لقاء لملتقى التأثير المدني تحت عنوان: لبنان دولة المواطنة والشراكة الميثاقية في الحكم
تاريخ النشر: 29th, May 2024 GMT
تابع ملتقى التأثير المدني قبل ظهر اليوم مسار "الحوارات الصباحيَّة" الشهريَّة بانعقاد اللقاء العاشر في فندق الجفينور – روتانا الحمرا تحت عنوان "لبنان دولة المواطنة والشراكة الميثاقية في الحكم". وحضر اللقاء نخبة من الشخصيات الأكاديمية والإدارية والقانونية والدستورية والثقافية والفكرية والقضاة والضباط المتقاعدين والإعلاميات والاعلاميين، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ورئيس وأعضاء الهيئة الإداريّة للملتقى.
وقائع اللقاء في بداية اللقاء الذي قدّمت له الإعلاميّة دنيز رحمة فخري، ونقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن "ملتقى التأثير المدني"، ومن ثمَّ وثائقي إستعراضي للِّقاء التاسع تحت عنوان: ""لبنان دولة المواطنة: التعافي الاقتصادي – المالي والعدالة الاجتماعيّة". كلمة حاسبيني بعد ذلك، كانت كلمة نائب "ملتقى التأثير المدني" الدكتور عبد السلام حاسبيني الذي قال: "مرَّة جديدة ها نحنُ اليوم معًا في اللّقاء العاشر من مسار "الحوارات الصّباحيّة"، ولُبْنان يناضل كي يبقى وطن الحريّة، والديمقراطيّة، والعدالة، والحوكمة السّليمة". وأضاف: "المرحلة تاريخيّة ومصيريّة بامتياز، تتهدّد الهويّة والكيان، وتُفرّغُ فيها الدّولة من كلّ مقوّماتها، وفي صلب ذلك تجزئة السيّادة والسّياسات العامّة. رغم كلّ ذلك لن نكلّ ولن نتعب في نضالنا، مسارُنا تراكميٌّ كي نبني دولة المواطنة". وختم: "قوّة لبنان قائمة في الشّراكة الميثاقيّة بين مكوّناته، فهل ثمّة من يسعى لتحويل هذه الشراكة إلى هيمنة أو تفكيك؟ إنّه زمن تصويب المفاهيم وتصويب المسارات، إنّه زمن استرداد الدّولة. وهذا عهدٌ علينا ووعد. عُشتم وعاش لبنان". كلمة حمدان ثمَّ تحدثت ميسّرة الحوار الاستاذة لينا حمدان التي أشارت إلى "جملة من المصطلحات والتعابير التي تتردد في الحياة السياسية اللبنانية، وفي مقدّمها مصطلح "الميثاقية" الذي ينطوي على استحقاقات دستورية، ويحمل أبعاداً قانونيّة، وينطوي على ممارسات غالباً ما تتعارض مع روح الدستور ومبدأ العيش المشترك ومصطلح "دولة المواطنة" الذي أراد لها المشّرع الدستوري أن تكون بمثابة التزام بالمواثيق الدولّية، ومبدأ المساواة بين اللبنانيين، وإبعاد الدين عن الدولة، مع الحفاظ على حق الطوائف في تدّبر خصوصياتها توازياً مع التخفيف من الاحتقان الطائفي"، وكل ذلك بحسب مقتضيات وثيقة الطائف، التي لم تطبّق بعد. ولفتت حمدان إلى أنّه و"في الوقت الذي تتوسّع فيه دائرة الدول الديمقراطية في العالم، التي تحكم وتدير شؤونها، وفق قاعدة الحكم البسيطة، أي أنّ الأكثرية تحكم والأقلية تعارض، مع ضوابط تقرّها دساتير تراعي "خصوصياتها وقيم شعوبها"، نجد في لبنان أنّ مصطلح "الميثاقية" أخذ ينمو في اتجاهات أصبحت معها عبارة مرادفة لنهج التعطيل، تستحضرها الطبقة السياسية كشعارٍ غب الطلب، لاستعماله في لعبة المصالح والتغطية على الفساد السياسي". وأضافت أنّ الحديث عن "الميثاقية" مرده الى "الميثاق أو العهد غير المكتوب بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح اللذين صاغا تحالفاً ميثاقياً قوامه تسوية تؤسس لخصوصية لبنانية بنهائية كيانه إلى أن جنح بها البعض، فاعطاها بعداً جذرياً بجوهر سياسي مغاير لمضمونه الحقيقي، فتم تحويلها لميثاقية أحزاب السلطة". وقالت: "وبعدما اكدت