جاءت الاحتجاجات الغاضبة من إسرائيليين وأمريكيين بشأن قرار الأسبوع الماضي من مدعي المحكمة الجنائية الدولية بالسعي إلى اعتقال بنيامين نتانياهو بتهمة ارتكابه جرائم حرب لتلقي ضوءا جديدا على واقع قديم: هو أن جميع الناس متساوون ـ في نظر من يعتلون القمة وينعمون بسلطة سياسية حاسمة ـ لكن بعضهم أكثر تساويا من بعض.

يكمن في لب الاعتراضات على الخطوة الجريئة التي قام بها كريم خان انطباع صامت بأن العنف المفروض على الفلسطينيين ـ وهم جماعة من الناس مهملة مهمشة عديمة الصوت إلى حد بعيد ـ هو أقل خطأ، أو هو بطريقة ما مقبول أكثر، من العنف ضد الإسرائيليين، وهم مواطنون ذوو امتيازات وحماية في دولة وطنية مستقرة. ومن يعترض على ذلك يوصم، سفها وحتما، بمعاداة السامية.

وهذا الغضب الجليل في نظر أصحابه من الساسة الأمريكيين والإسرائيليين وبعض الأوروبيين لا يخلو من دلالة، وإثارة للأسى. لقد كانت المجزرة التي أنزلتها حماس على قرابة ألف ومائتي شخص في أكتوبر الماضي مروعة وإجرامية ولا تغتفر، ولا بد لها من عقاب، وهو آتٍ لا محالة. وهي لا تبرر الرد الدموي غير المتناسب وغير القانوني وغير التمييزي من إسرائيل في غزة. وهذا ببساطة ما لا يفهمه أولئك الساسة.

إن لحياة الفلسطينيين مثلا ما لحياة غيرهم من القيمة والأهمية. فكيف يتسامح هؤلاء الساسة الغربيون كثيرا أو يتجاهلون أو يدافعون عن قتل قرابة خمسة وثلاثين ألف فلسطيني منهم ما لا يقل عن اثني عشر ألف طفل وامرأة (بناء على أرقام الأمم المتحدة المراجعة) من خلال قصف بيوت ومستشفيات ومنع وصول المساعدات أو السطو عليها؟

يصر نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل وجو بايدن الرئيس الأمريكي أن استدعاء المحكمة لقادة من إسرائيل وحماس في وقت واحد يوحي ضمنيا بـ«تكافؤ أخلاقي». وهذا هراء. ذلك أن هناك «أساسا وجيها للاعتقاد» بحسب ما قال كريم خان ومستشاروه الخبراء بأن كلا الجانبين ارتكبوا جرائم جنائية خطيرة. ويجب على جميع المسؤولين أن يجيبوا بالتساوي، أيا كانوا ومهما كانوا.

ولعل نتانياهو يعتقد هو وشريكه في الاتهام وزير الدفاع يوآف جالانت أنهما فوق القانون، والقانون الدولي خاصة، إذ يزدريانه تماما. ولعلهما يعتقدان وهما يفرضان احتلال المناطق الفلسطينية أن إسرائيل هي الأخرى فوق القانون. وذلك يقينا هو الانطباع الناجم عن سلوك جيشهما في غزة.

ولو أن الأمر كذلك، فهما لا ينفردان بهذا الاعتقاد. ففلاديمير بوتين الرئيس الروسي متهم بالإشراف على جرائم كثيرة في أوكرانيا. وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال العام الماضي. فهل يشير هذا إلى «تكافؤ أخلاقي» مع حماس أو مع نتانياهو؟ لا. إنما يعني ببساطة أن بوتين، شأن أي فرد آخر، لا بد أن يرد على أفعاله المزعومة. وشأنهما، فإن افتراضه الحصانة زائف، ويجب إظهار زيفه.

المدهش بحق هو أنه يصعب على القادة الغربيين تقبل مفهوم المساواة أمام القانون، حتى وهم يستعرضون التمسك بالنظام الدولي الديمقراطي القائم على القواعد. لقد كان رد فعل بايدن منافيا للمنطق، وأقرب إلى حدود الغرابة. فقد قال إن «ما يجري ليس إبادة جماعية». لكن المحكمة الجنائية الدولية لا تقول هذا.

