منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 من تشرين أول (أكتوبر) من العام 2023، عاد الحديث مجددا عن المحاور الدولية مع الاصطفاف الغربي غير المسبوق إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في حربه ضد الشعب الفلسطيني..

وبرزت إيران كواحدة من أهم الأطراف المؤثرة في المشهد بالنظر إلى تبادل الضربات العسكرية بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي، الذي عمد إلى اغتبيال عدد من قادة الحرس الثوري الإيراني في العراق وسوريا.

وكان الاستهداف الإسرائيلي الأخير لقنصلية طهران في دمشق نقطة فاصلة في هذه العلاقة، حيث أعلنت طهران أنها لن تصمت على هذا العدوان، وأنها سترد، وقد كان لها ذلك حين أمطرت إسرائيل بعشرات الصواريخ والطائرات بدون طيار من إيران إلى الأراضي اتلمحتلة مباشرة..

وقد أعاد هذا الاحتقان الذي ميز العلاقات الإيرانية ـ الإسرائيلية على مدى العقود الماضية، وكذا اشتداد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، امكانية وحدة الصف السني ـ الشيعي في مواجهة هذا العدوان، الذي زاده الدعم الأمريكي والغربي وحشية، على نحو ما كان أيام الحروب الصليبية حين توحد الشيعة والسنة في مواجهة الصليبيين في عدد من المواقع..

وقد أثار الأستاذ الجامعي الموريتاني الكاتب محمد مختار الشنقيطي ذلك من خلال عدد من تغريداته على صفحته على منصة "إكس"، مستذكرا كتابه "أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية"، داعيا إلى توحيد الصفوف ليس في نصرة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وإنما في الانحياز إلى الصف العربي والإسلامي في مواجهة حرب صلايبية جديدة بقيادة إسرائيل ودعم الدول الغربية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

وأعاد الدكتور الشنقيطي نشر قراءة سابقة للكاتب والباحث السوري الدكتور عرابي عبد الحي عرابي عن كتابه المذكور، وهو ما أثار جدلا فكريا بين النخب العربية والإسلامية، ليس فقط عن العلاقات السنية ـ الشيعية، ولا الإيرانية ـ العربية، وإنما عن دور إيران في إضعاف العرب وتمكين عدوهم منهم.

"عربي21"، تفتح نقاشا فكريا عميقا حول كتاب الدكتور الشنقيطي أولا، وما إذا كان من الوارد أن يتم تحالف سني ـ شيعي في مواجهة العدوان الإسرائيلي والغربي على فلسطين والعرب والمسلمين..

وبعد أن نشرنا رأي الدكتور عرابي عبد الحي عرابي، ثم رأي الدكتور أحمد القاسمي الأستاذ الجامعي التونسي، ننشر اليوم رأي الدكتور بلال التليدي الباحث المغربي في شؤون الفكر الإسلامي..

ترميم الذاكرة التاريخية

سبق لي أن قرأت أطروحة الدكتور المختار الشنقيطي بعد أن ترجمها إلى اللغة العربية ونشرها سنة 2016 في الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ووقتها اعتبرت أن ترجمة هذا العمل الهام، الذي استحق عليه المؤلف درجة الدكتوراه من جامعة "تكساس تك" بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2011، يعتبر إضافة نوعية في حقلين من حقول الدراسات الاجتماعية (التاريخ، وعلم السياسة).

ومع أن قصد الأطروحة الأول، اتجه إلى محاولة ترميم الذاكرة التاريخية، أو بالأحرى التأسيس لتاريخ جديد وذاكرة جديدة، تطوي صفحة  ماضي الصراع والقطيعة بين السنة والشيعة، خاصة في لحظات الاستهداف الغربي (الصليبي بالأمس، والصهيوني الأمريكي اليوم)، فإن الأهم في هذا العمل، في تقديري، هو محاولة التأسيس للحاضر من خلال العودة  إلى الماضي، والانطلاق من  فترة زمنية محدودة في الامتداد (القرنين السادس والسابع الهجري)، أي فترة الحملات الصليبية التي اجتاحت العالم العربي، للتأسيس للتواصل بين السنة والشيعة، ومحاولة بحث إمكان التحالف بين الطرفين، على الأقل، في مواجهة التهديد الوجودي الذي يمثله الكيان الإسرائيلي والحليف الأمريكي الأوربي، تماما كما كان بالأمس يمثله الصليبيون في الحقبة المذكورة.

