تشق سلطنة عُمان طريقها إلى النمو الاقتصادي عبر اعتماد سياسة التنوع الاقتصادي الذي يعتبر التحول الرقمي أحد فروعه الرئيسة الذي يمكن أن يساهم في رفد الاقتصاد المحلي وتنميته؛ إذ يشير تقريرٌ صادر عن مؤسسة «PWC» في عام 2018م عن أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الذي يعوّل عليه الكثيرون في تحقيق استدامة كبيرة للاقتصاد العُماني، حيث -وفقا للتقرير الصادر- يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان مع دولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين بنسبة تصل إلى 8.

2% بحلول عام 2030م، وسبق أن تناولنا في مقالات سابقة ممارسات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية الحالية في سلطنة عُمان، والطموحات المستقبلية التي تعمل عليها الحكومة لتطبيقات التحول الرقمي وفقا لخطة واضحة المعالم منبثقة من «رؤية عُمان 2040»، وكذلك حاولنا اكتشاف الزاوية الاستثمارية والاقتصادية للتحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان، وتحديد بُوصلة الرؤية العُمانية لهذا التحول وعلاقتها بالاقتصاد ومساهمتها بالدفع نحو نمو الناتج المحلي. تظل هناك مجموعة من الأسئلة المتعلقة بنمو القطاع الرقمي في سلطنة عُمان وتحديد آخر تحديث لتطبيقاته في مختلف قطاعتنا الاستراتيجية؛ ولهذا يأتي هذا المقال استكمالا لما بدأناه مسبّقا من رصد للمسار التطبيقي للذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان.

أطالع ما تنشره وسائل الإعلام المحلية عن مستجدات تفاعلنا مع الأنظمة الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن تسهم به في رفد الاقتصاد وتسريع عملية التحول الرقمي التي نحاول بواسطتها تحقيق مستوى «الرشاقة» في جميع القطاعات؛ إذ طالعت خبرين نشرتهما جريدة عُمان -الأسبوع المنصرم- في تاريخ 27 مايو عن اتساع رقعة تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي كان أحدهما اعتماد هيئة البيئة في جنوب سلطنة عُمان استعمال خوارزمية الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات التي تجمعها بواسطة أنظمة الاستشعار عن بعد وعبر صور الأقمار الصناعية في عملية مراقبة أشجار المر والتنبؤ بالمتغيرات المستقبلية، مما يساهم في حماية هذه الشجرة، ويتعلق الخبر الثاني بتوصية ندوة «آليات تسوية منازعات العمل بين الواقع والمأمول» باستعمال الذكاء الاصطناعي في توجيه العامل والتدخل في حل النزاعات العمالية مع الجاهزية البشرية للتدخل في حال عدم جدوى الوساطة الرقمية. وجدت في هذين الخبرين جزئيات لا يتصور البعض أن الذكاء الاصطناعي قادرٌ على خوض غمارها، إلا أن هذه الجزئيات التي تتعلق بقطاعي الزراعة والعمل فيهما من التعقيد ما يمكن أن نجده في قطاعات سبق أن اقتحم الذكاء الاصطناعي مجالها في سلطنة عُمان مثل قطاع الصحة والتعليم؛ فقطاع الزراعة بما يحويه من تحديات يتصل بعضها بأبجديات اقتصادية في غاية الأهمية بحاجة ماسة إلى تدخّل خوارزميات الذكاء الاصطناعي في كثير من مفاصله، ولا أنكر حراك القطاع الزراعي والجهات المعنية في مواكبة التقدم الرقمي واستثماره في مواجهة هذه التحديات؛ فبجانب ما نُشر عن هذه المبادرة الرقمية في مراقبة أشجار المر ثمّة دراسات كثيرة لباحثين عُمانيين شهدت بعضها في مؤتمرات محلية تبحث في الحلول التي يمكن أن تقدمها خوارزميات الذكاء الاصطناعي في مجال الزراعة. أما ما يخص توجيه العمال عن طريق الذكاء الاصطناعي وتقديم الوساطة والحلول للقضايا العمالية؛ فهذه سابقة تعكس مستويات الوعي الرقمي في سلطنة عُمان تتمثل في تحقيق الاستفادة القصوى من نماذج الذكاء الاصطناعي التي يمكنها -وفقا لخوارزمياتها المدهشة- أن تتفاعل مع المشاعر الإنسانية وتحليل أنماطها السلوكية التي بدورها تعكس نقلة نوعية في الخدمات المجتمعية.

