د. الهادي عبدالله أبوضفائر

واحدة من العادات والتقاليد الاجتماعية، حينما تحمل المرأة (سفاحا) خارج الاطر المؤسسية أثناء غياب الزوج، يعتبر المولود “ود الفراش”. دون أن يُنسب للزوج. رغم فداحة الفعل يحق للزوج الاستفادة من خدماته، ان تجاوز حدود الإطار المؤسسي عقلية جنجودية بامتياز.. فهذه العقلية تعني (العمل خارج الأطر المؤسسية)، وغالبا ما يتعرض صاحبها للانتقاد والتنمر استنكاراً للسلوك المدان وللفعل المنكر، حيث لا صلاح لأي مجتمع بدون الالتزام بالمؤسسية والأنظمة التي تضمن العدالة والاستقرار.

ان اي زيادة في حدة الرفض للأفعال غير المؤسسية، تعني ازدياد ثقافة الحوكمة للقوانين والالتزام الصارم بالقيم الاجتماعية. أنها رحلة شاقة، تختبر قوة الإرادة وصلابة النفس، وتستنهض فينا تقدير العواقب والشجاعة لمواجهة التحديات. ونقد الذات، وفي هذا السياق، فإن الانحراف عن مبادئ المؤسسية يعكس ضعف الإرادة وغياب الرؤية، حيث لا يمكن بناء مجتمع معافى دون الالتزام بمبادئ القانون والأخلاق، الذي يجسد السلام والعدالة والاحترام والتضامن بين أفراد المجتمع.

أن العمل خارج الإطار المؤسسي لا يضمن تحقيق الانتقال السلس نحو نظام ديمقراطي وسلام مستدام. الوسائل الخاطئة لا يشفع لها نبل الأهداف.. في سعى الأفراد اليها، قد تُحدث تحولات جذرية في السياسة والمجتمع، إلا أن نتائجها لا تختلف بشكل كبير عن سابقاتها رغم اختلاف الظروف والعوامل المحيطة بها.
ان الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، تتحقق يوم يلتزم المجتمع بالاطر الدستورية والقانونية قولاً وفعلا.. فالثورة الفرنسية نفسها كادت أن تخفق في مهامها، ولكنها انتصرت عندما رجعت لمسار الإصلاح التدريجي، حيث امكنها تجاوز التحديات الهائلة والتهديدات المحتملة معبدة طريقها نحو مستقبل تسود فيه العدالة والحرية.
أن التغيير الثوري مهما كانت نبيلة اهدافه وكبيرة تضحياته
يمكن أن يقود إلى الفوضى والانقسامات الاجتماعية في حال مارست المجتمعات ( الجنجودية) كأداة للحل ورافعة ثورية، والأمثلة كثيرة (محاسبة كل من اشتغل في نظام ١٧نوفمير (عبود) ومحاسبة سدنة مايو، و من شارك الإنقاذ). فحتى متى نستفيد من قانون السبب والنتيجة والحكمة ونعمل عبر المؤسسات. ومن أبرز تجليات نماذج العقلية الجنجويدية، (ود الفراش) استعانة الدولة بعرب الشتات (خارج مؤسسة الجيش) ، وأنشاء لجنة( أزالة التمكين) خارج المؤسسة القضائية، ومشاركة الأحزاب في السلطة الانتقالية بدون تفويض شعبي حر عبر صناديق الاقتراع.. كل ذلك تجاوز للأطر الدستورية وهكذا قس.

