فضل العفو عن المسيء والمسامحة عند القدرة
تاريخ النشر: 18th, May 2024 GMT
قالت دار الإفتاء المصرية عبر صفحتها الرسمية، إن الشريعة الإسلامية رغبت في العفو عن المسيء ومسامحته عند القدرة؛ موضحة أن العفو هو قمة الفضل والإحسان، وهذا الخلق الكريم هو سمة من سمات وأخلاق الإسلام الذي دعا إليه ورغب فيه في مواضع متعددة؛ فقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾ [الحجر: 85].
الإفتاء توضح فضل العفو والمسامحة عند القدرةوتابعت الإفتاء قائلة: قال سبحانه وتعالى عن العفو: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 89]، وقال سبحانه ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾ [الشورى: 40].
واوضحت: قال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (27/ 607، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾ [فصلت: 34]، فأجره على الله، وهو وعد مبهمٌ لا يقاس أمره في التعظيم] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (16/ 40، ط. دار الكتب المصرية): [قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ قال ابن عباس: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو؛ ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة] اهـ.
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].
قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (6/ 57، ط. دار هجر): [قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إليهم، وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم. وأما قوله ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السماوات والأرض، والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم هو عملهم بها] اهـ.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم؛ قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (8/ 59، ط. دار الوفاء): [قوله: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": فيه وجهان: أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو، ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه. الثاني: أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك] اهـ.
واختتمت دار الإفتاء حديثها قائلة: والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة يطول المقال بذكرها، وحسبنا ما ذكرناه عبر هذه اللمحات السابقة التي تبين منهج الشرع الحنيف ودعوته إلى العفو والتسامح والتحلي بهما، بما يعود بالنفع على الجميع أفرادًا ومجتمعات؛ إلا أن العفو المأمور به هنا شرعًا هو العفو الذي لا يترتب عليه أمر محرم شرعًا.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: دار الافتاء المصرية الإفتاء العفو المسامحة
إقرأ أيضاً:
خطيب المسجد الحرام: أحبُّ الخلق إلى الله من يشكره على النعم
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور ياسر بن راشد الدوسري، المسلمين بتقوى الله وعبادته، والتقرب إليه بطاعته بما يرضيه وتجنب مساخطه ومناهيه.
وقال إمام وخطيب المسجد الحرام، في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام "إِنَّ مِنْ أعظم العبادات وأرجَاهَا، وأجلها وأسماهَا، عِبَادَةَ الشُّكْرِ، فَكم أسبغ الله علينا من نعمة، ومنّ علينا مِنْ مِنَّةٍ، وكشف عنَّا مِنْ كُرَبَةٍ، وَفَرَّجَ عَنَّا مِنْ نِعْمَةٍ، ولو كَشَفَ الله لنا الغطاء عن ألطافه وصنعه بنا لذابت قلوبنا محبة وشكرًا له وشوقًا إليه، فنعمه تترى علينا في كل حين، نتقلب فيها ممسين ومصبحين، {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، .
وأكد الدوسري، أن أحبُّ خَلْقِ اللهِ إلى الله من اتصف بصفة الشكر وداوم عليها، كما أن أبغض خَلْقِهِ إِليه مَنْ عَطَّلَهَا واتصف بضدها، وقدْ بَلَغَ مِنْ عِظَم منزلة الشكر أنَّ اللهَ تعالى سَمَّى نَفْسَهُ شَاكِرًا وَشَكُورًا، وَسَمَّى به الشَّاكِرِينَ، فَأَعْطَاهُمْ مِنْ وَصْفِهِ، وَسَمَّاهُمْ بِاسْمِهِ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا مَحَبَّةٌ لِلشَّاكِرِينَ وَفَضْلًا، فالشكر ثوابه عظيم، وأجره عميم، قال العزيز العليم: { وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ } ، ولم يذكر الله في الآية جزاء الشكر ليدل ذلك على كثرته وعظمته.
