في مقطع مرئي نشرته كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، قبل عدة أشهر لعرض الأساليب التدريبية التي يتلقاها جنود المقاومة، ظهر بجلاء استخدام الجنود لبندقية فريدة من نوعها، مميزة بامتزاج اللون المعدني بالخشبي. يمكن بسهولة ملاحظة وجود تلك البندقية في المقطع من حين لآخر، وكذلك في المقاطع التي صدرت أثناء الحرب الجارية في قطاع غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وهي واحدة من القطع العسكرية الأساسية لترسانة كل فصائل المقاومة تقريبا، إنها بندقية الكلاشِنكوف الشهيرة.

وقد خلصت إلى النتيجة نفسها وكالة الأسوشيتد برس في تحليل لأكثر من 150 مقطع فيديو وصورة تم التقاطها أثناء الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب. حيث ظهرت بندقية الكلاشِنكوف من فئة " أيه كيه 47″ (AK-47) تحديدا إلى جانب ترسانة متنوعة من الأسلحة المحلية والمستوردة، التي عملت حماس على تزويد جنودها بها وتدريبهم عليها على مدار السنوات الماضية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2صناعة الدولة الهشة.. العراق واللاعبون الدوليونصناعة الدولة الهشة.. العراق ...list 2 of 2بيرَقدار والمُهاجر: مُسيَّرات تركيا وإيران ترسم ملامح القرن الأفريقيبيرَقدار والمُهاجر: مُسيَّرات ...end of list

 

البندقية رقم 1

تمثل بندقية الكلاشِنكوف مزيجا متطورا من تقنيات البنادق السابقة لها، وحينما ابتكرها العسكري والمخترع الروسي "ميخائيل تيموفيَفِيتش كَلاشْنيكوف" أثناء تعافيه من الإصابات التي أصيب بها أثناء القتال في الحرب العالمية الثانية، قرر آنذاك الجمع بين أفضل ميزات البندقية الأميركية "إم 1" (M1) والبندقية الهجومية الألمانية "أس تي جي 44" (StG 44)، وهما البندقيتان الأكثر تطورا في حينه. ودفع ذلك كَلاشْنيكوف إلى الإشارة إلى أن أي محاولة لاختراع شيء جديد تتطلب من المُصمم أن يمتلك تقديرا جيدا وإلماما بكل ما هو موجود بالفعل في هذا المجال.

صُمِّمَت بندقية "أيه كيه 47" الأولى على هيئة بندقية أوتوماتيكية بسيطة التكوين، ولكن موثوقة في الوقت ذاته، بحيث يمكن تصنيعها بسرعة وبتكلفة زهيدة، مع إمكانية إنتاجها بكميات ضخمة. وفي هذا السياق صُمِّمَت البندقية بحجرة غاز كبيرة ومساحة كبيرة بين الأجزاء المتحركة (الأجزاء التي تعمل معا لتمكين البندقية من الإطلاق والتحميل والتفريغ والصيانة)، مع طلقات مُدبَّبة، وهو ما يسمح للبندقية أن تتحمل التلوث بكميات كبيرة من مواد مثل التراب والماء والقاذورات دون الفشل في دورة العمل.

ولهذه الأسباب تميل هذه البندقية بكل أجيالها إلى البقاء سليمة تحت كل الظروف، سواء كان الطقس حارا أو ممطرا أو كانت المعركة في الصحاري أو الغابات أو السهول الطينية أو بين طرقات المُدن، والأهم من ذلك أن تركيبها البسيط يُسهِّل صيانتها، فهي تتكون من عدة قطع واضحة يسهل معرفة تركيب كل منها في الأخرى، بحيث يكون حاملها هو نفسه الخبير في تفكيكها وتصليحها أو صيانتها وتركيبها من جديد. ومن مزايا تلك البندقية إمكانيةُ التدرُّب عليها سريعا بالنسبة لأي مبتدئ، حيث يمكن تحقيق الكفاءة الأساسية لإدارة بندقية من هذا النوع في غضون بضعة أيام أو أسبوع من التدريب، ويتضمن ذلك التعرف على أجزاء السلاح والتشغيل والصيانة وتمارين الذخيرة الحية.