أدان بايدن جهود اعتقال إسرائيليين (دون قادة حماس) معتبرا إياها «شائنة». وهو نفسه انتقد بحدة تكتيكات التجويع التي تتبعها إسرائيل في غزة، وهي تهمة مركزية من تهم المحكمة الجنائية الدولية، وعجزها أي إسرائيل عن حماية المدنيين. غير أنه الآن يرفض المحاولات لضمان محاسبة هؤلاء المسؤولين، مع دعمه مذكرة الجنائية الدولية الخاصة ببوتين. وهذا عدالة انتقائية.

وبوصفه محاميا دارسا، يجب أن يكون هذا معلوما لأنطوني بلينكن ـ كبير الدبلوماسيين الأمريكيين. إن أغلب العالم يعترف بدولة فلسطينية. وانضمت إلى أولئك أخيرا كل من أسبانيا وأيرلندا والنرويج. ومهما يكن ما يقوله بلينكن، فإن للجنائية الدولية سلطة قضائية مشروعة في غزة. ولا ينبغي حتى أن ينتظر الفلسطينيون إلى أن تجري محاكم إسرائيل المخترقة بتحقيقاتها. ففي تجربة سابقة، طال الانتظار بهم كثيرا في واقع الأمر.

يواصل نتانياهو والمتحدثون العدوانيون باسمه الثناء على القوات الإسرائيلية باعتبارها «أكثر جيوش العالم أخلاقية». ويزعمون دونما استناد إلى دليل أن هذه القوات تفعل أكثر مما فعل أي جيش في التاريخ لاجتناب إيذاء المدنيين. لكن العالم ليس أعمى، برغم الستار الذي تفرضه القيود الإسرائيلية على الاستقصاءات والأعمال الصحفية المستقلة.

ما يجري في غزة رعب من صنع البشر، غير مسبوق في العصر الحديث. وعقد المقارنات المباشرة مسألة إشكالية تفتقر إلى الدقة. لكن وفقا لمقاييس الوفيات والنزوح، تبدو غزة أسوأ من الموصل (في عام 2017) ومن حلب (في عام 2016) بل ومن جروزني (في ما بين عامي 1994 و1995). والفلسطينيون أيضا يموتون بأرقام قياسية في الضفة الغربية المحتلة.

والغطرسة والجهل لدى من يقودون البلاد المحبة لإسرائيل هو وحده الذي يفسر التسامح الراسخ والقديم مع سلوك وحشي. ففي بريطانيا، وصف ريشي سوناك خطوة المحكمة الجنائية الدولية بأنها «غير مفيدة على الإطلاق». فما الذي يفكر فيه حقا؟ هل من غير المفيد أن نحاول الحد من قتل خارج على القانون؟ أم من غير المفيد أن نطلب العدالة؟ هذا ليس تكافؤا أخلاقيا. إنما هو ارتباك أخلاقي مطبق.

والبعض في إسرائيل يفهم الأمر. فقد قالت صحيفة ها آرتس الإسرائيلية اليسارية إن فشلا استراتيجيا كبيرا هو الذي أدى إلى هذه الخطوة من المحكمة الجنائية الدولية. «لقد شرعت إسرائيل في حرب غير مبررة...حظيت في أول الأمر بدعم دولي واسع. لكن سوء الإدارة لهذه الحرب، وقسوة هذه الحكومة وغباءها الجبان، حولتا إسرائيل إلى دولة منبوذة عالميا».

ولا تقتصر مشكلة النبذ السياسي المفترض على إسرائيل. ففي باريس في الأسبوع الماضي، واجه ثلاثة مسؤولين في نظام بشار الأسد الطغياني السوري محاكمة غيابية عن جرائم ضد الإنسانية. وفي إشارة إلى «السلطة القضائية المطلقة» أصدرت فرنسا أيضا مذكرة اعتقال للأسد. وهي إشارة مبدئية تأتي عقب فعل مماثل من بلاد أوروبية أخرى.

وشأن بوتين، والأسد، ومتهمين آخرين لدى الجنائية الدولية من قبيل الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، قد يقدّر نتانياهو أنه لن يمثل أبدا في قفص المحكمة. لكن هل له أن يثق في ذلك؟ فالبرغم من ازدواجية المعايير في الغرب، كان ذلك الأسبوع إجمالا أسبوعا جيدا للعدالة الدولية.