لتحقيق تغيير ديمقراطي، يحتاج العمل السياسي والاجتماعي إلى إصلاحات مؤسسية وتعزيز ثقافة المشاركة وحكم القانون. إذا كانت الثورة تعمل ضمن هذا السياق، فقد تفلح بشكل فعال في تحقيق التغيير الديمقراطي، ولكن دون هذه الجهود الإضافية، لا تكون ضمانات لتحقيق الديمقراطية. لا ريب ان عمليات التغيير بالأطر المؤسسية تستغرق وقتاً طويلاً وجهوداً مضنية، لكنها تضمن التغيير باقل تكلفة وتشكّل عبقرية في الرؤية وحسن الإدارة. فهي ليست مجرد وسيلة تقنية لتطوير الهياكل الإدارية، بل هي رؤية استراتيجية متقنة لتحقيق تحول جذري ومستدام في المؤسسات والمجتمعات. على سبيل المثال، بوتسوانا: تمتلك سجلًا حافلًا بالنمو الاقتصادي والاستقرار السياسي دون تغييرات ثورية كبيرة، وهي تعتبر واحدة من الديمقراطيات النموذجية في إفريقيا. كذلك ماليزيا، التي شهدت تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة منذ الاستقلال في عام 1957، حيث أصبحت واحدة من أكبر الاقتصادات في جنوب شرق آسيا دون الحاجة إلى تغييرات ثورية كبيرة. وكذلك بوتان، التي تحولت ببطء نحو الديمقراطية والتنمية الاقتصادية دون تغييرات جذرية في النظام السياسي، وهي اليوم واحدة من البلدان الأكثر استقراراً في آسيا. فالتغيير عبر الأطر المؤسسية يهدف لتعزيز مبادئ العدالة والمساواة، وتحقيق التنمية المستدامة، فبالجهود الجادة والصبر على التحول الديمقراطي عبر المؤسسات، يصبح بمقدور المجتمع تحقيق نجاحات ملموسة على صعيد تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقوية المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية."

إن للتغيير السلمي التدريجي ( بُعدٌا عميقا) يتجاوز السياق السياسي ليمتد إلى شغاف قلب المجتمع وروحه الحية. بالرغم من أن التغيير الثوري قد يرسم صورة جديدة للسياسة والمجتمع، إلا أنها قد تخطئ أهدافها في النهايه وقد تخفق في تحقيق الاستقرار واستدامة الديمقراطية. مثال لذلك ثورة أكتوبر، ثورة أبريل وثورة ديسمبر.. والسبب يكمن في تكرار نفس الأدوات ونفس الأسلوب.. فكيف - والحالة هذه- السبيل إلى التغيير. بينما يسعى الحكماء إلى تحقيق السلام والاستقرار بطرق تتناسب مع أعلى قيم الإنسانية وأروع مظاهر الحكمة. يدركون أن العنف لا يولد سوى المزيد من الدمار والخراب، كما علمتنا العديد من التجارب التاريخية، عندما اعتمد زعماء الدول المتقدمة الحوار والتفاهم كمنهج لحل النزاعات بينهم، نجحوا في تجنب الحروب وإنقاذ ملايين الأرواح.

تجلى الروعة في استخدام الحكمة والتسامح كأدوات أساسية لتحقيق السلام والتنمية المستدامة. عبر وسائل اقل كلفة من أراقة الدماء. تختلف مسارات الثورات بحسب تنوع الظروف والعوامل المحيطة، حيث تتلاقى الآمال بالتغيير مع واقعية التحديات. فبينما تمثل بعض الثورات محطات هامة في تاريخ الديمقراطية، إلا أن أخرى تخلف وراءها ضحايا وشهداء ينتظرون حقهم في القصص والانصاف من القرشي مروراً ببشة وعبدالعظيم وإلى اليوم شهيد تلو شهيد فهل من طريق آخر أقل كلفة من الأرواح و الدماء. إذن لابد من تغيير (العقلية الجنجودية) وينبغي لنا أن ندرك أن أي عمل يتجاوز حدود الإطر المؤسسية لا يخلو من الصراعات، وعلى الرغم من أنه قد يبدو مغرياً في بعض الأحيان، إلا أنه يجب أن نتذكر أن جني ثماره يأتي بتكاليف باهظة. لابد من تدابير لتجنب الانحراف عن الأنظمة واللوائح التي تنظم سلوكنا وتوجه أعمالنا.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن ندرك أن تجاوز المؤسسات لا يؤثر على الفرد فقط، بل بتعداه الى المجتمع برمته، مما قد يؤدي إلى تفكك القيم والأخلاق التي تشكل أساس النظام الاجتماعي. فالواجب ا أن نسعى جاهدين للحفاظ على النظام والانضباط، والعمل بروح المسؤولية والالتزام بالدساتير، من أجل بناء مجتمع يزدهر على أسس العدل والنزاهة والاحترام.