(الجزيرة)

ولإطلاق النار، يقوم المشغل بإدخال مخزن مُحمَّل بالطلقات من الأسفل، ثم يسحب مقبض شحن الطلقات إلى الخلف ويتركه مرة واحدة، ثم يضغط على الزناد. في الوضع شبه التلقائي، فإن المستخدم يُطلِق النار مرة واحدة مع كل ضغطة زناد، لكن في الوضع التلقائي بالكامل تستمر البندقية في إطلاق رصاصات جديدة تلقائيا حتى نفاد الخزنة أو ترك الزناد. والسر في ذلك هو مكبس الغاز الذي تحدثنا عنه قبل قليل، فبعد اشتعال الطلقة تتحوَّل غازات الدفع الصادرة منها إلى غرفة غاز مغلقة ويؤدي تراكم الغازات داخلها إلى دفع مكبس يتسبب بدوره في إطلاق رصاصة جديدة تلقائيا، وهكذا يستمر ضرب الطلقات، بمعدل يصل في المتوسط إلى 600 طلقة في الدقيقة الواحدة.

(الجزيرة)

تُطلق بندقية الكلاشِنكوف من فئة أيه كيه 47 طلقة متفجرة من عيار 7.62×39 مليمترا بسرعة تبلغ 715 مترا في الثانية، ويبلغ وزنها 16.3 غراما، وهو وزن متوسط يجعل من مزايا البندقية أنها خفيفة نسبيا، ويمكن حملها بسهولة مسافات طويلة، وحمل كمية كبيرة من رصاصاتها الخفيفة كذلك.

وبشكل عام، تعتبر رصاصة الكلاشِنكوف من أفضل الرصاص في العالم لعدة أسباب إضافية، منها أنها مدببة؛ مما يساهم في التشغيل السلس للبندقية ويعزز قدراتها على تحمل كل الظروف البيئية، كما أنها توفر توازنا جيدا بين الحجم والقوة؛ مما يجعلها فعَّالة لمجموعة واسعة من التطبيقات العسكرية. وكذلك تساعد طلقات الكلاشِنكوف على تخفيف ارتداد البندقية (القوة العكسية التي تحدث عند إطلاق النار من البندقية)، وهو أمر مفيد في إطلاق النار التلقائي، حيث يسهل على حاملها التركيز بدرجة ما على الهدف، علاوة على أن إنتاج هذا النوع من الطلقات غير مكلف نسبيا. وقد جعلت هذه الخصائص مجتمعة طلقات الكلاشِنكوف خيارا شائعا لدى العديد من الأسلحة النارية الأخرى في العالم.

(الجزيرة)

 

الكلاشِنكوف وخطة حماس

على الرغم من وجود عدة عيوب في تلك البندقية، مثل الافتقار إلى الدقة، خاصة عند استخدامها على مسافات أطول، وقِصَر مداها الفعال، وقلّة خيارات التخصيص المتاحة فيها، مثل القضبان الملحقة وأنظمة تركيب البصريات والتحسينات المريحة؛ فإنها تظل من أكثر بنادق العالم استخداما ورواجا على الإطلاق. في الواقع يستخدم المقاتلون في جميع أنحاء العالم تقريبا تلك البندقية، وتشير تقديرات إلى أن عدد القطع المنتشرة منها في العالم اليوم قد يصل إلى 100 مليون بندقية.

إنها السلاح المفضل لدى الجميع، إذ تستعملها الجيوش وقوات التمرُّد وحركات الكفاح المسلح، بل حتى العصابات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة. ويبدو هذا منطقيا لأن إنتاج البندقية غير مكلف نسبيا، وهي قصيرة وخفيفة الحمل، وسهلة الاستخدام مع القليل من الارتداد، كما أنها تتمتع بموثوقية "أسطورية" في ظل مختلف الظروف البيئية والمناخية القاسية.

