في مقدمتها تحريض المعارضة وتدهور الاقتصاد.. لهذه الأسباب تصاعدت العنصرية ضد اللاجئين في تركيا
تاريخ النشر: 2nd, August 2023 GMT
إسطنبول – لطالما تمتعت تركيا على مدى قرون بتنوع ثقافي كبير، فقد تعايش فيها العديد من الأعراق والأديان، لكن هذا التنوع بات مهددا في السنوات الأخيرة، مع تصاعد تيّار العنصرية التركيّة ضدّ اللاجئين العرب وغيرهم.
فخلال السنوات الثلاثة الماضية وبالتزامن مع تزايد الضغوط الاقتصادية أطلقت أحزاب المعارضة التركية حملات تحريض إعلامية ضد اللاجئين العرب بشكل عام والسوريين بشكل خاص.
وقد تصاعدت هذه الحملات خلال جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسة، عندما وعد مرشح المعارضة كمال كليجدار أوغلو بترحيل السوريين في حال فوزه بالانتخابات.
ومع ارتفاع وتيرة التحريض ضد العرب، تكررت حوادث الاعتداء على سائحين أو مقيمين عرب في تركيا، وكان آخرها اعتداء عشرات الأتراك بشكل وحشي على فتى يمني (15 عام) في أحد المجمعات السكنية بمنطقة إسنيورت بإسطنبول.
عوامل تاريخية وسياسيةووفقا لخبراء تحدثت معهم الجزيرة نت، فقد اتسم تاريخ العلاقة بين العرب والأتراك بشيء من التعقيد والتنوّع، حيث أن العلاقات بين الشعبين مرّت بمراحل متباينة، وخضعت لعوامل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية.
ويرى الأكاديمي في جامعة صباح الدين زعيم البروفسور الدكتور عبد المطلب أربا، أنّ الدول العربية عاشت تحت الحكم العثماني فترة طويلة في علاقة أخوية وثقافية وتاريخية وإيمانية والحياة المشتركة، معتبراً العنصرية بذرة استعمارية غرسها الاستعمار لتفكيك الدولة العثمانية لا سيما وأنّ العرب كانت ترمز في ذهنهم للإسلام، فعمل على الإساءة إلى سمعة الآخر بواسطة عملائه في الطرفين.
ويوضح أربا في حديثه للجزيرة نت بأن وجود الدول الحديثة مبني على هذا التباغض المفتعل، قثد أصبح العرب يرون الدولة العثمانية المسلمة دولة استعمارية ظالمة مستبدة، وفي المقابل اعتبرت تركيا الحديثة -القائمة على أسس العلمانية- العرب أعداءً وخونة فاتجهوا للغرب وبقي الأمر كذلك 80 سنة والتحريض والعداء ينخر في الشعوب مما أدى إلى التباين الثقافي والنفسي بينها.
وينوّه إلى أن قيام بعض الدول العربية الحديثة بدعم حزب العمال الكردستاني الإرهابي أذكى الشعور السلبي لدى المواطن التركي، حتى جاء حزب العدالة والتنمية وحاول تغيير هذه السمعة والانفتاح إلى العالم الإسلامي مما زاد التواصل والتعاون والتشارك على مستوى الشعوب في مجالات التجارة والصناعة وغير ذلك.
ويؤكد أربا أن الأحداث التاريخية التي شهدتها تركيا والمنطقة "تلقي ظلالاً قاتمة على قضيّة العنصرية ضد اللاجئين العرب الذين نعتبرهم ضيوفاً، وما زالت بحاجة لمعالجة جادّة".
أثر اللاجئينرأي آخر يذهب إليه خبراء الشأن التركي، الذين يعتقدون أن بعض السياسات الحكومية في تركيا قد يكون لها دور في تشكيل سياق العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين في البلاد.
