قال موقع ميدل إيست آي البريطاني إن محاولة أعلى محكمتين في العالم دعم القانون الدولي وإنهاء الفظائع في غزة، حوّل إسرائيل إلى "عدو عنيد"، وبعد أن كان من المفترض أن تؤدي الإعلانات المنفصلة الصادرة عن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية إلى إجبار إسرائيل على وقف هجومها الحالي على مدينة رفح، ردت بتكثيف فظائعها.

وسرد الموقع -في تقرير بقلم جوناثان كوك- بعض ما قامت به إسرائيل من فظائع أطلق عليها مسؤولو الأمم المتحدة اسم "الجحيم على الأرض"، وقال إنها هي التي حذر منها الرئيس الأميركي جو بايدن قبل أشهر عندما أشار إلى أن الهجوم الإسرائيلي على رفح سيشكل "خطا أحمر"، ولكن الخط الأحمر الأميركي تبخر لحظة تجاوز إسرائيل له، ووصفت واشنطن الصور من رفح بأنها "تفطر القلب".

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2وول ستريت جورنال: لا يصرخ ولا يهدد.. بيرنز في مهمة دبلوماسية شاقة وطويلة المدىوول ستريت جورنال: لا يصرخ ولا يهدد.. ...list 2 of 2أكاديمي أميركي: عندما ينتهك القادة القانونأكاديمي أميركي: عندما ينتهك القادة ...end of list آلية ذات سلطة

وأضاف أنه قبل أيام من طلب محكمة العدل الدولية بأن توقف إسرائيل هجومها على رفح، بدأت المحكمة الجنائية الدولية بدورها تتحرك، وأعلن كريم خان كبير المدعين العامين، أنه سيسعى إلى إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يوآف غالانت، بالإضافة إلى 3 من قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وكلا القياديين الإسرائيليين متهمان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، منها محاولات إبادة سكان غزة من خلال التجويع المخطط له، حيث منعت إسرائيل تسليم المساعدات لعدة أشهر، مما أدى إلى حدوث مجاعة، وهو الوضع الذي تفاقم بعد استيلائها مؤخرا على المعبر الذي كان يتم من خلاله تسليم المساعدات بين مصر ورفح.

ونبه الكاتب إلى أن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة "ذات أسنان" وهي أكثر خطورة على إسرائيل من محكمة العدل الدولية، لأن أحكامها تفرض التزاما على أكثر من 120 دولة بموجب نظام روما الأساسي، باعتقال نتنياهو وغالانت إذا وطئا أراضيها.

"محكمة معادية للسامية"

ولهذا السبب، اتهمت إسرائيل المحكمة بأنها "معادية للسامية" وهددت بإيذاء مسؤوليها، ووقفت واشنطن بعضلاتها إلى جانبها -كما يقول الكاتب- وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ردا على سؤال بمجلس الشيوخ عما إذا كان سيدعم اقتراحا جمهوريا بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، "نريد العمل معكم لإيجاد الرد المناسب".

وتابع التحقيق أنه من المرجح أن تكون الأعمال الانتقامية الأميركية، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز، على غرار العقوبات التي فرضها سلف بايدن عام 2020 بعد أن هددت المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها كل من إسرائيل والولايات المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأفغانستان على التوالي.

وقد اتهمت إدارة الرئيس دونالد ترامب آنذاك المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب "فساد مالي ومخالفات على أعلى المستويات"، وهي اتهامات لم يتم إثباتها قط، ولكن مُنعت المدعية العامة وقتها فاتو بنسودا، من دخول الولايات المتحدة، كما تعهدت الإدارة باستخدام القوة لتحرير أي أميركيين أو إسرائيليين يتم اعتقالهم.

الحرب السرية

وأشار جوناثان كوك إلى أن تحقيقا أجراه الموقع الإسرائيلي 972 وصحيفة غارديان البريطانية كشف هذا الأسبوع أن إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، كانت تدير حربا سرية على المحكمة الجنائية الدولية منذ فترة ليست بالقصيرة، بدأت منذ أن أصبحت فلسطين طرفا في المحكمة الجنائية الدولية عام 2015، وتكثف بعد أن بدأت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية السابقة فاتو بنسودا تحقيقا أوليا في جرائم الحرب الإسرائيلية.

وجدت بنسودا نفسها وعائلتها مهددين، وزوجها يتعرض للابتزاز عندما انخرط رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين شخصيا في حملة ترهيب، شبهها مسؤول مطلع على سلوكه "بالمطاردة".

وبالفعل حاول رئيس الموساد تجنيدها إلى جانب إسرائيل، قائلا لها "يجب أن تساعدينا وتسمحي لنا بالعناية بك. أنت لا تريدين التورط في أشياء يمكن أن تعرض أمنك أو أمن عائلتك للخطر".