ويُمثل كل ما سبق مزايا هامة للمقاومة الفلسطينية. ففي مواجهة جيش مدجّج بالعدة والعتاد، بمدد لا ينقطع من الولايات المتحدة، يصبح أفراد المقاومة في أمسّ الحاجة إلى استثمار كل فرصة ممكنة في سبيل الحصول على سلاح فعال ورخيص مقارنة بالمنافسين (بسعر يبدأ من عدة مئات من الدولارات للقطعة الواحدة)، والأهم من ذلك أنه متوفر ويسهل الحصول عليه.

(الجزيرة)

في هذا السياق تخوض المقاومة ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي شكلا من أشكال الحرب غير المتكافئة القوى. ومما لا يحتاج إلى عميق نظر، معرفة امتلاك الاحتلال آليات عسكرية من طائرات ودبابات ومدافع وجنود وجاهزية تتفوق تقنيا على المقاومة التي قُيِّد حصولها على السلاح على مدى سنوات طويلة بكل الطرق الممكنة. ولكن ذلك لا يعني أن الانتصار حتمي للجيوش التي تثبت تفوقها التقني، ففي الحرب غير المتكافئة من هذا النوع، يمكن للطرف الأضعف تقنيا أن يلجأ إلى تكتيكات غير تقليدية تعطيه الأفضلية في ساحة المعركة، مثل إستراتيجيات الكر والفر، أو انتقاء المعارك في الزمان والمكان الملائمين، أو استخدام أسلحة رخيصة الثمن لكنها فعالة جدا في نطاق عملياتي محدد بحيث توازن القوى من حيث التأثير مع نظيراتها من التقنيات الغالية.

يظهر ذلك بوضوح في الحرب المدينية أو الحضرية، تلك التي يكون للمُدافِع فيها ميزة على المهاجم بوجود الأول داخل تضاريس تُمكِّنه من الاحتماء واصطياد الطرف الآخر، حيث توفر التضاريس الحضرية دائما نقاط قوة فورية ذات جودة عسكرية مهمة بالنسبة للمقاومة، بحيث يكون مجرد عبور الشارع مهمة خطيرة جدا على أي من جنود دولة الاحتلال، بل وأي من الجيوش الأكثر تقدما في العالم بشكل عام.

ويسهِّل ذلك على جنود المقاومة بناء الكمائن المتخفية لاستهداف جنود الاحتلال، وهنا يكون لبنادق الكلاشِنكوف، بسبب فعاليتها في المسافات القصيرة، دور فعال في هذه النوعية من المعارك، فرغم أن مداها لا يتجاوز 350 مترا أو أكثر قليلا وتنخفض دقتها كلما طالت المسافة، فإنها تمثّل خيارا ممتازا للمقاومة في نطاق الشوارع الضيقة والأزقة.

وبشكل خاص، تميل المقاومة إلى بناء كمائن مركبة تستخدم فيها أسلحة متنوعة، فتستخدم قذائف مثل الياسين 105 لتدمير لتدمير الآليات الإسرائيلية وإيقاف تقدمها، ولنفس الغرض تستخدم العبوات الناسفة التي تفخخ المنازل والطرق كذلك، وإلى جانب ما سبق يستخدم الكلاشنكوف لإمطار الجنود بالرصاص أو الهجوم عليهم في مواضع تحصُّنهم. هذا التركيب في العمليات القتالية يُصعِّب على العدو المواجهة، حتى لو امتلك أسلحة أكثر تقدما، وهو يمتلكها بالفعل في هذه الحالة.

 

رمز للمقاومة

في عام 1949، أصبحت الكلاشِنكوف البندقية الهجومية للجيش السوفيتي، ومع نجاحها في المعارك استخدمتها دول أخرى في حلف وارسو، الذي تأسس لمواجهة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسرعان ما انتشر السلاح في جميع أنحاء العالم، وأصبح رمزا للثورة في بلدان مثل فيتنام وكولومبيا وموزمبيق، والأخيرة لديها علاقة فريدة بالكلاشِنكوف، حيث يظهر السلاح على علمها بوضوح.