ان مصطلح ميثاقي غير موجود في أي نص مباشر في الدستور وليس له صفة الزامية باستثناء بعض النصوص التي تشير إلى كيفية تقسيم الوظائف والفئات بين مكونات المجتمع اللبناني إلى درجة بتنا نحتسب انه عند إجماع الطّوائف على تأييد أي قرار حتى يصبح نافذًا"، في حين أنّ الديمقراطية تفرض "حصول أي قرار على النسبة المحددة في الدستور، إمّا على أكثرية النصف أو الثلثين في حالات معينة ليتم اقراره ويصبح نافذًا". وأشارت حمدان إلى أنّ "مفهوم الميثاقية تبلور في "اتفاق الطائف" في العام 1989 في التعديلات الدستورية التي أضافت الى الفقرة "ي" في مقدمة الدستور "على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". وأضاف: "هذا المفهوم جعل من الديموقراطية في لبنان "ديموقراطية توافقية"، وقد أشارت اليها المادة 65 من الدستور التي حددت آليات تستند على وجوب "اتخاذ قرارات مجلس الوزراء بالتوافق بينهم، وفي حال التعذر فبالتصويت بأكثرية الحضور. ولمّا حدّدت بعض المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي مجلس الوزراء، لا يعني انها تحتاج إلى "الاجماع". ولذلك بدلا من اعتبار الثلثين ضمانة قادت التصرفات إلى اعتماد "الثلث المعطل"، مجرد "أداة تعطيل اتخاذ أي قرار، توازياً مع تعطيل كامل للمؤسسات الدستورية وعملها" وهو ما نشهده في ما يحكى عن ميثاقيّة انتخاب رئيس الجمهورية". وبدلا من اعتبار ان "نسبة الثلثين في نصاب الجلسة للحفاظ على ميثاقية الانتخاب"، فسرتها هيئة مكتب المجلس لـ "تكريس ممارسات من خارج الدستور، وهو أمر يتعدى صلاحياتها ويعود الى مجلس النواب مجتمعاً". وأكملت: "أمّا في النقطة الثانية المتعلقة بـ "دولة المواطَنة"، لفتت حمدان الى إنّ المصطلح ورد في مقّدمة الدستور بقوله "أّن لبنان هو وطن نهائي لجميع أبنائه، واحداً أرضاً ومؤسسات، ما يجعل انتماء المواطن إلى الدولة يتصدّر أي انتماء أو رابط آخر، وفي مقدّمها الرابط الطائفي، فالدّولة المدنيّة هي نقيض الدولة الدينّية، ومن هنا أرست الماّدة 95 من الدستور مبدأ إلغاء الطائفية السياسّية واستحداث مجلس الشيوخ، ونّظمت المرحلة الانتقالية بحيث نصّت على انتخاب مجلس النـواب على أسـاس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، تزامناً مع اتخاذ الإجـراءات الملائمة لتحقيق إلغـاء الطائفية السياسية وفق خطـة مرحليّة". لكنها أشارت إلى عقبات شّتى تحول دون تفعيل المادة 95 للاستمرار في عقلية انتماء الفرد إلى الطائفة، نعيش نماذج "تسببت في شل الحياة السياسية". وختمت حمدان بالقول إنّ "الإشكاليّة المطروحة اليوم في لبنان هي بين ميثاقّية تعطيل متعّمد يرمي إلى شّل الحياة السياسية، بما يُسمى "الثلث المّعطل وبين "ميثاقّية إيجابّية" استذكرت "وصايا" سماحة الامام محمد مهدي شمس الدين، الذي شدّد على تطبيق الديمقراطية على أساس مبدأ "الشعب مصدر السلطات" وفقاً لأطروحة "ولاية الأمة على نفسها"، مقابل الأطروحة الإيرانية المعمول بها حالياً "ولاية الفقيه العامة على الأمة" والتي لا تنطبق على مجتمع تعددي يشكّل نموذجاً فريداً في المشهد السياسي الاقليمي". كلمة شمس الدين وبعدهاـ كانت مداخلة الوزير السابق ابراهيم شمس الدين الذي استهلها بالقول: "في العادة يطرح مفهوم المواطنة مقابل مفهوم الرعية مواطنون مقابل رعايا. الدولة الرعوية تضم رعايا يتبعون حاكماً/ سلطاناً / سلطة مطلقة او شبه مطلقة، وحيث مفهوم الحقوق الفردية غير مؤصّل وغير موجود غالباً، وما يحصل عليه