التاريخ الجديد.. رحلة البحث عن هوية علمية مشتركة
تاريخ النشر: 31st, May 2024 GMT
شهد مجال الكتابة التاريخية تحولا كبيرا إبان القرن الـ20، لأن الدور الذي لعبته مدرسة الحوليات (الأنال) بدا بارزا على مستوى اختيار الموضوعات الجديدة بعدما انفتحت الكتابة التاريخية على قضايا لم يكن مُفكَّر فيها داخل البحث التاريخي.
وبيّن أن هذا التحول سبقته اجتهادات ظلت في عمومها تقليدية مع المدرسة المنهجية أو الوضعية مع كل من لانغوا وسينيوبوس، وهو تحول كان ضروريا في وقت وجد فيه التأليف التاريخي نفسه يعيد اجترار الموضوعات والقضايا والإشكالات، وبالتالي كان ضروريا من هذا التجديد الذي لم يبق حبيس الجوانب المنهجية، بل طال حتى أسلوب الكتابة التاريخية في شكلها المعاصر.
بهذه الطريقة تم التخلي عن التاريخ السياسي للأحداث وفترات حكم السلاطين وبلاطاتهم صوب الاهتمام بالتاريخ المنسي الذي يرصد سير المهمشين في علاقتهم بالمجتمع.
وقد أتاحت هذه الطريقة في النظر إلى مفهوم التاريخ بطريقة مختلفة خروج المؤرخ من قلاعه القديمة والاهتمام بمجالات ذات صلة بعلم التاريخ مثل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا.
هكذا تم الانفتاح على مجالات العلوم الاجتماعية بعدما ظل التاريخ مقتصرا على المعارف الإنسانية، ويعد الانفتاح ثمرة تفكير عميق وجدل أصيل اختمر في رحاب مختبر كتابات مدرس الحوليات.
ثورة مدرسة "الحوليات"لقد ثارت الحوليات مع كل من لوسيان فيبر ومارك بلوك في إطار مع سمي "التاريخ الجديد" الذي سيبلور ملامحه لاحقا المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل، فقد استطاع هذا الأخير عبر أطروحته الشهيرة "البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني" بلورة تصور جديد للتاريخ يخضع الأحداث إلى ما سماها "المدة الطويلة"، أي أن الحدث التاريخي لا يمكن النظر إليه في آنيته، بل من خلال تدرجه وتجذره في مفهوم الزمن، وهي طريقة مختلفة في تأمل براديغم التاريخ، بحيث قادته إلى فهم السحر الكبير الذي ظل يميز البحر الأبيض المتوسط عبر تاريخه الطويل.
لكن المثير للدهشة هو أنه على الرغم من إيمان المؤرخين العرب بقدرة هذه المدرسة الفكرية في القبض على مفهوم التاريخ فإنهم ظلوا يتعاملون معه بشكل انتقائي يجعلهم متقوقعين حول التاريخ السياسي ونظيره الاجتماعي.
كل هذا في وقت أهملوا فيه أشكالا أخرى من التاريخ مثل الجسد والصورة واللوحة والسينما والفوتوغرافيا، إذ رغم الإمكانات التأريخية التي تحبل بها هذه الوسائط البصرية فإنه لم يتم استغلالها بالقدر الكافي لهذا الغرض، وذلك أن الفنون العربية قادرة على أن تغدو وثيقة تاريخية تسعف المؤرخ على كتابة التاريخ جديد.
يرى المؤرخ الفرنسي مارك فيرو أن السينما تمتلك من القدرة ما يجعلها تلعب دورا تأريخيا، إذ تمتلك إمكانات تجعلها بمثابة وثيقة بصرية.
ويقول فيرو في كتابه "السينما والتاريخ" إنه "يجب ألا ينظر إلى الفيلم بوصفه عملا إبداعيا، ولكن بوصفه منتوجا وصورة موضوعية ليست لها معان سينماتوغرافية وحسب"، وهذا الأمر يجعل السينما تنتقل من كونها ممارسة فنية على اعتبارها إنتاجا علميا قادرا على إنتاج أنماط مختلفة من المعرفة.
لم تعد الوثيقة (الشاهدة) مجرد وثيقة مادية بقدر ما غدت وثيقة مشرعة في وجه وثائق أخرى من المسكوكات (علم النقود) والكتابات المنقوشة والحلي واللوحة والفيلم والأدب التاريخي، مما جعل الكتابة التاريخية تتطور من تلقاء نفسها وتصبح سيدة نفسها، لا من ناحية استقلالها ولكن في اشتباكها الكلي مع العلوم الاجتماعية الأخرى.