وقد استخدم مقاتلو قوات الفيت كونغ الفيتنامية بنادق الكلاشِنكوف وغيرها من المعدات التي تم تصنيعها وتوريدها في الغالب من قبل الاتحاد السوفيتي والصين الشيوعية في حربهم ضد القوات الأمريكية قبل حوالي نصف قرن. وقد تركت حرب فيتنام أثرا عميقا في الجنود الأمريكيين بسبب استهدافهم من كمائن قريبة. وفي حالة شبيهة بما تفعله المقاومة في غزة، استخدمت قوات الفيت كونغ الأنفاق لتحقيق الهدف ذاته في مواجهة القوات الأميركية الغازية، حيث أمكن لجندي المقاومة أن يظهر فجأة من أي مكان، مثل الشبح، ومع المسافات القصيرة أثبتت بندقية كلاشِنكوف فعالية كبيرة.

(الجزيرة)

يضاف إلى ذلك أن بيئة الأراضي الفيتنامية التي تزخر بالغابات المطيرة الطينية، أتاحت الفرصة لاختبار قدرات هذه البندقية في أعقد البيئات. وقد نجحت البندقية بالفعل في الاختبار مقابل البنادق الأمريكية "إم 16″، التي كانت تزيد معدلات تعطُّلها بعد تعرُّضها للطين وغيره من ملوثات تلك البيئة. بل ونشأت في هذا السياق حكايات مفادها أن الأمريكيين كانوا يتخلصون من بنادق "إم 16" ويأخذون بنادق كلاشِنكوف من الجنود الفيتناميين المقتولين. ورُغم عدم التأكد من صحة تلك الحكايات، فإنها تشير إلى إخفاقات الأميركيين حينها، والتفوُّق الذي أبداه الفيتناميون.

عند تلك النقطة تحولت البندقية إلى رمز يعبر عن نظرة رومانسية متمردة للحروب ضد القوى الكبرى، وجرى ذلك في كل أنحاء العالم. فعلى الرغم من عدم استخدامها مطلقا أثناء الثورة الكوبية، فإن الآلاف من المنتجات المقلدة في الأسواق إلى اليوم تُظهِر المناضل الاشتراكي "تشي جيفارا" وهو يحمل بنادق كلاشِنكوف. وفي المقابل دأبت السينما الأمريكية على إظهارها بوصفها بندقية الأشرار في أفلام الإثارة؛ مما وضع الكلاشِنكوف في حرب ثقافية لعلها لا تقل تأثيرا عن الحرب التي يُطلق فيها الرصاص.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: ترجمات حريات أبعاد ت البندقیة فی العالم فی هذا

إقرأ أيضاً:

كيف نزع ترامب القناع عن عملية التغليف التي يقوم بها الغرب في غزة؟

عندما تقرِّر الأنظمة "الديمقراطية الحرّة" المكلّلة بالشعارات القيمية المجيدة أن تدعم سياسات جائرة أو وحشية تُمارَس بحقّ آخرين في مكان ما؛ فإنها تتخيّر تغليف مسلكها الشائن هذا قيميًا وأخلاقيًا إنْ عجزت عن توريته عن أنظار شعوبها والعالم.

هذا ما جرى على وجه التعيين مع حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي استهدفت الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023. أعلنت عواصم غربية مع بدء الحرب دعمها الاستباقي الصريح لحملة الاحتلال الإسرائيلي على القطاع؛ رغم نوايا قادة الاحتلال المعلنة لممارسة إبادة جماعية وتهجير قسري واقتراف جرائم حرب.

لم تتورّع بعض تلك العواصم عن تقديم إسناد سياسي ودبلوماسي وعسكري واقتصادي ودعائي جادت به بسخاء على قيادة الاحتلال الفاشية في حربها تلك، المبثوثة مباشرة إلى العالم أجمع.

تبيّن في الشقّ الدعائي تحديدًا أنّ الخطابات الرسمية الغربية إيّاها اغترفت من مراوغات صريحة وإيحائية تصم الضحية الفلسطيني باللؤم وتحمله مسؤولية ما يُصبّ عليه من ألوان العذاب، وتصور المحتلّ المعتدي في رداء الحِملان وتستدر بكائية مديدة عليه تسوِّغ له ضمنًا الإتيان بموبقات العصر دون مساءلة أو تأنيب، وتوفير ذرائع نمطية لجرائم الحرب التي يقترفها جيشه، وإن تراجعت وتيرة ذلك نسبيًا مع تدفقات الإحصائيات الصادمة والمشاهد المروِّعة من الميدان الغزِّي.