تتلخص فائدة الذكاء الاصطناعي في كونه يمتلك قدرات تحليلية دقيقة وسريعة للبيانات الكبيرة؛ فيسهم في خفض التكاليف التشغيلية ورفع مستويات الجودة وتقديم أنجع الحلول وأسرعها؛ وبالتالي يمكنه المساهمة في رفع الناتج المحلي بشكل مباشر أو غير مباشر عبر توظيفه في قطاعات مهمة، ويمكن أن نلتفت إلى بعض هذه القطاعات التي جاءت في تقرير نشره موقع «PWC» مع توقعات بنسبة مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي للشرق الأوسط وفقا للقطاعات منها قطاع البناء والتصنيع الذي يُتوقع أن تصل نسبة مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 12.4%، وبنسبة تصل إلى 18.6% للقطاع العام الذي يشمل التعليم والصحة، ونسبة 19% لقطاع التجارة بالتجزئة والجملة، والسلع الاستهلاكية، والإقامة وخدمات الطعام، و15.2% لقطاع النقل واللوجستيات، و14% لقطاع التقنية والإعلام والاتصالات. تظل هذه التوقعات محل تغيّر وفقا لتغييرات الخطط الاستراتيجية لدول المنطقة ورؤيتها الاقتصادية التي تُبنى نظير المستجدات الطارئة التي تتأثر بالتطويرات التقنية المتسارعة -التي بات من الصعب تحديد مستجداتها في سنوات قليلة قادمة بسبب ثورة الطفرات الرقمية السريعة-.

سبق أن تناولنا بعض ملامح الرؤية المعنية بالاقتصاد الرقمي في سلطنة عُمان، ونتابع بشغف مسار هذه الرؤية عبر الخطط المرسومة وما أنجزَ منها وفقا للجدول الزمني المحدد، وتبيّن عبر هذه المتابعة نجاح مسار هذه الرؤية الوطنية، إلا أن مستجدات الأنظمة الرقمية وتسارع تطويراتها التي نراها تجتاح كل قطاعات حياتنا تستدعي أن نلتفت إلى مسار الاقتصادات الرقمية المنافسة في المنطقة والعالم أجمع عبر سياسة التحديث الظرفي المستمر لخططنا الرقمية التنفيذية، ويتحقق ذلك بواسطة اكتشاف مواضع جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في قطاعات لم تكن ذا أولوية في برنامج التحول الرقمي مثل القطاع المجتمعي والإنساني بشكل عام، ولنا في توصية ندوة «آليات تسوية منازعات العمل بين الواقع والمأمول» مثال على مبادرات تجديد مواضع توظيف الذكاء الاصطناعي في مهام تتعلق بالجانب الإنساني وتأمين حقوقه في العمل والمجتمع، ويمكن أن نضيف قطاع التعليم الذي يحتاج إلى تفاعل أكبر مع التقنيات الرقمية الذكية مع الأخذ بعين الاعتبار السلبيات الحالية المرافقة لأداء نماذج الذكاء الاصطناعي خصوصا حال توسّع توظيفه في قطاع التعليم من حيثُ اقترانه بممارسات غير مسؤولة يمكن أن تضعضع عملية التعليم إن لم تحدد لعملية التوظيف الرقمي ممارسات واضحة وقوانين تخص أخلاقيات التعليم، وهذا أيضا ما ينبغي أن يرافق جميع القطاعات والمواقع التي يتداخل تشغيلها مع الأنظمة الرقمية.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی فی التحول الرقمی الناتج المحلی یمکن أن فی قطاع

إقرأ أيضاً:

قمة أفريقيا العالمية الأولى للذكاء الاصطناعي في رواندا تبحث آفاق النمو المستدام

تواصل القمة العالمية الأولى للذكاء الاصطناعي، في أفريقيا، أعمالها في يومها الثاني والختامي، وهي حدث تاريخي يجمع قادة العالم والمبتكرين وصناع السياسات لتعريف دور أفريقيا في مستقبل الذكاء الاصطناعي.

هذه القمة، التي تُعقد بالعاصمة كيغالي من 3 إلى 4 أبريل/نيسان الجاري، ينظمها مركز رواندا للثورة الصناعية الرابعة ووزارة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي.

وتحت شعار "الذكاء الاصطناعي والعائد الديموغرافي في أفريقيا: إعادة تصور الفرص الاقتصادية للقوى العاملة الأفريقية" تعكس هذه القمة الحاجة الملحة لاستكشاف كيفية استفادة القارة من الذكاء الاصطناعي لتحويل اقتصاداتها، وتأهيل شبابها بالمهارات المستقبلية، وتأصيل صوتها في السرد العالمي للذكاء الاصطناعي.

مشاركة دولية واسعة

شهد الحدث حضور أكثر من ألف مشارك من 95 دولة، بينهم رؤساء دول، وصناع سياسات، وقادة أعمال، ومستثمرون وأكاديميون.