أن إصلاح المؤسسات المدنية بلا شك خطوة أولى وأساسية قبل الشروع في إصلاح المؤسسات العسكرية. لان الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة تتطلب بنية مدنية قوية وفعّالة، تعكس إرادة الشعب وتحافظ على حقوقه وحرياته. فعقليتنا المدينة بحاجة إلى إصلاح، لإنها المنوط بها ترسيخ ثقافة الديمقراطية واحترام سلطة القانون في المجتمع. عليه، يجب أن تلتزم الأحزاب بالدستور كمرجع أساسي وتلتزم ببرامجها الانتخابية، مما يعزز الشرعية والثقة في العمل السياسي. أن مراجعة مجموعة الشعارات التاريخية (التحرير ولا التعمير) (تسقط بس) و(الدم قصاد الدم) يشي بدورها من نفس العقلية، مع فارق الزمن وتكرار فشل التجارب السابقة. ان نجاح التغيير يعتمد على توافق الظروف والتضامن في الجهود لتحقيق الأهداف المشتركة. ومن خلال الاتحاد والتعاون، يمكننا بناء مستقبل يتسم بالسلام والاستقرار والعدالة، يعكس اشواق الشعوب في تحقيق الرخاء والتنمية المستدامة . عليه ان كل عمل خارج الإطار المؤسسي والعلمي يعتبر (ود الفراش)

abudafair@hotmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: واحدة من إلا أن

إقرأ أيضاً:

جحر الضب العلماني وأسر التقليد للماضي.. مشاتل التغيير (12)

إذا أردت كلمة معاصرة لوصف ما يمثله "جحر الضب" فهي تلك الكلمة المفتاحية في الحديث النبوي الذي أوتي جوامع الكلم؛ هي كلمة التبعية، وهي من أخطر الكلمات التي تحيط بعملنا واختيارنا، بحقيقتنا ومصيرنا، بهويتنا ومشروعنا، كلمة تحمل معاني مهمة يجب أن نتوقف عندها. ومن المهم في هذا المقام أن نتوقف عند الحديث الذي نستقي منه لفظ التبعية بكل أبعاده وتوابعه، وهو أمر مهم لا بد أن نتوقف عند مفرداته التي تشكل وصف حالة نموذجية تتأكد من حالة المثل المركب الذي ابتكره الحديث النبوي "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قَبْلَكُمْ شِبْرا بشِبْرٍ، وَذِرَاعا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ..": لتتبعن (تبعية) "سَنن" بفتح السين (الطريقة والطرائق والأساليب التي تتعلق بنمط الحياة وسلوك المجتمعات) من كان قبلكم، أو تبعتم بحيث تتشكل علاقة تبعية متجذرة بين طرفين مهمين، التابع والمتبوع؛ وهذه العلاقة تترسخ مع مرور الزمن وفعل الولع وحالة الاعتياد، وتتراكم حالة المغلوبية في تلك العلاقة بين المغلوب والغالب.

أما الحالة النفسية في هذا المقام فترتبط بالحالة الذهنية والعقلية وطرائق التفكير وأساليبه التي تستوطن النفوس والعقول، فتبادر هذه النفوس والعقول إلى أن تقلد وتتبع "حذو القذة بالقذة"، أي تحاكي ذلك بالحذافير فلا تتوقف عنده من نفع أو فائدة، من تعديل أو تكييف، بل تنقله كما هو ظنا منها أن ذلك سيؤتي ذات النجاح الذي صادفته تلك القوى، "شبرا بشبر" و"ذراعا بذراع". حساب المسافات ليس في مساحات الزمن، بل بمساحات المكان وساحاته ووحدة القياس "الشبر" و"الذراع". ثم تأتي الحالة غير المعقولة وغير المقبولة وغير المتصورة؛ "حتى إذا دخلوا (سلكوا) جحر الضب، لدخلوه (لسلكوه) معهم". هذا الدخول والانحسار يعبر عن حالة خطيرة؛ حشر نفسه في ذات الحالة حتى وإن كانت لا تليق به أو تناسبه؛ حالة من التبعية المقيتة في التفكير وفي الموقف وفي الخيارات؛ حالة رغم عدم معقوليتها إلا أنها مقرونة بحال الدخول بأي طريق، حتى لو كان ذلك حشرا مع ضيق هذا الجحر النتن؛ الذي يدخل ويخرج منه الضب؛ فجمع جحر الضب القذارة المؤكدة، والمهلكة المحققة.

