لجريدة عمان:
2025-04-05@17:54:25 GMT

قضايا مجتمعية مُلحة

تاريخ النشر: 18th, May 2024 GMT

في عمومها، تنشأ الظواهر والمشكلات الاجتماعية من ثلاثة منابع رئيسية: أولها اختلال نسيج المجتمع، وثانيها غياب الفهم المشترك للقيم والأعراف المجتمعية بين الأجيال، وثالثها اختلال دور المؤسسات الاجتماعية الفاعلة. هذه المصادر الأساسية التي تكون في الأساس سببًا للمشكلات الهيكلية -أي تلك المشكلات التي تمس البناء الاجتماعي أو يمتد تأثيرها ليشمل عديد الأنساق الاجتماعية- ولا شك أن هناك مصادر أخرى ثانوية للظواهر والمشكلات الاجتماعية؛ مثل العامل المصدر الثقافي الخارجي، ونشوء التمييز في المجتمع، والضغوط الاقتصادية على الأسرة، وسواها؛ لكن هذه المصادر تحتكم أيضًا في حقيقتها إلى المصادر الأساسية للظواهر والمشكلات الاجتماعية.

ما يعنينا هنا القول أن المجتمع الحيوي هو الذي تتحقق فيه ثلاثة اعتبارات مهمة في نظره إلى الظواهر والمشكلات الاجتماعية: فهو يركز على الظواهر والمشكلات الهيكلية، ويعطيها أهمية نسبية في النقاش والتناول ووضع الحلول ضمن سياساته العامة، وهو كذلك حين يناقش الظواهر والمشكلات الاجتماعية يستطيع تحقيق الاعتراف الاجتماعي العام بالظاهرة أو المشكلة، ويجعل كافة الأنساق والأفراد تستشعر تلك الظاهرة أو المشكلة، وهو كذلك يستطيع محاكمة الأصل الحقيقي للظاهرة أو المشكلة (المصدر الأول)؛ ولنضرب مثلًا في مجتمعاتنا العربية عمومًا هناك حديث موسع من قبل علماء الاجتماع والمفكرين والمربين عن تأثير الانفتاح الثقافي على طرق وأساليب تربية الأبناء في مختلف المراحل العمرية - وهي قضية مجتمعية شائكة بلا شك - لكن حين البحث عن مصدر المشكلة تكاد الأطروحات تنحصر في اتهام وسائط الإعلام المختلفة بكونها الحامل الثقافي لذلك التأثير؛ والواقع أنه يجب مساءلة النسيج الثقافي للمجتمع أيضًا، وقدرة الواقع العربي على إنتاج محتويات ثقافية مؤثرة وعابرة للحدود والقيم، ومنعة المربين ومستويات تعليمهم وتفكيرهم، والحاجات غير المشبعة لدى الأبناء والوسائط التي يغذون تلك الحالات من خلالها. وهنا سنجد أن طرح الأسئلة الدقيقة إزاء الظواهر والمشكلات الاجتماعية يستطيع أن يستكشف جذرها ويحسن من وسائل التصدي والمعالجة.