كما يشارك أكثر من 100 شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبذلك تصبح هذه القمة أكبر حدث مخصص للذكاء الاصطناعي في أفريقيا.

معلقة قمة الذكاء الاصطناعي في كيغالي (مواقع التواصل) رؤية كاغامي

في كلمته الافتتاحية، دعا الرئيس الرواندي بول كاغامي إلى ضرورة أن تسعى أفريقيا لتفادي التأخر في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

إعلان

وأكد أن قوة القارة تكمن في شعوبها، لا سيما فئة الشباب التي تشكل جزءًا كبيرًا ومتزايدًا من السكان.

وأضاف أن أفريقيا قادرة على أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي، شريطة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير المهارات، وتنظيم السياسات.

3 أولويات أساسية

ركز كاغامي على 3 أولويات أساسية لتحقيق دمج فعال للذكاء الاصطناعي في أفريقيا:

1- تحسين البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الإنترنت عالي السرعة والكهرباء الموثوقة.

2- تطوير قوى عاملة ماهرة قادرة على الاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.

3- تعزيز التكامل القاري لتوحيد السياسات والأطر الحاكمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

كما دعا إلى رؤية موحدة وتعاون أقوى بين الدول الأفريقية لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي محركًا للمساواة والفرص والازدهار في القارة.

مجلس أفريقي الذكاء الاصطناعي

شهدت القمة أيضًا إطلاق "مجلس الذكاء الاصطناعي الأفريقي" وهو هيئة متعددة الأطراف تهدف إلى توجيه أجندة الذكاء الاصطناعي بالقارة من خلال الحوكمة الشاملة والمعايير الأخلاقية والاستثمارات الإستراتيجية.

ويسعى المجلس إلى توحيد الدول الأفريقية حول التحديات والفرص المشتركة، وضمان الوصول العادل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الابتكار المحلي، وحماية سيادة البيانات.

جانب من أشغال القمة (مواقع التواصل) خطوة نحو سد الفجوة الحسابية

أحد أبرز الإنجازات في القمة كان الكشف عن أول مصنع للذكاء الاصطناعي في القارة الأفريقية، الذي تقوده شركة كاسافا تكنولوجيز بالشراكة مع شركة نفيديا.

وسيتيح هذا المشروع إنشاء بنية تحتية للحوسبة الفائقة عبر مراكز بيانات كاسافا في كل من جنوب أفريقيا، ومصر، وكينيا، والمغرب، ونيجيريا.

ويهدف المشروع لتمكين الباحثين والمطورين المحليين من بناء وتدريب نماذج باستخدام البيانات المحلية، بما في ذلك اللغات المحلية، وحل المشاكل المحلية.

إعلان التركيز على الشباب

تعد القمة أيضًا منصة حيوية للشباب الأفريقي، حيث يسلط الحدث الضوء على كيفية تأثير الشباب في تشكيل مشهد الذكاء الاصطناعي من خلال الابتكار، والبحث، وريادة الأعمال.

ومع كون أكثر من 60% من سكان أفريقيا تحت سن 25، يُعتبر تمكين الشباب بالمعرفة والأدوات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ضرورة وفرصة في ذات الوقت.

مستقبل الذكاء الاصطناعي بأفريقيا

تستمر القمة في كيغالي كمركز رئيسي للحوار حول كيفية تحول أفريقيا من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج رئيسي في مجال الذكاء الاصطناعي.

ومع إطلاق مجلس الذكاء الاصطناعي الأفريقي، وبدء تنفيذ مشاريع مثل مصنع الذكاء الاصطناعي، تظهر أفريقيا اليوم جاهزيتها للعب دور محوري في الاقتصاد الرقمي العالمي، وتؤكد أن اللحظة الأفريقية في مجال الذكاء الاصطناعي قد حانت.

مقالات مشابهة

  • اختبار جديد للذكاء الاصطناعي يحدث ثورة في تشخيص أمراض القلب
  • الإمارات تشارك في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي برواندا
  • الإمارات تشارك في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في رواندا
  • غيتس يحدد المهن التي ستبقى خارج سيطرة الذكاء الاصطناعي
  • موظفة تقاطع كلمة رئيس مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي وتصرخ: عار عليك
  • بيل غيتس يكشف المهن التي ستظل بعيدة عن تأثير الذكاء الاصطناعي: 3 فقط
  • مدير وكالة التنمية الرقمية لـRue20: معرض جيتكس محطة استراتيجية للمغرب الرقمي
  • قمة أفريقيا العالمية الأولى للذكاء الاصطناعي في رواندا تبحث آفاق النمو المستدام
  • سلطنة عمان تشارك في ملتقى القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا
  • الأمم المتحدة تحذر من اتساع الفجوة الرقمية دون اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن الذكاء الاصطناعي