الأفراد من في الدولة الرعوية هو عطاءات تُمنَح وتُمنَع أيضاً". وأضاف شمس الدين: "هذا الوضع هو الموجود السائد الغالب الآن في لبنان هي أن اللبنانيين ليسوا مواطنين، هم أفرادٌ رعايا طوائف، بالأحرى رعايا سلطات مذهبية. حتى الطوائف كجماعة ثقافية، صارت بدورها رعايا لأحزاب ومن ثم لزعيم واحد او لتحالف زعامة ثنائية او اكثر". وقال شمس الدين: "في لبنان الأصلي، في لبناننا، يُفترض اننا مواطنون، لا نحتاج إلى تأسيس مواطَنة. وكما يقول الدستور: " لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمييز أو تفضيل".. ومعناه ان "هذا النص السامي، هذا الدستور يقول بإثبات ان وطننا هو جمهورية وليس إمارة ولا مشيخةً ولا ولاية، وهو جمهورية ديمقراطية فيها حريات، و ليست مكاناً للرعايا والموالي، وفيها حقوق ثابتة لنا كمواطنين وليس كأتباع مُستَلحقين ، و هذه الحقوق ليست مِنّة، وهي لا تُمنَحُ ولا تُمنعُ كالعطايا. وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية وبالتالي نحن نختار، في حياتنا وبرضانا، من يدير شؤوننا، ونستبدله ان خان مصلحتنا، وليس أننا نولد نحن وأبناؤنا تحت قبة الزعيم، ونموت وهو حي دائم، ديمومةَ البلاء وديمومةَ الوباء". وتابع شمس الدين: "عندما نطرح دولة المواطنة والشراكة الميثاقية فهذا يعني أننا نطلبها، وإذ نطلبها فهذا يعني أننا نفتقدها. وهو ليس نتيجة انعدام الوجود بل هو نتيجة سرقة. دولتنا سُرقت من داخلها فانتُزِعت مواطنتُنا وأُعطينا بطاقة طائفية هويةً بديلة وجوازَ بقاء .. و إلاّ الهجرة؛ وصارت الشراكة شركة، وصارت الميثاقية محاصصة بين اللصوص". وأضاف شمس الدين: "إن دولة المواطنة والشراكة الميثاقية في الحكم هي بكل قوة وبكل بساطة ايضاً دولةَ الدستور والقانون والمؤسسات؛ وهذه الدولة موجودة لا تحتاج إلى استيلادٍ على طاولة مستديرة او في فندقٍ خليجي فاخر، كما انها قطعاً لا تحتاج إلى خلوةٍ تأسيسية في منتجع تزلج. وهي دولة موجودة، ولكنها أسيرة و كسيرة، وتحتاج إلى تحرير من سلة مهملات الحكومة و مجلس النواب ومن سلة رئيس مجلس النواب تحديداً الذي يمتنع عن تطبيق الدستور ، وصار في السنوات الأخيرة يحرصُ على عدم تطبيقه، ويحرسُ اهماله وتحقيرَه، حتى جعل من نفسه - بمساعدة و تغطية من حلفائه، بعضهم بعيونٍ مفتوحة، وآخرون منهم بقلوب عمياء - في آنٍ معاً رئيساً للجمهورية ورئيساً لرئيس الحكومة ورئيساً للحكومة ورئيساً للقضاة والشرطة والادارات والنقابات والنفط والغاز والحدود في البر والبحر". وشدّد شمس الدين على "أن الشراكة الميثاقية و الحرص على تطبيقها تكون بشراكة الطوائف في السلطة وبعدالة تمثيلها كما ينص الدستور، وليس بشراكة الأحزاب وزعاماتها وحصرية تمثيلها. وهي تكون بقانون انتخاب صحيح وعادل يستفيد منه المواطنون اللبنانيون، وهم بأفرادهم، يشكلون الشعب اللبناني الذي هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية بحيث لا يكون مجدداً ضحية التفليسة التي مورست عليه عبر الطبقة السياسية". وحذّر شمس الدين من "وضع الدستور عند كل محطة صحيحة او مفتعلة على طاولة المحاصصة والتوافق على التعطيل. الدولة تُدار وتُحفظ بمنطق الدولة وبقانون الدولة وبرجال الدولة وليس بأي طريقة أخرى مهما كانت الشعارات، فالدين ليس ستاراً للتسلط، والتحرير تكليف وواجب وليس وسيلة للتحكّم والتعطيل، والخوف ليس حصانَ طروادة ولا معبراً لتحالفاتٍ خارجية تتحول إلى غزواتٍ، كما ان العددَ ليس آلةً للغلبة بالكثرة، وليس