في الواقع، مع الإقرار بصعوبة البحث التاريخي، وتداخل المذهبي والطائفي بالحقيقة التاريخية في عمل المؤرخ وفي الوثيقة التاريخية نفسها، فإن التأسيس للذاكرة المتواصلة، يعتبر أصعب بكثير من المحاولة البحثية، التي قام بها محمد بن المختار الشنقيطي وغيره من الباحثين، الذين ركزوا على موقف الشيعة من الحروب الصليبية.

من المفيد أن أؤكد أن عددا من الباحثين المشهود لهم بالجدية البحثية، وأيضا بالصرامة المنهجية في التعامل مع الحقيقة التاريخية، استطاعوا إلى حد كبير أن يتخلصوا من إرث الصراع المذهبي، وأن يتجردوا من نزعاتهم الطائفية، ويقرروا في خلاصاتهم المتنوعة حقيقة مشتركة تتعلق بعدم وجود ما يثبت حصول تواطؤ بين الشيعة وبين الصليبيين في مواجهة السنة أو في محاولة تقليص نفوذهم، وحتى في حالة الفاطميين في مصر أو الإمامية في طرابلس (ابن عمار)، فإن أقصى ما أثبته الدارسون خاصة للموقف الفاطمي من الغزو الصليبي، هو  تقدير سياسي تبناه الفاطميون، سرعان ما تبين لهم خطأه بعد أن سقط بيت المقدس بيد الصليبيين، واقترب الخطر الصليبي أكثر من منطقة نفوذهم وعاصمتهم (مصر)، وأن ذلك دفعهم إلى إعادة قراءة الموقف من جديد، والسعي نحو  الدخول في جبهة مع السنة لقتال الصليبيين.

فالدكتور أسامة زكي زيد في كتابه: "الصليبيون وإسماعيلية الشام في عصر الحروب الصليبية"، أثبت هذه الحقيقة، وذلك بعد تحقيق علمي استوفى فيه كثيرا من الجهد والمقابلة وتحرى فيه استقراء المصادر الأجنبية. وإذا كان أغلب المؤرخين العرب وفي مقدمتهم ابن الأثير وابن ترغي، قد استنكروا تقاعس الفاطميين في الجهاد ضد الصليبيين، وتفكيرهم في مصالحهم بمعزل عن التبصر بمقاصد الافرنجة السياسية والعسكرية، فإن أحدا منهم لم ينكر حقيقة قيامهم بثلاث حملات عسكرية ضد الصليبيين لاستعادة بيت المقدس، ولجوؤهم في الأخير، بعد أن تلقوا هزائم متتالية، إلى طلب سند السنة، من السلاجقة الأتراك، وانهم دفعوا ثمنا كبيرا مقابل ذلك، إذ خسروا نفوذهم في الشام، وانهارت دولتهم في مصر بعد ذلك.

أطروحة الشنقيطي.. المقاصد والحقائق التاريخية:

مع أن موضوع الأطروحة هو التنقيب التاريخي في جزئية تتعلق بأثر الحملات الصليبية على العلاقات بين السنة والشيعة، فإن صاحبها لم يخف قصده السياسي والحضاري من الاشتغال العلمي على هذه الجزئية، فالاشتغال على الذاكرة التاريخية بقصد بناء المستقبل، أي التأسيس للوحدة أو التحالف بين السنة والشيعة، تقف دونه إشكالات كثيرة، جزء منها يسكن في التاريخ، وتمتد تداعياته الثقافية والدينية والمذهبية والسياسية إلى الحاضر. والجزء الآخر، يسكن في واقع السياسة اليوم، وطبيعة العلاقات القائمة بين إيران (باعتبارها الدولة الشيعية الأم الراعية) والدول السنية، والشكل الذي تتعاطى به مع القضية الفلسطينية، وبشكل خاص مع المقاومة الفلسطينية في مقاومتها الاحتلال الصهيوني.