إن توسيع الوثيقة التاريخية قاد العديد من الباحثين إلى التخلي تدريجيا عن الأحداث السياسية والعسكرية بعدما تم الانفتاح على قضايا ذات صلة بالمجتمعات، مثل الذهنيات والتغذية والمهمشين والصنائع، وهي جملة قضايا ظلت مهمشة لدى المدرسة الوضعية، بحيث إن الاقتصار على الوثيقة بمفهومها المادي جعل المؤرخ طوال قرون يهمش نواحي أخرى تتصل بالتاريخ الاقتصادي وغيره.
يقول المؤرخ المغربي محمد حبيدة "تم إخراج التاريخ من انغلاقه التخصصي وفتحه على تساؤلات وقضايا جديدة، وذلك من جهة عن طريق توسيع دائرة المصادر، بالاعتماد ليس فقط على الوثائق المكتوبة، بل أيضا على المخلفات المادية والرواية الشفهية، ومن جهة أخرى بواسطة الاحتكام بالعلوم الاجتماعية واستيعاب مناهجها وتتبع نتائجها من اقتصاد وسوسيولوجيا وجغرفيا وسيكولوجيا ولسانيات".
تمثل مجلة الحويات -التي بزغ نجمها سنة 1929 تحت عنوان "حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي" بإشراف هيئة مكونة من مارك بلوك ولوسيان فيبر رئيسا للتحرير، فضلا عن ثلة من الكتاب والباحثين الذين ينتمون إلى تخصصات متعددة كالجغرافيا وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس وغيرها من العلوم- أفقا طلائعيا في تقدم وتطور الكتابة التاريخية وتوسيع حقل التاريخ نحو مقاربات مختلفة كدراسة المشاهد الجغرافية وحركات السكان داخل القبائل والعادات والتقاليد، فقد ساهمت إلى حد كبير في تقلص وشح الدراسات التاريخية للمجال السياسي بأحداثه ومعاركه والاستطراد في ذكر الملوك والأمراء الذين خاضوا هذه المعارك.
وبالتالي، تكون مدرسة الحوليات تؤسس لنفسها وجهة جديدة داخل البحث التاريخي، وجهة ستبوئها مكانة محترمة في العالم محاولة وضع قطيعة إبستمولوجية مع المدرسة المنهجية أو الوضعية التي تقدس مفهوم الوثيقة فأصيبت بحمة التاريخ السياسي وتمجيد الأبطال، عكس مدرسة الحوليات التي اعتبرت أن التاريخ مجرد إعادة التفكير في الماضي بغية تفكيكه وبنائه وليس إحياء ماضويا له، أي بناء مختلف التصورات والسلوكات البشرية لهدف يتيم وهو فهم الحاضر.
مثلت مدرسة الحوليات ثورة معرفية ومنهجية حقيقية وتحولا عميقا في تطور الكتابة التاريخية وعبورها إلى الأنثروبولوجيا، وهو ما أدى إلى بروز إشكالات جديدة ككتابة تاريخ الشعوب وظهور مقاربات ومواضيع جديدة ظلت في حكم اللامفكر فيه داخل الثقافة العربية كاللاشعور والجسد والصورة والمتخيل والألم، وغيرها من الموضوعات التي أصبحت اليوم تشكل لبنة أساسية في فهم ذواتنا.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الکتابة التاریخیة
إقرأ أيضاً:
515 ورقة علمية ضمن «منصة أبحاث الفضاء»
آمنة الكتبي (دبي)
أخبار ذات صلةكشفت وكالة الإمارات للفضاء أن عدد الأوراق العلمية ضمن «منصة أبحاث الفضاء» بلغ 515 ورقة علمية، كما بلغ عدد الباحثين 1637 باحثاً، كما بلغ عدد المستخدمين 592 مستخدماً، حيث تتناول المنصة تغطية 6 مجالات رئيسة في قطاع الفضاء، مما يجعلها مرجعاً شاملاً للباحثين والمهتمين بعلوم الفضاء.