وحول ذلك يقول أربا أن "السياسات الناتجة عن قلة الخبرة العملية للدولة التركية في التعامل مع اللاجئين بالمقارنة مع الدول الأخرى كألمانيا وانجلترا، أدت إلى ظهور بعض الخلل في احتواء هذا العدد الكبير من اللاجئين".
فيما يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة اسطنبول البروفسور الدكتور آدم أسَن، أن تركيا حاولت التأقلم مع الوضع فاستحدثت رئاسة الهجرة لكنها ما زالت بحاجة إلى المزيد لاحتواء هذه المشكلة.
ويضيف أسَن في حديثه للجزيرة نت، قائلا "لا نقول أنّهم كانوا عبئاً لا سيما إذا نظرنا إلى الجوانب الايجابية لوجود اللاجئين كليات الشريعة التي استفادت من خبرات أساتذة أفاضل، وإثراء التنوع الثقافي".
ويبيّن أسَن أنّه لابدّ من التأكيد على أن الشعب التركي ينقسم إلى محافظ وعلماني، حيث يتعامل القسم الأول مع قضية اللاجئين بمزيد من التعاطف والترحيب والانفتاح، لكن العلمانيين يبغضون المسلمين والعرب والثقافة الاسلامية لذلك كان موقفهم سلبي للأسف وهذا إشكال مستمر.
العوامل الاقتصاديةويعتقد أسَن أن التحدي الاقتصادي أحد العوامل التي تؤثر في السياق الاجتماعي والسياسي الذي يمكن أن يؤدي في بعض الأحيان إلى تصاعد العنصرية والتمييز ضد اللاجئين.
ويتابع "اللجوء في كل زمان ومكان له بعد اقتصادي قد يكون إيجابياً أو سلبياً وخاصة إذا علمنا أن النازحين إلى تركيا لم يكن معظمهم من الفئة المتعلمة مما يزيد من إقبالهم على الأعمال البسيطة وقبولهم أجوراً مخفضة".
ويشير إلى أن وجود هذا العدد الكبير من اللاجئين بالمجتمع وانتشارهم في المدن وقبولهم العمل غير الرسمي بالأجور المخفضة جعلهم ينافسون العمالة المحلية، حيث أن إطلاق إمكانية العمل للأجنبي قد يتسبب في تدني الأجور وهذا ما لا تقبله النقابات والمواطنين.
ويلفت أسَن إلى أنّ اللاجئ أصبح عبء على الدولة في جانب، وانتشار اللاجئين في المدن أدى إلى إحساس المواطنين بهذا العبء؛ حيث ارتفعت الايجارات نتيجة لزيادة الطلب، ومما يفاقم المشكلة أن الأجنبي المقيم أو اللاجئ تطول إقامته في تركيا، لكنّ كل هذا له جوانب إيجابية أيضاً مثل زيادة حركة التجارة.
ويشدد أسَن على ضرورة قيام الحكومة بوضع حلول لهذه الإشكالات خاصة أن بعض اللاجئين قد ولد في تركيا واندمج بالمجتمع وأثبت انسجامه هذا على المستوى الإنساني، وهناك بعد سياسي داخلي حيث تستغل بعض الأحزاب موضوع اللاجئين باعتباره ورقة للضغط على الحكومة.
الإعلام العنصريوتلعب وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه انطباعات الجمهور حول مختلف القضايا، وقد يكون لها تأثير كبير في تعميق العنصرية ضدّ اللاجئين، من خلال تضخيم الحوادث السلبية وتكريس مشاعر الخوف والقلق، كما يقول الباحث محمد رقيب أوغلو.
ويؤكد رقيب أوغلو على الأثر السلبي في هذه القضية من خلال استخدام متطرفين عنصريين لوسائل التواصل الاجتماعي ونشر الأخبار الكاذبة والمضللة للتحريض على الكراهية والعنصرية.