وتدير إسرائيل أيضا -حسب التحقيق- عملية تجسس معقدة على المحكمة، وتقوم باختراق قاعدة بياناتها لقراءة رسائل البريد الإلكتروني والوثائق، وقد حاولت تجنيد موظفي المحكمة الجنائية الدولية للتجسس على المحكمة من الداخل.

ولأن إسرائيل تشرف على الوصول إلى الأراضي المحتلة، فقد منعت مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية من التحقيق بشكل مباشر في جرائم الحرب التي ترتكبها، وقامت بمراقبة جميع المحادثات بين المحكمة الجنائية الدولية والفلسطينيين الذين يبلغون عن الفظائع، وسعت لإغلاق المنظمات الحقوقية الفلسطينية وصنفتها "منظمات إرهابية".

وأشار التحقيق إلى أن مراقبة المحكمة الجنائية الدولية استمرت خلال فترة ولاية خان، وعلمت أن مذكرات الاعتقال قادمة، وبالفعل تعرضت المحكمة، وفقا لمصادر تحدثت إلى صحيفة الغارديان وموقع 972، "لضغوط هائلة من الولايات المتحدة" لمنعها من المضي قدما في إصدار أوامر الاعتقال، بل إن مجموعة من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في الولايات المتحدة أرسلت رسالة تهديد إلى خان تقول "استهدف إسرائيل وسوف نستهدفك".

حبل المشنقة القانوني

وعلى الرغم من الترهيب، فإن الحبل القانوني يضيق بسرعة حول عنق إسرائيل، منذ أن أصبح من المستحيل على أعلى السلطات القضائية في العالم أن تتجاهل المذابح التي ترتكبها منذ 8 أشهر في غزة والدمار شبه الكامل للبنية التحتية، من المدارس والمستشفيات إلى مجمعات المساعدات والمخابز.

ولأن دور المحكمة الدولية ومحكمة جرائم الحرب هو على وجه التحديد وقف الفظائع وأعمال الإبادة الجماعية قبل فوات الأوان، فإن هناك التزاما على أقوى دول العالم بالمساعدة في فرض مثل هذه الأحكام، وبالتالي على مجلس الأمن أن يصدر قرارا لتنفيذ القرار.

وقد دعمت واشنطن بقوة، رغم أنها ليست طرفا في نظام روما الأساسي، مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة ضد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين عام 2023، وفرضت مع حلفائها عقوبات اقتصادية على موسكو، وزودت أوكرانيا بأسلحة لا حصر لها، ولكنها الآن لا ترى القيام بذلك في حالة إسرائيل.

الانقسامات في أوروبا

ولأن دور الولايات المتحدة لا يقتصر على ترك إسرائيل تواصل الإبادة الجماعية في غزة -كما يقول الكاتب- بل هي تساعد بشكل نشط من خلال تزويد إسرائيل بالقنابل، وقطع التمويل عن وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة التي تعد شريان الحياة الرئيسي لسكان غزة، ومن خلال تبادل المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل، ورفض استخدام نفوذها لوقف المذبحة، فإنه يعتقد بشكل جازم أنها سوف تستخدم حق النقض ضد أي قرار ضد تل أبيب.

ونبه الموقع إلى أن ازدراء واشنطن لأعلى السلطات القضائية في العالم صارخ لدرجة أنه بدأ يؤدي إلى توتر العلاقات مع أوروبا التي ألقى منسق سياستها الخارجية جوزيب بوريل بثقله خلف المحكمة الجنائية الدولية، ودعا إلى احترام أي حكم ضد نتنياهو وغالانت.

القوة تصنع الحق

ونبه الكاتب على أن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تدركان تماما المخاطر المترتبة على التعامل مع إسرائيل، وهما لذلك تتحركان ببطء شديد وحذر في التعامل مع الفظائع الإسرائيلية.

وذكر أن حملة القصف "الصدمة والرعب" وسنوات الاحتلال الوحشي للعراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية، والاحتلال الأطول والأكثر دموية لأفغانستان، هي التي مزقت كتاب قواعد القانون الدولي ورفعت فوقه نظاما، القاعدة الوحيدة المهمة فيه هي أن القوة هي التي تصنع الحق.

ولهذا السبب، بذل خان كل ما في وسعه لعزل نفسه عن الانتقادات، وذلك بحرصه على وضع اتهامات ضد حماس أكبر من إسرائيل، وفي لائحة الاتهام ورط كلا من جناحي حماس السياسي والعسكري في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حين تجاهل تماما دور الجيش الإسرائيلي الذي ظل ينفذ رغبات نتنياهو وغالانت حرفيا على مدى الأشهر الثمانية الماضية.

والجدير بالذكر أيضا أن خان اتهم رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، مع أن كل الأدلة تشير إلى أنه لم يكن لديه علم مسبق بالهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وبالتأكيد لم يكن له أي دور في العمليات.