حفرة للاختباء بالقِلّة. الدولة العادلة هي التي تردع الكثرة وتمنعها من الطغيان، وتمنع تكوّن الشعور بالأقلية بعدالتها وقوانينها؛ الدولة العادلة، دولة القانون والمؤسسات هي التي تحفظ مواطنيها احراراً". ولفت الى "أن اتفاق الطائف الذي صار دستور لبنان هو ايضاً دستور اللبنانيين كل اللبنانيين ومنهم المسلمون الشيعة وهذه حقيقة راسخة واقعية. وما ترونه هو غبار ثقيل ترتسم فيه صور واشكال، وما تسمعونه هو ضجيج يطغى على الكلام والتلاوة الوطنية اللبنانية. من يمثلون اللبنانيين المسلمين الشيوع اليوم بحكم قوانين انتخابية خاصة وممارسات انتخابية قمعية، هؤلاء لايتكلمون باسم اللبنانيين الشيعة إنما يتكلمون عنهم، والمسافة كبيرة بين هذه وتلك". ولفت شمس الدين بالقول ان "حفظ لبنان وحفظ ما تبقى من قدرة على استعادة الدولة وتحريرها من سجّانيها، في داخلها وخارجها، يكون بعدم الاستسلام والتنازل عن الدستور والقبول باستبداله بتوافقات ماكرة كما في اتفاق الدوحة وكما في التحالف الرباعي، لقد خسرنا كل شيء تقريباً ولكننا فيما آمل وأعتقد بقوة، ما زلنا نمتلك قدرة حقيقية وطاقة كبرى على استرجاع و اصلاح دولتنا". وانتهى شمس الدين متسائلاً: "هل من تعارض بين مفهوم المواطنة والإيمان الإسلامي/ هل ان نهائية الوطن اللبناني والشراكة ألوم وضعية العادلة في ادارته وحكمه ما تزال قناعة راسخة أم انها صارت موضوعاً للمراجعة بفعل الغلبة والاستقواء/ هل ان إلغاء الطائفية السياسية شعار حق يراد به باطل/ لماذا لم تطبق المادة 95 من الدستور بشكل خاص وهل هناك جهة محددة وراء منع تطبيقها أم ان كثيرين يشتركون خفية في هذا المنع؟". مناقشة عامة وختاماً، كان نقاش بين المنتدين والمشاركات والمشاركين.
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: التأثیر المدنی تحتاج إلى شمس الدین فی لبنان
إقرأ أيضاً:
الحركات الإسلامية الشيعية في العراق.. تجربة الحكم وإشكاليات الاستمرار - عاجل
بغداد اليوم – بغداد
بعد احتلال العراق عام 2003، وجدت الحركات الإسلامية الشيعية نفسها في موقع لم تعهده منذ تأسيسها. بعد سنوات من العمل السري والمعارضة، أصبحت هذه الحركات ممسكة بزمام الحكم، تتصدر المشهد السياسي وتدير مفاصل الدولة، وتتفاوض على مستقبل البلاد مع الاحتلال الأميركي، وتؤسس لنظام سياسي جديد مبني على المشاركة الطائفية. تحوّل مفصلي كهذا لم يكن مجرد مكافأة لتاريخ النضال، بل كان امتحانًا صعبًا بين مشروع الدولة الذي طالما نادت به، وحقيقة السلطة التي سرعان ما كشفت هشاشتها البنيوية، وسرعة تحولها من مشروع تغييري إلى منظومة سلطوية جديدة. ومنذ ذلك الحين، دخل العراق في مسار معقد يتقاطع فيه التاريخ بالمصالح، والدين بالسياسة، والمعارضة بالسلطة.
التأسيس الأول.. صعود في ظل فراغ الدولة
في السنوات الأولى لما بعد الغزو، كانت البلاد في فراغ سياسي وأمني ودستوري شامل، وقد ملأت الحركات الشيعية هذا الفراغ بسرعة مدفوعة بشرعيتين: الأولى مستمدة من الإرث المقاوم ضد النظام السابق، والثانية من غطاء المرجعية الدينية التي وفّرت دعمًا مباشرًا لتشكيل الدولة الجديدة، لا سيما من خلال فتوى المشاركة في الانتخابات وصياغة الدستور. تشكلت قوى سياسية كبرى مثل حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى والتيار الصدري ومنظمة بدر، وسيطرت هذه القوى على المشهد السياسي، وشكلت جميع الحكومات المتعاقبة، مع تعزيز مكانتها من خلال النفوذ الإقليمي، وتحديدًا الإيراني.