وفي حديثه مع الجزيرة نت، يعرب رقيب أوغلو عن اعتقاده بأن التحريض الإعلامي للعنصرية مدعوم من جهات دوليّة لا تريد استقرار تركيا، وفي مقدمتها أميركا التي تدعم الأحزاب اليمينية، وتتجلى خطورة هذه القضية إذا أخذنا بعين الاعتبار انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقدّر رقيب أوغلو أن نحو 40-50% من المواطنين الأتراك لديهم ميولاً وطنيّة غير متحيّزة، لكنّ تحوّل هذه الفئة للعنصرية وارد إذا أخذنا بنظر الاعتبار التوجيه الإعلامي للمتطرفين.
ويضيف "لذلك التوعية مهمة في هذا المضمار، ولابدّ أن يتبنى الناس فكرة التنوع الثقافي وعدم الانقياد وراء الأجندات التحريضية؛ فكما أنه لا يكره رؤية الانجليزي يجب ألّا يكره رؤية العربي، هذا هو الأصل".
ويرجّح رقيب أوغلو أن تواجه محاولات القضاء على العنصرية صعوبات عديدة، لكن لابدّ من اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة الأمر على الصعيد التعليمي والمؤسسي والتشريعي من قبل السلطة العليا في البلاد.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: فی ترکیا
إقرأ أيضاً:
طرد ممثلة تركية من أحد المسلسلات لدعمها مقاطعة مناصرة لإمام أوغلو.. والمعارضة تعلق
أعلنت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية "TRT"، الأربعاء، عن استبعاد الممثلة آيبوكه بوسات من فريق عمل المسلسل التلفزيوني "تشكيلات"، بسبب إعلانها الدعم لحملة المقاطعة الاستهلاكية التي أطلقتها المعارضة نصرة لرئيس بلدية إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو.
وصعد حزب "الشعب الجمهوري" وهو أكبر أحزاب المعارضة التركية، احتجاجاته ضد الحكومة عقب اعتقال إمام أوغلو وسجنه على ذمة قضايا تتعلق بـ"الفساد"، مطالبا بإعلان اليوم الأربعاء يوما لمقاطعة الاستهلاك في عموم البلاد، وهو ما لاقى انتقادات حادة من جانب الحكومة.
وشاركت الممثلة التركية آيبوكه بوسات التي تؤدي دورا مهما في مسلسل "تشكيلات" الذي تعده مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، منشورا عبر خاصية ستوري على حسابها الشخصي على منصة "إنستغرام"، داعية جماهيرها إلى المشاركة في المقاطعة والامتناع عن الشراء يوم الأربعاء.
Teşkilat dizisi oyuncusu Aybüke Pusat, takipçilerini boykota çağırdı.
Ohhh ne ala memleket!
Hem yerli ve milli markaları boykot edeceksin, hem de devletimizin kanalında dizide oynayacaksın!
Bu kadını TRT 1'de görmek istemiyoruz ! pic.twitter.com/iuKkRh1v7z — 0LİVİA ???????????? (@Avicenna_Razi) April 1, 2025
في أعقاب ذلك، نشر المدير العام لـ"TRT"، زاهد سوباتشي، بيانا رسميا صادرا عن المؤسسة عبر حسابه على منصة "إكس"، جاء فيه "تم استبعاد الشخص المعني من المسلسل بسبب منشوراته التي خيبت آمال مشاهدي مسلسل ‘تيشكيلات’. ورغم أن المسلسل صُوّر بحلقات احتياطية، إلا أنه سيُراجع نصه. ولا شك في أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة في حالات مماثلة".
وأضاف البيان أن "القناة لن تتهاون مع مواقف مماثلة في المستقبل"، مشددا على أنه "لا ينبغي لأحد أن يشك في أنه سيتم اتخاذ الخطوات اللازمة في حالات مماثلة".