إعلان

ليس خافيًا أنّ المنصّات السياسية الرسمية في عواصم النفوذ الغربي تداولت مقولات نمطية محبوكة، موظّفة أساسًا لشرعنة الإبادة الجماعية ومن شأنها تسويغ كلّ الأساليب الوحشية التي تشتمل عليها؛ قصفًا وقتلًا وتدميرًا وترويعًا وتشريدًا وتجويعًا وإفقارًا.

تبدو هذه المقولات، كما يتبيّن عند تمحيصها، مؤهّلة لتبرير سياسات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب في أي مكان على ظهر الكوكب، لكنّ التقاليد الرسمية الغربية في هذا الشأن حافظت على ديباجات إنسانوية وأخلاقوية ظلّت تأتي بها لتغليف سياساتها ومواقفها الراعية للوحشية أو الداعمة لها.

من حِيَل التغليف الإنساني إظهار الانشغال المتواصل بالأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مع الامتناع عن تحميل الاحتلال الإسرائيلي أيّ مسؤولية صريحة عن سياسة القتل الجماعي والحصار الخانق التي يتّبعها.

علاوة على إبداء حرص شكلي على "ضمان دخول المساعدات الإنسانية" وتمكين المؤسسات الإغاثية الدولية من العمل، وربّما افتعال مشاهد مصوّرة مع شحنات إنسانية يُفترض أنها تستعدّ لدخول القطاع المُحاصر، كما فعل وزير الخارجية الأميركي حينها أنتوني بلينكن أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو مثل الحال التي ظهر فيها مسؤولون غربيون لدى إعلانهم في مارس/ آذار 2024 من قبرص عن مشروعهم الواعد المتمثِّل بالممرّ البحري إلى غزة، الذي تبيّن لاحقًا أنه كان فقاعة دعائية لا أكثر.

كان حديث العواصم الداعمة للإبادة عن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة وإبداء الحرص على إدخال المساعدات تغليفًا مثاليًا لسياساتهم الداعمة في جوهرها لفظائع الإبادة والحصار الوحشي، فقد ابتغت من هذه الحيلة التنصّل من صورة الضلوع في جرائم حرب مشهودة، وإظهار رفعة أخلاقية مزيّفة يطلبها سياسيون وسياسيات حرصوا على الظهور الأنيق على منصّات الحديث في هيئة إنسانية مُرهَفة الحسّ تلائم السردية القيمية التي تعتمدها أممهم بصفة مجرّدة عن الواقع أحيانًا.

إعلان

جرى ذلك خلال موسم الإبادة المديد في عواصم واقعة على جانبَي الأطلسي، عندما كان جو بايدن هو رئيس الولايات المتحدة. ثمّ خرج بايدن في نهاية ولايته من البيت الأبيض ولعنات المتظاهرين تطارده بصفة "جو الإبادة" التي ظلّ في مقدِّمة رعاتها ولم يَقُم بكبْحها رغم مراوغات إدارته اللفظية.

ثمّ برز دونالد ترامب في المشهد من جديد ليطيح بتقاليد المواقف والخطابات المعتمدة حتى مع حلفاء الولايات المتحدة المقرَّبين.

تقوم إطلالات ترامب على منطق آخر تمامًا، فالرئيس الآتي من خارج الجوقة السياسية التقليدية يطيب له الحديث المباشر المسدّد نحو وجهته دون مراوغات لفظية، ويتصرّف كحامل هراوة غليظة يهدِّد بها الخصوم والحلفاء، وينجح في إثارة ذهول العالم ودهشته خلال إطلالاته الإعلامية اليومية.

قد لا يبدو لبعضهم أنّ ترامب يكترث بانتقاء مفرداته، رغم أنّه يحرص كلّ الحرص على الظهور في هيئة خشنة شكلًا ومضمونًا لأجل ترهيب الأصدقاء قبل الأعداء وكي "يجعل أميركا عظيمة مجدّدًا"!.