وتعد منصة أبحاث الفضاء محرك بحث متقدماً يضم أحدث الأبحاث والدراسات والمنشورات والمقالات العلمية وغيرها ضمن المجالات المختلفة والمرتبطة بالفضاء، بالإضافة إلى قاعدة بيانات الباحثين المساهمين في قطاع الفضاء الإماراتي، وتهدف إلى تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتتيح المنصة للباحثين والمهتمين الوصول السريع والسهل إلى أحدث الأبحاث والدراسات في مجال الفضاء، مما يدعم جهودهم البحثية وييسر عملية تبادل المعرفة، كما تعزز المنصة التعاون العلمي، حيث تشجع المنصة على التعاون بين الباحثين من مختلف الجنسيات والمؤسسات، من خلال توفير منصة للتواصل وتبادل الأفكار والخبرات.
وتدعم المنصة الابتكار، وتساهم المنصة في دعم الابتكار في مجال علوم الفضاء، من خلال توفير بيئة محفزة للإبداع وتبادل الأفكار الجديدة، كما تهدف إلى بناء مجتمع علمي متكامل في مجال الفضاء، يضم الباحثين والمهندسين والطلاب والمهتمين بهذا المجال، وتؤكد المنصة مكانة الإمارات الرائدة في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء، كما تدعم الأبحاث والتطوير، حيث تشجع المنصة على إجراء المزيد من الأبحاث والتطوير في مجال الفضاء، وتسهم المنصة في بناء كوادر وطنية مؤهلة في مجال علوم الفضاء، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي في مجال الفضاء.
وتعد منصة أبحاث الفضاء بوابة مفتوحة ومجانية للجميع، وتهدف للوصول إلى أحدث الأبحاث والمنشورات والموارد الفضائية، وتسهيل تبادل المعلومات بين الباحثين والخبراء، إلى جانب توفير مساحة مخصصة للباحثين لعرض أعمالهم ونشر المعرفة التي تدفع التقدم في استكشاف الفضاء والتكنولوجيا والمجالات ذات الصلة، حيث تشير أحدث البيانات إلى تركيز الأبحاث العلمية في قطاع الفضاء على 4 محاور رئيسة، وهي: رصد الأرض، وعلوم الفضاء، واستكشاف الفضاء، والوصول إلى الفضاء والاستدامة، وتبرز هذه النسب الأولويات البحثية التي تعكس توجهات المجتمع العلمي نحو فهم أعمق للكون وتطوير تطبيقات تخدم البشرية.
حيث تحظى علوم الفضاء بالنصيب الأكبر من الاهتمام البحثي بنسبة 46.60%، مما يعكس تركيز العلماء على دراسة الظواهر الكونية، مثل تطور النجوم والمجرات والثقوب السوداء، بالإضافة إلى دراسة طبيعة الكواكب الخارجية والغلاف الجوي لكواكب المجموعة الشمسية، وتشمل هذه الأبحاث أيضاً تطوير تقنيات جديدة لتحليل البيانات الفلكية، مما يساعد في تحسين أدوات الرصد والتنبؤ بالظواهر الفلكية.
يأتي رصد الأرض في المرتبة الثانية بنسبة 19 %، حيث تركز الأبحاث في هذا المجال على استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية لمراقبة التغيرات البيئية والمناخية، مثل الاحتباس الحراري، وذوبان الجليد، والتصحر، والتلوث، كما تساعد هذه الأبحاث في تحسين دقة التنبؤ بالكوارث الطبيعية، مما يعزز قدرة المجتمعات على التكيف مع التغيرات المناخية واتخاذ قرارات مستندة إلى بيانات دقيقة.
وتحظى أبحاث استكشاف الفضاء بنسبة 16.12 %، حيث تتركز الجهود على دراسة سطح القمر والمريخ والكويكبات القريبة، بهدف فهم طبيعة هذه الأجرام وإمكانية استغلال مواردها في المستقبل، كما تهتم الأبحاث بمحاولة الإجابة عن أسئلة تتعلق بإمكانية وجود حياة خارج الأرض، عبر تحليل الغلاف الجوي للكواكب الخارجية والبحث عن بصمات بيولوجية محتملة.
وعلى الرغم من أن الوصول إلى الفضاء والاستدامة يشكل نسبة 7.18 % فقط من الأبحاث، إلا أن هذا المجال يمثل الأساس لتطوير تقنيات تمكن من رحلات فضائية أكثر كفاءة وأقل تكلفة. تشمل الأبحاث في هذا المجال تحسين محركات الصواريخ، وتطوير تقنيات إعادة استخدام المركبات الفضائية، وتحليل تأثير الفضاء على صحة رواد الفضاء، مما يساعد في تمهيد الطريق لمهام فضائية طويلة الأمد.