لكن هذه الهيمنة لم تكن ناتجة عن مشروع وطني متكامل، بل تأسست على قواعد المحاصصة الطائفية والإثنية، حيث توزعت المناصب على أساس الانتماء المذهبي لا الكفاءة. ومع مرور الوقت، تحولت الدولة إلى كيان ريعي تسيطر عليه الأحزاب، وتُدار مصالحه ضمن منطق الغنيمة، فيما تآكلت ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وبرزت ملامح الفشل في إدارة ملفات الأمن والاقتصاد والخدمات.
الانقسامات وإعادة التشكيل.. ديناميكيات داخل البيت الشيعي
في حديث خاص لـ"بغداد اليوم" (27 آذار 2025)، أوضح المحلل السياسي عدنان التميمي أن عدد الكيانات السياسية الشيعية التي ظهرت بعد عام 2003 تجاوز العشرين، إلا أن هذا العدد تقلص إلى أقل من ثمانية حاليًا، بسبب الانقسامات الحادة بين القيادات، وصراعات النفوذ، وظهور أجنحة وتيارات منشقة، بعضها حمل شعارات إصلاحية، وبعضها أعاد تدوير التجربة القديمة بأسماء جديدة.
وقال التميمي: "لو رجعنا إلى مرحلة ما بعد 2003، ومرحلة الحكومة الأولى وإعلان الدستور، نجد أنه كان هناك ما بين 15 إلى 20 تكتلًا سياسيًا مهمًا في تلك الفترة، لكن ما تبقى منها ربما أقل من ثمانية تكتلات، وبقية التكتلات اختفت وتحولت إلى قوة سياسية أخرى بسبب الانشقاقات بين قياداتها التي أسست تيارات وأحزابًا سياسية".
وأضاف أن "الكثير من العناوين السياسية اختفت في قراءة المشهد العام لعام 2025، وبالتالي لا يمكن القول بأن البيت السياسي الشيعي وصل إلى مرحلة الاحتضار، لأن كلما اختفت قوة سياسية تظهر أخرى، وهناك إطار جامع لهذه القوى، خاصة وأن الاستحقاقات الانتخابية تفرض معادلة الأغلبية السياسية الشيعية، في البرلمان، مما ينعكس على تشكيل الحكومة".
وأشار إلى أن "تراجع دور إيران في سوريا ولبنان لن يشكل أي ارتدادات قوية على البيت السياسي الشيعي، في ظل وجود قوى لها علاقات استراتيجية مع طهران"، مؤكدًا أن "هذه القوى نجحت في بلورة دعم لها مكنها من الاستمرار والتفاعل مع المشهد بشكل عام".
كما استبعد التميمي "وجود دعم مالي مباشر لتلك القوى، موضحًا أن تلك القوى ساعدت الاقتصاد الإيراني من خلال دعمها لبعض الصفقات والمضي في العلاقات التجارية والاقتصادية التي ساعدت الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من عقوبات شديدة".
وفيما يتعلق بالحديث عن ضعف البيت الشيعي السياسي، أضاف التميمي أن "الحديث عن انعكاس ذلك إيجابًا على البيت السياسي السني غير دقيق، لأن البيت السني أيضًا يعاني من انقسامات وخلافات حادة أدت إلى انشقاقات في القيادات وكثير من القوى".
وأشار إلى أن "أغلب القوى السنية التي نشأت بعد 2003 اختفت بعد سنوات، ونحن أمام مشهد سياسي مختلف مع قيادات جديدة من الجيل الثالث التي تحمل أفكارًا واستراتيجيات مختلفة، وحتى الشارع في المناطق السنية لا يتفاعل مع تلك القيادات".
مراجعة إجبارية أم نهاية مرحلة؟
إن تجربة الحركات الإسلامية الشيعية في العراق لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة. هي تجربة صعدت من اللاشرعية إلى السلطة، لكنها لم تتحول إلى تجربة بناء دولة. سيطرت على القرار، لكنها لم تسيطر على الأزمة. أسهمت في تحرير العراق من نظام شمولي، لكنها لم تبنِ نظامًا ديمقراطيًا مستقرًا.
يبقى مستقبل هذه الحركات مرهونًا بإرادتها في مراجعة ذاتها، وقدرتها على تفكيك المنظومة الريعية التي غذّتها لعقود، وجرأتها على الانتقال من منطق الغلبة الطائفية إلى منطق الشراكة الوطنية. وإذا لم تفعل، فإن صعود قوى احتجاجية، ونخب شابة، وتغيرات إقليمية، قد يفضي إلى نهاية مرحلة تاريخية وبداية أخرى لا تشبه ما قبلها.