الجسم من السموم، وخسارة الوزن الزائد بطريقة صحية وآمنة، دون الإضرار بوظائف الجهاز الهضمي أو التسبب بنقص غذائي.

مقالات مشابهة

  • الكشف عن أكثر ساعة يد تعقيدا في العالم.. استغرقت 8 سنوات من العمل
  • من هي ابتهال أبو السعد التي فضحت عملاق التكنولوجيا في العالم؟
  • وضع مصدر؟؟؟ دون أدوية.. 3 طرق طبيعية وفعالة للتخلص من الوزن الزائد
  • «الخارجية الفلسطينية»: العالم خذل أطفال فلسطين في ظل صمته عن معاناتهم التي لا تنتهي
  • علاقة المحليات الصناعية بزيادة الوزن
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • عاجل | السيد القائد: العدو الإسرائيلي استأنف الإجرام منذ أكثر من نصف شهر بذات الوحشية والعدوانية التي كان عليها لمدة 15 شهرا
  • أكثر 10 دول متضررة في العالم من رسوم ترامب الجمركية
  • السلطات المغربية تمنع ناشطا حقوقيا من السفر.. ردّ بالإضراب عن الطعام
  • نظام الإنقاذ.. خطة غذائية للتخلص من زيادة الوزن بعد العيد