مع إدارة دونالد ترامب، تراجع الالتزام بالأعراف الدبلوماسية والاتفاقات الدولية، إذ فضّلت الإدارة الأميركية آنذاك اعتماد خطاب مباشر وصدامي، واتباع نهج يتجاوز التقاليد السياسية المتّبعة حتى مع الحلفاء المقرّبين. وقد تجلّى هذا التحوّل في التعامل مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي كان حتى وقت قريب يحظى بدعم واسع في واشنطن والعواصم الغربية، قبل أن تنقلب المعادلة، ويظهر خروجه من البيت الأبيض في مشهد حمل دلالات رمزية على تغيّر السياسة الأميركية تجاه شركائها.

اختار ترامب خطاب القوة الصريحة، مع إظهار التفوّق الأميركي بوصفه أداة ضغط على الخصوم والحلفاء على حد سواء، ما عكس توجّهًا جديدًا في السياسة الخارجية يقوم على فرض الإملاءات بدل التفاهمات، وإعادة تعريف العلاقات الدولية من منظور أحادي الجانب.

إعلان

إنّها قيادة جديدة للولايات المتحدة، قائدة القاطرة الغربية، تحرص كلّ الحرص على إظهار السطوة ولا تُلقي بالًا للقوّة الناعمة ومسعى "كسب العقول والقلوب" الذي استثمرت فيه واشنطن أموالًا طائلة وجهودًا مضنية وكرّست له مشروعات وبرامج ومبادرات وخبرات وحملات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

انتفت الحاجة مع النهج الأميركي الجديد إلى ذلك التغليف الإنساني النمطي للسياسات الجائرة والوحشية، حتى إنّ متحدِّثي المنصّات الرسمية الجُدُد في واشنطن العاصمة ما عادوا يتكلّفون مثل سابقيهم إقحام قيَم نبيلة ومبادئ سامية في مرافعات دعم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في قطاع غزة. وبرز من الصياغات الجديدة المعتمدة، مثلًا، ذلك التهديد العلني المُتكرِّر بـ"فتح أبواب الجحيم".

على عكس الحذر البالغ الذي أبدته إدارة بايدن في أن تظهر في هيئة داعمة علنًا لنوايا تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة خلال حملة التطهير العرقي التي مارسها الاحتلال في سياق حرب الإبادة؛ فإنّ ترامب عَقَد ألسنة العالم دهشة وعجبًا وهو يروِّج لذلك التطهير العرقي ويزيد عليه من رشفة الأحلام الاستعمارية البائدة؛ بأن يصير قطاع غزة ملكية أميركية مكرّسة لمشروعات عقارية وسياحية أخّاذة ستجعل منه ريفيرا مجرّدة من الشعب الفلسطيني، و"كَمْ يبدو ذلك رائعًا" كما كان يقول!.

لم تتغيّر السياسة الأميركية تقريبًا في فحواها المجرّد رغم بعض الفوارق الملحوظة التي يمكن رصدها، فما تغيّر أساسًا هو التغليف الذي نزعته إدارة ترامب لأنّها تفضِّل إظهار سياساتها ومواقفها ونواياها في هيئة خشنة.

ما حاجة القيادة الأميركية الجديدة بأن تتذرّع بقيم ومبادئ ومواثيق وهي التي تتباهى بإسقاط القانون الدولي حرفيًا والإجهاز على تقاليد العلاقات بين الأمم وتتبنّى نهجًا توسعيًا غريباً مع الحلفاء المقرّبين في الجغرافيا بإعلان الرغبة في ضمّ بلادهم إلى الولايات المتحدة طوعًا أو كرهًا أو الاستحواذ على ثرواتهم الدفينة ومعادنهم النادرة؟!