يقرر الشنقيطي في أطروحته أن السمة العامة التي طبعت العلاقة بين السنة والشيعة على مدار التاريخ هي التواصل لا القطيعة، والتعايش لا الصراع، ويستثني من ذلك أربع محطات أساسية، ثلاثة منها تنتمي إلى التاريخ "الوسيط":( الصراع بين المالكية والإسماعيلية في الحكم الفاطمي لتونس الذي دام بضعة عقود، الصراعات الحنبلية الشيعية في زمن الحكم البويهي ببغداد الذي دام مائة وخمسة أعوام، وصراع النفوذ بينم العثمانيين والصفويين على العراق وشمال الشام وشرق الأناضول) والمحطة الرابعة تنتمي إلى التاريخ المعاصر(الحرب الإيرانية العراقية 1980ـ 1988)، ويؤكد أن أسباب القطيعة لا تعود إلى اعتبارات عقدية أو مذهبية، وإنما ترجع إلى أسباب سياسية وعرقية، وأن الدين والمذهب والمعتقد هي مجرد أدوات استعملت لتذكية هذه الصراع وتبريره.

اشتغل الشنقيطي على أربعة أسئلة محورية، يهمنا منها الثلاثة الأولى، أي بحث أسباب تمدد التسنن وانحسار التشيع خلال المرحلة الصليبية (القرن السادس والسابع الهجري)، واختبار مدى تأثير هذه الحروب في ذلك؟ ودراسة أثر هذه الحملات الصليبية في تكييف العلاقات السنية الشيعية (تطور العلاقة)؟ فهذه الأسئلة هي التي تتعلق بالتأسيس التاريخي الذي يرفع رهان وحدة الجبهة النضالية بين الشيعة والسنة اليوم لمواجهة الاحتلال الصهيوني المدعوم أمريكيا وأوربيا، أما سؤال تأثير تلك الأحداث (شكل تعاطي الشيعة مع الحروب الصليبية) على الحجاج الطائفي بين السنة والشيعة اليوم؟ فالجزء الأكبر من النخب السنية اليوم تدعم فكرة تواطؤ الشيعة مع الصليبيين ضد السنة، وتعيد إنتاج أطروحة أطروحة التحالف الإيراني الأمريكي على حساب القضية الفلسطينية، باستثناء نزر يسير من التعابير السياسية التي لا تزال تبحث في التاريخ عن وقائع أخرى لترميم الذاكرة والاستثمار في بناء "مستقبل جديد".

وبغض النظر عن الوقائع والأحداث الكثيفة، وعن التشعبات التي تخترق الخارطة الشيعية، سواء منها المذهبية، أو حتى الجغرافية، والتحولات التي طبعت مواقفهم، فإن الخلاصة التي انتهت إليها أطروحة الشنقيطي، تبقى مفتوحة على أكثر من رهان مستقبلي، فإذا كان التأثير الأساسي للحروب الصليبية على الشيعة دعم فكرة انحسار التشيع وضعف نفوذهم في كل من الشام ومصر خلال القرن السادس والسابع الهجري، وسقوط دولتهم في مصر، وانتقال مركز ثقل التشيع من بلاد العرب إلى بلاد فارس، فإن العبرة التاريخية المرتبطة ببناء المستقبل تحتمل قراءتين: القراءة التي ترى أن مقاومة الشيعة للصليبيين بشكل مبدئي من أول يوم، وعدم التعويل على الإفادة من حروبهم لكسب مواقع على حساب (السنة) أو بقصد إضعافهم سياسيا، سينتج عنها تمدد التشيع واكتساب الدولة الراعية له قوة وشرعية.

وقراءة مقابلة، ترى أن الشيعة، لم يجنوا من وراء مقاومة الصليبيين سوى انحسار مذهبهم واضمحلال دولتهم، وأن التحاقهم بالسنة بشكل متأخر لمواجهة الصليبيين، وإبعاد التهديد الوجودي عنهم بعد أن سقط بيت المقدس وأخرج من نفوذهم، لم يشفع لهم، ولم يمكنهم من تجديد شرعيتهم أمام الأمة، ومن تقوية سلطتهم ونفوذهم كدولة في مصر وأن الذي كسب في النهاية هم السنة من خلال الدولة السلجوقية (التركية).

