ورقة المقارنات بين الساسة والشعوب
تاريخ النشر: 27th, May 2024 GMT
أسلمتنا أحداث التاريخ المعاصر وحتى القديم ليقين مفاده أن السياسة عالم مفتوح على كل البدائل والاحتمالات، طالما كلها خيارات وأوراق تصب في مصلحة الطرف الأقوى في معادلة الصراع السياسي أو التنافس الاقتصادي، وقد اتسعت رقعة وفضاءات هذه الفسحة لتشمل كل المشروع وغير المشروع، القانوني وغير القانوني، الإنساني وغير الإنساني، ويبقى كل ذلك بيد المتنفذ من الساسة الذي يمكنه تسخير قبيلة من المحامين والإعلاميين ورجال السلطة (في كل مكان بالعالم أو حيث تسكن مصلحته) لشرعنة غير المشروع، وتقنين غير القانوني، وأنسنة غير الإنساني مستخدمين أيسر وأقدم الطرق في ذلك عبر ورقة المقارنات المستهلكة في لعبة السياسة التاريخية، وكواليسها ودوائر الضوء بها، يكفي حينها الربط بين صراع معاصر وصراع تاريخي لإقناع الرأي العام ومتخذي القرار معا بأحقيته وشرعيته وقوة رأيه، أو الربط في مقارنة أخرى بين جماعة معاصرة وأخرى قديمة لينتزع الحق قسرا من أفواه الضحايا ليلقمها فك المجرمين.
وهكذا كان الأمر لعقود من الزمن فيما شهدنا من تاريخنا المعاصر، وفيما لم نشهد من عقود سبقتنا كان النصر فيها حليف الأقوى لا المستحق، والغلبة فيها للأغنى ليس للأجدر منطقا وقانونا، فلا قانون فوق نفوذ الأقوى ولا سلطة فوق المال، لكن الشعوب فطنت لهذه الورقة (ورقة المقارنات) بعد تكرارها مرات عديدة حدّ تكشفها واحتراقها، بل وتوثيقها بعد انتهاء فترة النفوذ وبداية نقد المرحلة، استخدمتها كذلك لاستذكار مقارنات تاريخية تغذي طاقتها في الانتصار لحق شعب ما، أو الثورة دعما لحق فرد أو مجموعة أو دولة بحاجة لهذه النصرة وهذا الدعم الشعبي، فكانت المقارنات وسيلتهم لاستحضار الأمس وقودا لإدراك ما تم تفويته أوان الضعف وانحسار الوسائل بعد القوة وتوفر الوسائط والوسائل في هذا العالم المفتوح الذي حوّل العالم؛ كل العالم إلى قرية صغيرة.
ومن مقارنات الساسة وأصحاب النفوذ عالميا ما يحاولونه اليوم في الغرب من ربط جرائم إسرائيل بروسيا، وما يفعله مجرمو إسرائيل بشعب فلسطين بما يحاوله بوتين مع أوكرانيا، وليس ذلك محاولة لاستعداء روسيا أو شيطنة بوتين بقدر ما هو ورقة (مقارنات) فاعلة لتحييد موقف روسيا في هذه المرحلة، كأن الفكرة هي «نشتري سكوتكم بسكوتنا عنكم» وإن قلنا تحييد روسيا فلا ننسى إطلاقا أن الصين كذلك في المربع ذاته مع أولئك المراد تحييدهم بعيدا عن المعركة الحالية، استخدمت بعض الدول والحكومات ورقة المقارنات كذلك لإخراس الخصم المتوعد انطلاقا من نفوذه لا من عدله أو شرعيته، تماما كما كانت تفعل الصين في ردها الدوري على تقرير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق الإنسان في الصين متضمنا سلسلة من انتهاكات ومخالفات الصين، حيث تحرص بفريق عمل مختص ومجهز معرفيا ومهاريا لإعداد تقرير مماثل متضمن لكل انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية مدعما بتوثيق كل تلك الانتهاكات بالأدلة والبراهين والإحصاءات لإغلاق كل منافذ المقاضاة، ليجد القاضي نفسه أجرم من أن يسائل وأضعف من أن يقاضي، ولعل تقرير الصين هذا العام سيتضمن سردا لكثير من ذلك متضمنا قمع حرية الرأي والتعبير في الجامعات الأمريكية والصحف الحرة.