كما تجاهل خان الكثير من جرائم الحرب الإسرائيلية التي يسهل إثباتها، مثل تدمير المستشفيات ومرافق الأمم المتحدة، والقتل المستهدف لأعداد كبيرة من عمال الإغاثة والصحفيين، وحقيقة أن 70% من المساكن في غزة قد تم تدميرها وأصبحت غير صالحة للسكن.

مواجهة جالوت

ومن خلال رفع القضية ضد إسرائيل، عرف خان بوضوح أنه كان يواجه خصما شرسا، نظرا للدعم القوي الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة، حتى إنه قام بتعيين لجنة من الخبراء القانونيين على أمل أن يوفر له ذلك بعض الحماية من الانتقام.

وفي مقابلة حصرية مع شبكة "سي إن إن"، بدا خان حريصا على استباق الهجمات القادمة، وأشار إلى أن سياسيا أميركيا كبيرا لم يذكر اسمه حاول بالفعل ردعه عن توجيه الاتهام إلى القادة الإسرائيليين، وأشار إلى وجود تهديدات أخرى خلف الكواليس.

وخلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة والدولة العميلة المفضلة لديها لا تبديان أي علامة على استعدادهما للخضوع للقانون الدولي، وهم يفضلون مثل شمشون هدم البيت، على احترام قواعد الحرب الراسخة، لتصبح القوة وحدها هي التي تصنع الحق في عالم بلا قوانين، وسيكون الجميع خاسرا في نهاية المطاف.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات ترجمات المحکمة الجنائیة الدولیة محکمة العدل الدولیة الولایات المتحدة جرائم الحرب على المحکمة فی جرائم من خلال هی التی إلى أن فی غزة

إقرأ أيضاً:

فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في فلسطين المحتلة، حيث قصف جيش الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما "الميزان" الفلسطينية و"بتسيليم" الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كيف جندت إسرائيل باحثين من "إم آي تي" لصالح جيشها؟list 2 of 2القنابل الخمس التي تستخدمها إسرائيل في إبادة غزةend of list

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب "أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا".

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة "إكسيليا"، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية "الجرف الصامد". تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع "ديسكلوز" في تحقيق يورط فرنسا في جرائم إسرائيل في حق أهل غزة أثناء حرب الإبادة الدائرة حاليا.

إعلان رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

إعلان

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة "لوموند" أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج "بيغاسوس" للتجسُّس، حيث يقول المصدر: "نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك".

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة "لوموند" أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع "ديسكلوز" الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة "أورولينكس" الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة "آي إم آي سيستمز" الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

إعلان فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ "الزنّانات".

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم "سرب الطيور النارية"، بحسب ما نشر موقع "إسرائيل ديفِنس"، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة "هيرميس 900" التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي "ديسكلوز" وثائق تُثبت تورط شركة "تاليس" الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة "هيرميس 900″، من بينها قطعة "TSC 4000 IFF"، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات "الصديقة" التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

إعلان

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة "إيلبيت سيستيمز" الإسرائيلية المصنعة لطائرات "هيرميس 900" ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

طائرة هيرميس 900 الإسرائيلية المسيّرة (غيتي)

ورغم ذلك، يقول موقع "ديسكلوز" إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية "أمنستي" بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.

سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع "أوريان 21" عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

إعلان

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة "بوكو حرام"، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي "برنامج سكوربيون".

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى "تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات"، المعروف اختصارا بـ"سكوربيون"، وهو برنامج "ذكي" سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج "سكوربيون" هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

إعلان

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع "جي بي إس" خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة "إلبيت" الإسرائيلية، من أجل حرب "بدون ضوضاء"، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج "سكوربيون" الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف "المحايد" الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • نتنياهو يشيد بـصداقة المجر ويهاجم المحكمة الدولية .. تقارب جديد يعمّق عزلة الاحتلال
  • تقرير بريطاني: ليبيا موقع استراتيجي واحتياطات ضخمة.. ولكن أين الاستقرار المطلوب للاستثمار؟
  • الكشف عن الدولة العربية التي قدمت دعما لحملة القصف على اليمن
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • خبير: انسحاب المجر من المحكمة الجنائية خرق للقانون والمواثيق الدولية
  • إسرائيل تتحسب لمذكرات اعتقال جديدة من الجنائية الدولية
  • فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • مرصد الأزهر يستنكر إضعاف المحكمة الجنائية الدولية.. ويطالب بمحاسبة مجرمي الحرب
  • شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم
  • المحكمة الجنائية الدولية: هنغاريا لا تزال ملزمة بالتعاون معنا