في الواقع ليس للباحث أي ضمانة للحكم على التاريخ في حال تغير بوصلته، "فلو" الافتراضية لا تصلح أن تعمل في وقائع التاريخ، فما جرى هو الذي حصل، ولا يمكن افتراض سيناريو آخر، لاختبار هل كانت النتائج ستسير على نفس النسق أم كانت ستصير إلى أحوال أخرى، لكن مع ذلك، ينبغي أن نطرح السؤال المتعلق بالتركيبة السوسيولوجية، وبنية الدولة، وشرعيتها، ووزنها في المسرح الدولي، لا السؤال المتعلق بالموقف من الحرب الصليبية، فالذين يرون أن مستقبل الفاطميين كان سيسير في اتجاه آخر لو اتجهوا من أول يوم، وبشكل مبدئي إلى حرب الصليبيين إلى جانب إخوانهم السنة، لا يمكن أن يقدموا أي حجة، تربط الانحسار والتمدد في المذهب بالموقف أي بالمقاومة، في حين، نظريا، ليس ثمة حجة تدعم  إمكان تمدد الدولة الفاطمية أو تمدد مذهبها الإسماعيلي، في حالة اختيارها منذ أول يوم الوقوف إلى جانب السنة في مقاومة الحملات الصليبية. فقياس التمدد والانحسار في الواقع يرتبط بأمة يتجاذبها مذهبان هما السنة والشيعة، وهما في الحالة هذه كلاهما مقاومان، فعلى حساب من سيكون التمدد؟ وعلى حساب من سيكون الانحسار؟

ولذلك، نرجح أن يكون وراء سقوط الدولة الفاطمية، وانحسار التشيع في القرنين السادس والسابع الهجري، عوامل أخرى، تتدخل فيها بنية الدولة، والجغرافية التي تحكمها، والتركيبة السكانية والمذهبية للجماعة التي تحكمها، والإطار الإقليمي الذي يحكمها، وموازين القوى وطبيعة العلاقة التي تربطها بخصمها (السنة) في مختلف تشكيلاته وتحيزاته الجغرافية، وأيضا بالفاعل الأجنبي  والتهديد الجغرافي الذي يشكله وطريقة الاشتباك معه وكلفة ذلك، وأن قضية سوء تقدير الموقف من الحملات الصليبية، لم يكن إلا عاملا محدودا ضمن هذه العوامل المتشعبة.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير الحروب الصليبية مسلمون جدل مذاهب سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الحملات الصلیبیة الحروب الصلیبیة فی مواجهة على حساب بعد أن فی مصر

إقرأ أيضاً:

"الصديق المفترس".. كيف يهدد ترامب التحالف مع أوروبا؟

لم يمض وقت طويل على قيام الرئيس الأمريكي جو بايدن بجمع الحلفاء الأوروبيين للتصدي للغزو الروسي لأوكرانيا. وقد جسّد بذلك المفهوم الذي عبّر عنه الدبلوماسي الأمريكي البارز نيكولاس بيرنز مؤخراً، وهو أن الطريقة التي تفوز بها الولايات المتحدة في المنافسة العالمية على القوة والازدهار هي: "أن تكون لطيفاً مع حلفائك".

لكن الرئيس الحالي دونالد ترامب يبدو أنه يرى الأمور بشكل مختلف تماماً. فعداؤه لأوروبا معلن منذ عقود، إذ يرى أن الحلفاء ليسوا سوى منافسين اقتصاديين وطفيليات جيوسياسية، وفقاً لتقرير بصحيفة "نيويورك تايمز".

كسر التحالف بدلاً من دعمه

قرار ترامب يوم الخميس بفرض تعريفات جمركية محسوبة بشكل مثير للجدل على شركاء أمريكا، بمن فيهم أوكرانيا، مع استثناء روسيا وكوريا الشمالية، كشف بوضوح عن استعداده لتفكيك التحالف عبر الأطلسي الذي حافظ على السلام في أوروبا لما يقرب من 80 عاماً.

وإضافةً إلى ذلك، فإن مطالبته لدول الناتو بإنفاق ما يصل إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع العسكري، ورغبته المعلنة سابقاً في ضم أراضٍ من الدنمارك (وهي دولة عضو في الناتو)، تؤكد على الضرر طويل الأمد الذي أصاب العلاقات الأمريكية الأوروبية، ضرر قد لا يمكن إصلاحه بالكامل.

Hundreds gather across Europe to protest against Trump and Musk
➡️ https://t.co/5thARkkvAP pic.twitter.com/7NsjK6qWU6

— FRANCE 24 (@FRANCE24) April 5, 2025 أوروبا تفقد الثقة في أمريكا

وفي هذا الشأن علق غونترام وولف، الاقتصادي والمدير السابق للمجلس الألماني للعلاقات الخارجية، قائلاً: "هذه التعريفات الجمركية تضاف إلى الانطباع المتزايد في أوروبا أن الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تعد فقط شريكاً غير موثوق به، بل شريك لا يمكن الثقة به مطلقاً".