مقارنة أخرى اشتغلت عليها إسرائيل مع صنّاعها وحلفائها ومريديها هي ورقة المقارنة بين محرقة اليهود وواقع إسرائيل اليوم بعد ربطها ضمنيا بين اليهودية والإسرائيلية، وهو طعم استمرأته أوروبا وكثير من دول العالم عقودا كثيرا ومررت إسرائيل عبره الكثير من أجنداتها السياسية والاقتصادية وحتى سردياتها التاريخية المصنوعة المضللة، في المقابل جاءت ورقة المقارنات التي استخدمتها الشعوب لتنتصر للضحايا الذين وجدوا في المقارنات التاريخية اتحادا إنسانيا وتضامنا واجبا، إذ لن يشعر بالشعب المقهور إلا شعوب مرت بذات القهر والتهجير والقتل، كل ذلك حصل بعد تفكيك السرديات النمطية، وهلهلة النصوص المصنوعة المضللة نهوضا بشعوب تختزن الكثير من المظالم التاريخية كإيرلندا وسكوتلاندا وشعوب إفريقيا منتصرة لحق الفلسطينيين منددة بجرائم الاحتلال، ومن حسنات هذا الجهد الشعبي المهول تفكيك الارتباط العقدي بين الصهيونية كدولة احتلال والديانة اليهودية بكافة معتنقيها ممن عانوا ذات المعاناة في القتل والتصفيات العرقية والتهجير واكتشفوا الآن بعد عقود من التعمية أن المسلمين كانوا الأقرب إلى نصرتهم والأحرص على إنصافهم.
ليست المرة الأولى تاريخيا التي ينقلب فيها السحر على الساحر، ولن تكون الأخيرة وقد تكون المرحلة القادمة من عمر هذا الصراع مرحلة حاسمة في قلب موازين الحسابات السياسية وأجنداتها، بل لن نبالغ إن قلنا بإمكانية تأثيرها في قلب موازين القوى عالميا، مؤشرات كثيرة تسير تباعا لتظهر الحق شمسا بعدما دلتنا عليه أضواء شتى بداية من تحول الرأي الشعبي العالمي، موقف جنوب إفريقيا المشرف، ثم موقف قادة المستقبل في الجامعات الأوروبية وأشهر جامعات أمريكيا وأوروبا وأكثرها تقدما، ثم موقف محكمة العدل الدولية في المرتين الأولى والثانية التي لا نأمل أن تكون الأخيرة حتى حين تضمنت هي الأخرى إحدى المقارنات بين قادة إسرائيل وقادة حركة حماس.
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
«أولياء أمور مصر » يُشيد بتعميم نظام البوكليت للشهادة الإعدادية
أشادت الخبيرة الأسرية داليا الحزاوي مؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، بقرار تعميم نظام البوكليت في امتحانات نهاية العام للشهادة الإعدادية بجميع المحافظات واصفة القرار بأنه موفق ويعتبر استكمالا لسلسلة القرارات التي تسعي الوزارة لتطبيقها لمواجهة ظاهرة الغش في الامتحانات.
واستكملت «الحزاوي» في تصريحات لها: ظاهرة الغش في الامتحانات سواء عن طريق الغش الالكتروني باستخدام تطبيق التلجرام وغيره أو الغش داخل اللجان، خطرا يهدد مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب ويؤثر سلبا علي الطالب المجتهد الذي يشعر بالإحباط والظلم ويمتاز تطبيق نظام البوكليت في الامتحانات انه احد الحلول للقضاء علي تلك الظاهرة فهناك صعوبة في الغش مقارنتا بالنظام التقليدي خصوصا لو كان هناك اختلاف في ترتيب الاسئلة داخل البوكليت كما أنه من خلال تطبيق نظام البوكليت يمكن تأمين الامتحان بشكل افضل ضد التصوير
واختتمت: نتمني تعميم هذا القرار في الثانوية العامة أيضا بدلا من البابل شيت الذي سهل الغش بشكل كبير حيث يصعب معه إثبات الغش في ظل اقتصار الإجابات على تظليل الدوائر، بينما يمكن اكتشافه في نظام البوكليت
جدير بالذكر إن نظام البوكليت المقرر تعميمه في امتحانات الشهادة الإعدادية 2025، هو عبارة عن دمج ورقة الأسئلة مع كراسة الإجابة في كراسة امتحانية واحدة تسمى (بوكليت) مع وضع باركود لتأمينها، مما يصعب عملية تصوير جميع اسئلة الامتحان وتداول الاسئلة والاجابات عبر صفحات الغش على السوشيال ميديا، علما بأن الباركود يسهل عملية ضبط أي محاولة للتصوير بتحديد مكان وهوية صاحب الكراسة الامتحانية.
وكانت امتحانات الشهادة الإعدادية التقليدية تقوم على تسليم الطالب ورقة أسئلة وكراسة اجابة منفصلين، وهو الأمر الذي كان يسهل معه الغش في امتحانات الشهادة الإعدادية، حيث كان يتم تصوير ورقة الاسئلة كاملة في صورة واحدة وإرسالها لصفحات الغش لإتمام عملية الغش الإلكتروني.