وأشار إمام وخطيب المسجد الحرام إلى أن الشكر أمان من العقوبات، ونجاة من المكروهات قالَ اللهُ عَزَّ وجلَّ : {مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}، فَمَنْ ضَيَّعَ شُكر النعم حلَّتْ بِهِ النقم، ومن لم يُحاسب نفسه قبل يوم القيامة حل به الندم.
وذكر الدكتور الدوسري أن نصوص الوحيين دلت على أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، فيظهر الشكر في القلب إقرارًا بالنعم وإيمانًا، ونسبتها لواهبها تفضلًا منه وإحسانًا، قال تعالى على لسان سليمان عليه السلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي } ، وقال: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ» ، كما ظهر الشكر في اللسان حمدًا وثناء وتحدثًا: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدَّثْ، ويظهر الشكر في الجوارح عبادة وطاعة واستعمالًا، فصرف النعم فيما يُرضي الله هو حقيقة الشكر وبرهانه، ويكون الشكر بتسخير النعم في تحقيق الفضائل، فكذلك يكون في التوفي والحذر من أن تكون النعم مطية للمعاصي والرذائل، فالمعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النارُ الحَطَبَ، وبذلك يعلم أنَّ الشكر الله هو الاعتراف بنعم الله، والتحدث بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم دون معصيته، ولا بد أن يقترن هذا بالخضوع للمنعم ومحبته، فبهذه الأركان يكون الشكر تامًا.
وأضاف أن العبد مهما أطاع ربه وشكره، وتقرب إليه بأنواع القربات والطاعات، فلن يقوم بالشكر على الكمال والتمام؛ لأن شكره الله هو محض توفيق من الله، وكلما كان العبد أكثر شكرًا لربه فالله أكثر، وسيجزي الله الشاكرين، فاشكروا ربكم على ما حياكم من النعم، وأولاكم من المنن، ودفع عنكم من النقم، وخصكم بجميل العطايا والكرم، وإن أعظم الشكر هو الإيمان بالله تعالى، والمبادرة إلى عبادته وأداء فرائضه وواجباته، والبعد عن محرماته، قال تعالى: { بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، كما أن أعظم كفران النعم هو الكفر بالله، وترك فرائضه وواجباته، وفعل المعاصي.
وقال إمام وخطيب المسجد الحرام "إن النعم نوعان: مستمرة ومتجددة: فالنعم المستمرة شكرها يكون بالعبادات والطاعات، والنعم المتجددة شرع لها سجود الشكر، شكرًا الله عليها، وخضوعًا له وذلًا واعترافًا بفضله وإحسانه، وإِنَّ مِنَ النعم المتجددة ما يعيده الله تعالى على الأمة من مواسم الخيرات في الشهور والأيام، وها قد أظلكم شهر يغفل عنها كثير من الأنام، وهو شهر شعبان الذي ترفع فيه الأعمال، ومما ينبغي على المسلم في شهر شعبان المبادرة إلى قضاء ما فاته من شهر رمضان، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ.
وبين أنَّ مِنَ النعم الكبرى، والمِنَن العظمى التي تستوجب منا الشكر والامتنان، ما أكرم الله به بلادنا من نعمة الإيمان والأمن والأمان، وما نعيشه في ربوعها مِنْ رَغدِ عيش وسعادة واطمئنان، في ظل قيادتنا الرشيدة، فنسأل الله تعالى أن يجزي ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، خير الجزاء وأعظمه وأوفاه، على ما تحققه بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية من نجاحات باهرة، وإنجازات ظاهرة، في جميع الميادين المحلية والإقليمية، والأصعدة الدولية والعالمية، فنسأل الله جل وعلا أن يحفظ على هذه البلاد عقيدتها وإيمانها وولاة أمرها، وأمنها ورخاءها واستقرارها، وأن يجعلها شامخة عزيزة إلى يوم الدين.