Kamuoyuna saygıyla duyurulur:
“Teşkilat dizisinde rol alan bir oyuncunun paylaşımları TRT’nin kurumsal ilkeleri ile asla bağdaşmamaktadır. Teşkilat dizisi izleyicilerini de hayal kırıklığına uğratan paylaşımlar nedeniyle söz konusu kişi diziden çıkarılmıştır.” pic.twitter.com/RPtydN1Iiz — Zahid SOBACI (@zahidsobaci) April 2, 2025
واعترض زعيم حزب "الشعب الجمهوري" أوزغور أوزيل على استبعاد بوسات من المسلسل، قائلا: "سنجعل أيبوكي تحطم الأرقام القياسية أينما لعبت، وسندعو لمشاهدتها أينما لعبت".
وأضاف في كلمة له للصحفيين: "هؤلاء رجال بلا خجل. يتلاعبون بوظائف الناس"، على حد قوله.
وكانت تركيا شهدت دعوات أطلقها أوزيل خلال الأسابيع القليلة الماضية لمقاطعة عدد من العلامات التجارية بسبب اتهامه بالوقوف إلى جانب الحكومة بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
وتضمنت قائمة الشركات المقاطعة، سلسلة مقاهي "إسبرس-لاب" والتلفزيون الحكومي "تي آر تي" وقناة "سي إن إن" النسخة التركية، بالإضافة إلى شركات أخرى في قطاعات صناعة الأثاث والبترول والغذاء.
وعلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على دعوات المعارضة لمقاطعة الشركات المحلية، قائلا: "لن تسمح أمتنا لأي علامة تجارية محلية ووطنية تنتج وتوفر فرص عمل في هذا البلد بأن تقع فريسة للسياسات الفاشية لقلة من الطموحين".
والثلاثاء، دعا أوزغور أوزيل إلى تصعيد الاحتجاج عبر إعلان اليوم الثاني من نيسان /أبريل الجاري يوما لمقاطعة الاستهلاك في تركيا، قائلا: "أدعو الجميع إلى استخدام قوتهم التي تأتي من الاستهلاك من خلال المشاركة في هذه المقاطعة".
وأشار أوزيل إلى اعتقال 301 من طلاب الجامعات الذين شاركوا في الاحتجاجات المناصرة لإمام أوغلو خلال الأيام الماضية، معتبرا أنه "تم اعتقالهم بشكل غير قانوني وهم يقضون العطلة منفصلين عن عائلاتهم".
وأضاف في تدوينة عبر منصة "إكس"، أن "حفنة من أعضاء المجلس العسكري الذين يحرضون الدولة ضد الشعب سوف يخسرون، والشعب سوف يفوز"، حسب تعبيره.
والأسبوع الماضي، قرر القضاء التركي بعد أيام من توقيف إمام أوغلو على ذمة التحقيق بقضايا تتعلق بالفساد والإرهاب سجن رئيس بلدية إسطنبول على خلفية الاتهامات المتعلقة بالفساد، في حين جرى رفض طلب النيابة العامة اعتقاله على ذمة قضية "الإرهاب".
كما أعلنت وزارة الداخلية إبعاد إمام أوغلو عن منصب رئيس البلدية، ما أدى إلى انتخابات داخل المجلس البلدي، فاز بها نوري أصلان المنتمي إلى حزب "الشعب الجمهوري" برئاسة البلدية بالوكالة.
وكان أردوغان شن في أكثر من مناسبة هجوما حادا على المعارضة، معتبرا أن ما شهدته بلاده خلال الأيام الماضية، "يؤكد مجددا أن تركيا، كدولة كبيرة، فيها حزب معارضة رئيسي يفتقر إلى البصيرة والرؤية والجودة، ويبدو صغيرا وضعيفا سياسيا".
في المقابل، انتقدت المعارضة حملة الاعتقالات التي طالت إمام أوغلو ومقربين منه على خلفية تهم متعلقة بـ"الفساد" و"الإرهاب"، معتبرة أن ذلك بمنزلة "انقلاب على الرئيس القادم".