لنضرب بعض الأمثلة من ثلاث (قضايا مجتمعية ملحة) في المجتمع العُماني، نعتقد بضرورة نقاشها بشكل أوسع، كونها تشكل آثارًا على كافة مكونات البناء الاجتماعي؛ ومنها قضية التسول، التي أصبحت اليوم وللأسف ظاهرة شائعة في مختلف المحافظات، ورغم الجهود الحكومية لدرئها إلا أنها أصبحت فعلًا معاينًا بأشكال وأساليب مختلفة. إن هذه القضية مركبة جدًا؛ فكيف يمكن فيها التفريق بين دوافع (الوافدين) وبين دوافع (المواطنين) الذين يلجؤون لهذا الفعل؟ وكيف يمكن فيها التفريق بين مسوغات (المحتاج فعلًا) ومسوغات (من يستخدم العاطفة الاجتماعية) وكيف يمكن فيها التفريق بين المتسولين الذين يستخدمون بضاعة بسيطة على أطراف الشوارع وبين أولئك الذين يتسولون الناس بشكل مباشر؟ وكيف يمكن كذلك فهم استخدام الطفولة في هذه القضية المركبة؟ هذه أسئلة تترك للبحث والتقصي الذي يجب أيضًا أن يفضي إلى فهم الخلل في منظومة السياسات الاجتماعية وكفاءتها في درء هذه القضية. ولكن حين نتحدث عن كونها قضيةً مركبةً فعلينا أيضًا أن ندرك تأثيراتها على الأبعاد الاقتصادية والتربوية؛ فحين نسافر على سبيل المثال إلى بعض الدول الأخرى فأستطيع القول: إن أحد المحددات التي لا تجعلك ترغب في العودة إلى مدينة معينة هو انتشار المتسولين فيها وإزعاجهم للسياح أو مرتادي المدينة؛ وعليه فإن هذه القضية مهما كانت الدوافع الواقفة خلفها تؤثر على الصورة العامة للبلاد وخاصة المدن الرئيسية، وعلى الأماكن التي يتكاثر فيها المتسولون وقد تضعف جذب الناس إليها، وتؤثر على الإنفاق داخل السوق، وتعطل بعض المشاريع الاقتصادية في الأسواق.

كما أن التعرض المباشر لمشاهد التسول وخاصة من قبل الأطفال قد يخلق أيضًا لدى ذات الفئة من غير المتسولين قبولًا لهذا الفعل باعتباره فعلًا شائعًا، عوضًا عن السلوكيات الأخرى التي قد تنشأ نظير استغلال حاجة التسول. ورغم وجود الحلول العديدة التي بذلتها بعض الدول -بما فيها دول منطقة الخليج العربي- للحد من هذه الظاهرة، إلا أن التدخل المناسب يرتبط بكشف الدوافع والمسوغات والتركيبة الاجتماعية لفعل التسول، والتي هي في حقيقتها تختلف من سياق اجتماعي واقتصادي لآخر.

ومن القضايا التي تستلزم طرح ذات الأسئلة كونها ترتبط باستقرار المجتمع هو شيوع الطلاق -خاصة في المرحلة المبكرة من الزواج- وارتفاع مستويات الطلاق عمومًا في المجتمع، والذي يشي بضرورة فهم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والقيمية الكامنة خلف ذلك، والتبعات الظاهرة والمتوقعة لأثر ذلك على البنى الأسرية والاجتماعية. وعلى الجانب الآخر هناك قضية الاستقرار الوظيفي، والتي تكاد تكون قضية مركزية في النقاش العام خلال الفترة الماضية، فالنظر إلى هذه القضية ينبغي أن ينطلق من كونها قضية أمن مجتمعي وأسري، وأمن اقتصادي بالنسبة للأسر والمجتمع عمومًا، وما قد ينشأ عن غيابها من تداعيات قد تكون كلفته الاقتصادية والاجتماعية وكلفته على مؤسسات الدولة عالية، ولكنها غير محسوبة. من هذه النماذج هذه دعوة إلى توسيع النقاشات عن قضايانا الاجتماعية الملحة، وعدم سحب المنطق الاقتصادي على حساب المنطق الاجتماعي للمجتمع. فالاستقرار المجتمعي رافعة أساسية ومهمة لزيادة الإنتاجية، وتعظيم العوائد الاقتصادية، ولا يمكن إهمال الظواهر والمشكلات الاجتماعية بوصفها مهددات للاستقرار الاقتصادي. يمكننا التفكير -كما دعونا سابقًا- في عقد المختبرات الاجتماعية، بحيث تكون منصات منهجية لتحديد وتوصيف الحالة الاجتماعية الراهنة بما يعترضها من ظواهر ومشكلات، والتمهيد لحلول على مستوى السياسات والتدخلات والسلوكيات التي تضمن على الأقل ألا تتسلل الظواهر الناشئة إلى بقية أجزاء الجسد الاجتماعي. كما أنه في الحالة المحلية ينقصنا التركيز على نوعية مهمة من الدراسات الاجتماعية، وهي تلك الدراسات التي تتقصى كلف المشكلات والظواهر الاجتماعية، وتقدم لصانع السياسة الكلفة الفعلية على المؤسسات والاقتصاد والعمليات التي تنشأ نتيجة تلك الظاهرة أو المشكلة.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه القضیة أو المشکلة

إقرأ أيضاً:

الأرصاد تكشف أبرز الظواهر الجوية المتوقعة خلال الساعات المقبلة

كتب- أحمد عبدالمنعم:

كشفت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، عن أبرز الظواهر الجوية المسيطرة خلال الساعات المقبلة.