وأضاف أن هذا التحول يقلب 80 عاماً من التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان التحالف عبر الأطلسي في صلب النظام الغربي والنظام المتعدد الأطراف عالمياً. وبرغم محاولات بروكسل الحفاظ على هذه العلاقات، إلا أنها، كما قال، "لا تستطيع وحدها أن تدعم النظام العالمي".

المستفيد الأول: روسيا

وترى الصحيفة أن إعادة تشكيل ترامب للنظام العالمي يبدو وكأنه يصبّ في مصلحة روسيا، العدو الرئيسي للناتو، إذ يُضعف خصوم الكرملين في أوروبا، على الرغم من أن هبوط أسعار النفط يوم الجمعة ألحق ضرراً بروسيا أيضاً.

وقالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية: "يبدو أنه لا يوجد نظام داخل هذا الفوضى، ولا طريق واضح للخروج من هذا التعقيد، بينما يُضرب جميع شركاء الولايات المتحدة التجاريين"، مضيفة أن هذه السياسات تضرّ "بالمواطنين الأكثر ضعفاً".

???? LIVE in the JFK Jr. Forum: Nick Burns (@RNicholasBurns) discusses the many facets of the critical U.S./China relationship & his tenure as U.S. Ambassador to the People's Republic of China under the Biden Administration.https://t.co/uG0omuvM01

— Institute of Politics (@HarvardIOP) April 1, 2025

وقد أصبح الأوروبيون أكثر وعياً بأن ترامب، المحاط بمستشارين أكثر توافقاً أيديولوجياً وولاءً في ولايته الثانية، مصمم على تنفيذ رؤيته في الابتعاد عن أوروبا.

يقول مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "كثير من الناس فوجئوا بشدة هذه الإدارة وسرعتها وعدوانيتها ونزعتها الإمبريالية".

محاولات أوروبية

وبحسب الصحيفة، فإن كثير من الحكومات الأوروبية كانت تعتقد أنها تستطيع إرضاء ترامب بأسلوب تعامل مبني على المصالح: شراء مزيد من الأسلحة والغاز الطبيعي الأمريكي، والمساهمة بشكل أكبر في الإنفاق الدفاعي.

لكن الأحداث الأخيرة أظهرت حدود هذا النهج، خصوصاً مع تطبيق الرسوم الجمركية بشكل غير متساوٍ على بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وربط المساعدات العسكرية لأوكرانيا بصفقات معادن.

يقول ليونارد: "التحدي أمام أوروبا هو كيفية التعامل مع أمريكا مفترسة، تستخدم نقاط ضعف حلفائها للابتزاز، سواء عبر صفقة معادن في أوكرانيا أو محاولة ضم غرينلاند، أو بأسلوبه العلني في محاولة تقسيم بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقيات تجارية منفصلة".

حالياً، لا يزال الاتحاد الأوروبي متماسكاً جزئياً لأن ترامب فرض نفس الرسوم بنسبة 20% على جميع الدول الأعضاء الـ27، بما فيهم دول أكثر قرباً أيديولوجياً مثل المجر وسلوفاكيا وإيطاليا.

لكن من الممكن أن تلجأ واشنطن لاحقاً إلى رسوم متمايزة للضغط على دول بعينها مثل الدنمارك، خاصة فيما يخص قضية غرينلاند.

The universal tariffs announced by the US are a major blow to businesses and consumers worldwide.

Europe is prepared to respond.

We'll always protect our interests and values.
We're also ready to engage.

And to go from confrontation to negotiation ↓ https://t.co/WbXqsN4ZX7

— Ursula von der Leyen (@vonderleyen) April 3, 2025 تفاوض أم خطة لتغيير العالم؟

ويرى البعض أن هذه الرسوم مجرد مقدمة لصفقة جديدة، كما لمح إريك ترامب في منشور له على منصة "إكس"، قائلاً: "لا أود أن أكون آخر بلد يحاول التفاوض مع ترامب. أول من يتفاوض سيربح، والآخرون سيخسرون حتماً".

لكن صوفيا بش، محللة ألمانية في مؤسسة كارنيغي بواشنطن، ترى أن الرسائل الصادرة من إدارة ترامب متناقضة، وتقول: "ليس واضحاً ما إذا كان هذا عرضاً تفاوضياً أولياً، أم أنهم بالفعل يعيدون تشكيل العالم بلا نية لإصلاحه".