وفي خطوة أخرى إلى الأمام، أصدرت محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة أمرا لإسرائيل بإيقاف هجومها على رفح، بجنوبي غزة. والرسالة التي تتألف من ذلك كله واضحة. الحصانة لا يمكن أن تدوم. وقد لا يجد مجرمو الحرب من مأوى دائم. ولا أحد، مهما شطحت به الأماني، فوق القانون. ولكل إنسان الحق في الحماية.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المحکمة الجنائیة الدولیة فی غزة

إقرأ أيضاً:

لا لتجريم ستات الشاى

اعتقد ان المطالبه بحرمان ستات الشاى من عملهن وتحريمهن بتهم كالتجسس للمليشيات هذه جريمه لم تثبت وهذا ظلم وتغول على الحريات العامه وعدم عداله ونوع من الجهويه والعنصريه فلا يجب ان نقصد مهنه محدده ونوصفها بصفات ما وندينها على هذا الاساس وتجرمها ونقصدها وتحرم العاملين فيها عن العمل والادانه والعقاب دائماً فردى والادانه لمهنه معينه هذا غير منطقى وعدم عداله وغير قانونى وخطأ فالإدانات والعقاب دائماً فرديه وليس جماعيه او مهنيه او جهويه والحديث عن ستات الشاى والحديث الذى يدور عن ستات الشاى وأنهن من الغرب ويتجسسن للمليشيات حديث عنصرى وجهوى سيمزق المجتمع وانت شرع ماتشاء من قوانين وبعد ذلك اقبض وعاقب من يخالف هذه القوانيين بالأدلة والبراهين ولكن لا تصنف وتعاقب بتوصيف مهنه معينه توصيف جهوى اوعنصرى او قبلى بانهم جواسيس وعملاء ( كمثال ستات الشاى ) وذلك بسبب أنهن قادمات من غرب السودان فهن جاسوسات لحميدتى وتعاقبهن على هذا الاساس وتحرمهن من العمل واعتقد هذا نوع من الجهل وتوصيف جهوى وعنصرى ولا يجب ان نردد بان القادمين من جنوب او غرب السودان هم الخطرين على الامن فى الشمال او الوسط فهذا سيمزق الوطن هؤلاء مواطنين مثلى ومثلك لهم الحق ان يتجولوا فى وطنهم كما يشاؤون وان يعملوا فى اى مهنه يختاروها
شكل مؤسسات شرطيه وأمنيه قويه وليست جهويه وأوكل لها الأمر هذا هو المطلوب افعل كما فعلنا فى زمن الانجليز وبعد الاستقلال مباشره عين بلا جهويه ولا قبليه واجعل الحياه تسير بدون رعب من اهل الشرق او الغرب فهم مواطنين واصحاب بلد مثلك تماماً والان مثلاً فى الدول الغربيه لا يعينون فى الجيش اوالشرطه من جهه معينه فالننقل تجربة الغرب والدول الناجحه ونطبقها ونترك هذا التخبط والعشوائية والجهوية وتجريب المجرب .

محمد الحسن محمد عثمان
omdurman13@msn.com

   

مقالات مشابهة

  • باسكال مشعلاني تكشف عن موقفها من الغناء في تل أبيب والتطبيع مع إسرائيل
  • الإمارات أمام «العدل الدولية»: اتهامات السودان زائفة ونتمسك بعدم اختصاص المحكمة
  • الامارات أمام «العدل الدولية»: اتهامات السودان زائفة ونتمسك بعدم اختصاص المحكمة
  • المحكمة تشرع في محاكمة المنتدبة القضائية ومقاول بتهم ثقيلة
  • لا لتجريم ستات الشاى
  • محكمة العدل الدولية تبدأ قريباً جلسات حول “التزامات إسرائيل” في الأراضي الفلسطينية
  • الجنائية الدولية تقرر تعويض ضحايا جيش الرب الأوغندي
  • حزب الدعوة يدعو القوى الشيعية إلى الوحدة
  • قرار المحكمة العليا في إسرائيل بشأن بار.. لن تتم إقالته
  • إسرائيل: ترقب قرار المحكمة العليا التي تنظر بالتماسات ضد إقالة رئيس الشاباك