وتوقعت الأرصاد سقوط أمطار خفيفة على مناطق من السواحل الشمالية الغربية وشمال الوجه البحري.

كما توقعت نشاط للرياح على مناطق من جنوب سيناء وجنوب البلاد قد تكون مثيرة للرمال والأتربة على مناطق من سلاسل جبال البحر الأحمر.

وأشارت إلى ارتفاع الأمواج 1.5 متر مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وارتفاع الأمواج إلى 2.5 متر.

لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا

لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا

الهيئة العامة للأرصاد الجوية السواحل الشمالية أمطار الطقس

تابع صفحتنا على أخبار جوجل

تابع صفحتنا على فيسبوك

تابع صفحتنا على يوتيوب

فيديو قد يعجبك:

الخبر التالى: جولة ليلية مفاجئة لرئيس "صحة القاهرة" على مستشفيى صدر وحميات العباسية.. ماذا وجد؟

إعلان

هَلَّ هِلاَلُهُ

المزيد أخبار الأمر على السعة.. وزير الأوقاف السابق يحسم أمر الجمع بين القضاء وصيام الست فتاوى متنوعة الدكتور أسامة قابيل: ليلة القدر كل يوم وليست في رمضان فقط زووم "هيحبسوا نفسهم بنفسهم".. بدرية طلبة توجه رسالة غامضة زووم وفاة زوجة الفنان نضال الشافعي نصائح طبية ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول اللحوم؟

إعلان

أخبار

الأرصاد تكشف أبرز الظواهر الجوية المتوقعة خلال الساعات المقبلة

أخبار رياضة لايف ستايل فنون وثقافة سيارات إسلاميات

© 2021 جميع الحقوق محفوظة لدى

إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك الوجود التركي في سوريا.. لماذا تخشاه إسرائيل وما احتمالات المواجهة؟ رسوم ترامب الجمركية.. هل تشعل الحرب التجارية وكيف تتأثر مصر؟- تغطية شاملة 27

القاهرة - مصر

27 14 الرطوبة: 17% الرياح: شمال شرق المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار BBC وظائف اقتصاد أسعار الذهب أخبار التعليم فيديوهات تعليمية رمضانك مصراوي رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك خدمة الإشعارات تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي لاحقا اشترك

مقالات مشابهة

  • شاهد بالفيديو.. من “بلكونة” شقتها بالقاهرة.. سيدة سودانية توثق لعودة مئات السودانيين إلى وطنهم و 9 بصات سفرية تنقل المواطنين يومياً من أمام العمارة التي تسكن فيها
  • محافظ الغربية يترأس اجتماعًا موسعًا لمناقشة ملف الإزالات والتعديات
  • نشاط للرياح.. الأرصاد تكشف أبرز الظواهر الجوية خلال الساعات المقبلة
  • آخرها «ولاد الشمس».. كيف عالجت السينما والدراما قضية الأيتام؟
  • «حكماء المسلمين»: رعاية اليتيم واجب ديني ومسؤولية مجتمعية وأخلاقية
  • وقفة شعبية في خان شيخون بريف إدلب حداداً على ضحايا مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام البائد قبل ثمانية أعوام وارتقى فيها عشرات الشهداء
  • أحمد يعقوب: الحزمة الاجتماعية الحالية من أضخم الحزم التي أقرتها الدولة لدعم المواطنين
  • مجلس حكماء المسلمين: رعاية اليتيم واجب ديني ومسؤولية مجتمعية وأخلاقية
  • الأرصاد تكشف أبرز الظواهر الجوية المتوقعة خلال الساعات المقبلة
  • خلال زيارة نيافة الأنبا يوسف.. وزيرة الخارجية البوليفية تشيد بالخدمات التي تقدمها الكنيسة القبطية