إعلان

أسقطت إدارة ترامب في زمن قياسي التزام واشنطن بمعاهدات ومواثيق دولية وإقليمية، وأعلنت حربًا على هيئات ووكالات تابعة لها، وخنقت هيئة المعونة الأميركية "يو إس إيد" التي تُعدّ من أذرع نفوذها وحضورها في العالم، ودأبت على الإيحاء بأنّها قد تلجأ إلى خيارات تصعيدية لم يتخيّلها أصدقاء أميركا قبل أعدائها.

قد يكون العالم مدينًا لترامب بأنّه تحديدًا من أقدم على إنهاء الحفل الخيري المزعوم ونزَع الغلاف الإنسانوي والأخلاقوي الزاهي عن سياسات جائرة ووحشية وغير إنسانية؛ يتجلّى مثالها الأوضح للعيان في حملة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وسياسات التجويع والتعطيش الفظيعة التي تستهدف الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

ذلك أنّ حبكة ترامب في فرض الإملاءات تقتضي الظهور في هيئة مستعدّة للضغط السياسي على مَن لا يرضخون له، بصرف النظر عن نيّته الحقيقية المُضمَرة، على نحو يقتضي التخلِّي عن كلّ أشكال اللباقة والتذاكي التي التزمها القادة والمتحدثون الرسميون في الولايات المتحدة ودول غربية دعمت الاحتلال والإبادة وجرائم الحرب.

أقضّت أميركا الجديدة مضاجع حلفائها وشركائها الغربيين وأربكت خطاباتهم، ولا يبدو أنّ معظم العواصم الأوروبية والغربية مستعدّة للتخلِّي عن الهيئة القيمية التي حرصت عليها في تسويق سياساتها وترويج مواقفها.

يحاول عدد من العواصم الأوروبية إظهار التمايُز عن مسلك أميركا الجديد المُحرِج لسياسات دعم الاحتلال والاستيطان والإبادة والتجويع والتهجير والتوسّع، ما اقتضى إطلاق تصريحات وبلاغات متعدِّدة تبدو حتى حينه أكثر جرأة في نقد سياسات الاحتلال في القتل الجماعي للمدنيين وتشديد الحصار الخانق على قطاع غزة، واستهداف المخيمات في الضفة الغربية وفي توسّع الاحتلال في الجنوب السوري؛ حتى من جانب لندن وبرلين اللتيْن برزتا في صدارة داعمي الإبادة وتبريرها خلال عهد بايدن.

إعلان

لعلّ أحد الاختبارات التي تواجه عواصم القرار الغربي الأخرى هو مدى الجدِّية في مواقفها تلك، المتمايزة عن واشنطن، وهل يتعلّق الأمر بالحرص المعهود على التغليف الذي نزعه ترامب؛ أم أنّ ثمة فحوى جديدة حقًّا قابلة لأن تُحدث فارقًا في السياسات ذات الصلة على المسرح الدولي؟

من المؤكّد على أي حال أنّ غزة التي تكتوي بفظائع الإبادة الوحشية وتتهدّدها نوايا قيادة الاحتلال الفاشية ستكون اختبارًا مرئيًا لتمحيص السياسات ومدى التزامها بالديباجات الأخلاقية والإنسانية التي تتكلّل بها، وأنّ السياسات الجائرة والعدوانية والوحشية صارت مؤهّلة لأن تظهر للعيان في هيئتها الصريحة كما لم يحدث مِن قبْل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية
  • خسائرُ مالية وعزوفٌ عن القتال في غزة.. الأزمةُ تتفاقمُ في احتياط “جيش الاحتلال”
  • 41% من جنود الاحتياط بجيش الاحتلال يخسرون وظائفهم
  • روسيا تطور بندقية ليزرية مضادة للدرونات
  • ينتمون إلى الهيئة الطبية.. جنود احتياط في جيش الاحتلال يرفضون القتال في غزة
  • الاحتلال يواصل خطة تدمير طولكرم ومخيميها
  • غزة بلا حماس.. حين تحل الكارثة
  • ماذا قال ترامب عن المسيرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا لضرب أوكرانيا؟
  • جنود احتياط إسرائيليون يوقعون على عريضة لرفض العودة للخدمة في غزة
  • كيف نزع ترامب القناع عن عملية التغليف التي يقوم بها الغرب في غزة؟