ورغم أن مسائل الأمن والتعريفات الجمركية تبدو منفصلة، إلا أن بش وآخرين يوضحون أن ترامب يستخدم القوة الأمريكية بشكل فظ وقاسٍ حتى تجاه الحلفاء، ما يؤثر على اقتصاداتهم ويضغط على الشرائح الأضعف من شعوبهم، الذين سيدفعون ثمن التضخم وارتفاع الضرائب.

شروط ترامب

ففي اجتماع لوزراء خارجية الناتو في بروكسل، حاول وزير الخارجية ماركو روبيو تهدئة الأجواء، حيث أدان "الهيستيريا والمبالغة" في وسائل الإعلام، وأكد على دعم ترامب للحلف الأطلسي.

وقال روبيو: "الرئيس ترامب أوضح أنه يدعم الناتو. وسنظل في الناتو لكن... ليس أي ناتو".

وأضاف أن ترامب يتوقع من حلفائه الأوروبيين أن يتحملوا المسؤولية الرئيسية عن أمنهم وأمن أوكرانيا، لأن أمريكا توجه اهتمامها نحو آسيا.

وتابع "هو ضد ناتو لا يمتلك القدرات المطلوبة للوفاء بالتزاماته، كما يفرضها ميثاق الحلف على كل دولة عضو".

العبء الاقتصادي

لكن التأثير الاقتصادي المتوقع للتعريفات من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو سيجعل من الصعب على الحلفاء الأوروبيين تلبية هدف الإنفاق الدفاعي الجديد الذي يُتداول الحديث عنه لقمة الناتو في يوليو: 3.5% من الناتج المحلي، ناهيك عن مطلب ترامب بـ5%.

في ألمانيا، وهي دولة غنية، سيكون التأثير كبيراً. وزير المالية يورغ كوكيز قدّر أن الصادرات الألمانية لأمريكا ستتراجع بنسبة 15%. وأكد أن بلاده ستواصل محاولة التفاوض مع واشنطن، بينما يتجه الاتحاد الأوروبي للرد بقوة، ولكن بحذر.

ووفقاً للمعهد الاقتصادي الألماني، قد تصل كلفة هذه الرسوم على ألمانيا وحدها إلى 200 مليار يورو (218 مليار دولار) خلال السنوات الأربع المقبلة.

بدائل أوروبا.. وروسيا

وقالت ماغي سويتك، الاقتصادية ومديرة الأبحاث في معهد ميلكن، إن الأوروبيين سيبحثون الآن عن أسواق جديدة وصفقات تجارية حرة، مثل تلك التي لديهم مع كندا والمكسيك.

وأضافت: "لا يزال هناك مجال للتعاون مع أمريكا وشركاتها، بينما نحاول فهم كيف نتعامل مع الوضع الجديد والنظرية الأمريكية المستجدة".

أما موسكو، التي لا تُجري الكثير من التجارة غير الخاضعة للعقوبات مع أمريكا، فقد رأت في هذه التطورات هدية إضافية.

الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف عبر عن سعادته بذلك على منصة "إكس"، مستخدماً مثلاً صينياً قديماً يقول إن روسيا "ستجلس على ضفاف النهر، بانتظار جثة العدو تطفو. جثة اقتصاد الاتحاد الأوروبي المتحللة".

مقالات مشابهة

  • ميقاتي: النيابة في أوانها ولن أساهم في شرخ البيت السني
  • السنة يتقدمون الشيعة في حماس الاقتراع وتحذيرات من المال السياسي 
  • "الصديق المفترس".. كيف يهدد ترامب التحالف مع أوروبا؟
  • شلقم: كثير من الحروب اندلعت بسبب لحظة غضب من شخص نكرة
  • المرصد السوري يوثق 22 ضحية لعمليات القتل الطائفي منذ عيد الفطر
  • هل الله يأمر ملك الموت بقبض الأرواح لهذه السنة في شوال؟.. انتبه
  • السني باسم المجموعة العربية بمجلس الأمن يدعو لوقف العدوان على غزة
  • دار ابن لقمان بالمنصورة تخلد 775 عامًا على الانتصار على الحملة الصليبية وأسر لويس التاسع ملك فرنسا
  • لماذا استمر القتال بين المسلمين ؟
  • في اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام… اللجنة الدولية للصليب الأحمر ‏تؤكد ضرورة التصدي لتهديد الذخائر المتفجرة في سوريا