ومن رحم جحر الضب الذي يشير للتبعية مغزى ومعنى تتساند معه منظومة مفاهيم تحكم حالة جحر الضب التي نعيشها والتي تنصرف إلى معنى جحر الضب العلماني والتبعية له، أو أسر التقليد للماضي في معنى الأبائية المقترنة بالضلال الفاقدة للرشد والهدى. المعية أو إن شئت الدقة الإمعية (لدخلوه معهم) أمر خطير يميز بين المعية الإيجابية والإمعية التابعة الغارقة في الولع لا المشاركة الحقيقية، وفي الهدي النبوي نعى على التبعية المقيتة في إشارة إلى التبعية والتقليد من غير حجة أو برهان؛ من مثل "لا يكن أحدكم إمعة". والإمعية فعل خطير يميت الفضل والقدرة على الاختيار؛ وربما يقلد فيه ما لا ينفع، بل يتبع ما يضر فلا يأمن ولا يُؤمن في حاله ومآله.

وعلى رأس هذه المفاهيم في تلك المنظومة؛ مفهوم التقليد بكل معانيه الرديئة؛ التقليد القاتل العائد إلى الوراء وأشكاله ودوافعه ومسبباته. سلطان التقليد أخطر أنواع السلطة التي يمكن أن تقع على إنسان الأمة، وغالب التقليد مذموم إذا لم يثمر وإذا لم يصحح خطأ وإذا لم يجلب نفعا، وإذا حبس المواهب وإذا قيد الفكر وإذا لم يفتح بابا لخير البشرية، وإذا لم يحفظ للطبيعة صفاءها وإذا لم يكن عونا على حسن عمارة الأرض، وإذا أفسد على البشر حياتهم وعقائدهم وإذا كان مفسدة على أي صورة وبأي وجه سواء كان تقليدا للقدماء أو للمحْدَثين؛ قافلا الى الماضي والانكفاء عليه أو ناقلا تابعا لحضارة غالبة ومهيمنة. وربما يكون التقليد في حال أشد مفسدة منه في حال أخرى، فأشد التقليد فسادا ما يكون في الأفكار الهدامة والعقائد المغلوطة والآراء المؤثرة قهرا وغطرسة بطبيعة مرسلها ومكانته، ومنها ما تتملكه وسائل الإعلام من مؤثرات وإغراءات في أبواب الشر ومسالكه.

ومن بعده تأتي حالة الولع في حقيقة العلاقة بين الغالب والمغلوب الحقيقة التي وضع ابن خلدون إضاءتها في مقدمته الضافية التي حملت كثيرا من قوانين الانتظام السنني، خاصة في فصل "المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب". ومن جميل ما أشار إليه أن "العامة على دين الملك، فإنه من بابه، إذ الملك غالب لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم"، وهو ما يعبر عن حالة نفسية تتطور مع الوقت إلى حالة ذهنية وفكرية، بل وكذلك كأسلوب حياة.

حال الولع يورث علاقة خطيرة، ترتبط عضويا بمعنى الذيلية في المواقف والخيارات، فاقد الإرادة، والفعل المختار المستقل. الذيل يعد في الحقيقة زائدة قد تقوم ببعض الأعمال الهامشية، وهو تابع في الحركة والنشاط، والخطير ماذا لو فُقد الذيل فإنه لا يؤثر كثيرا على الجسم، والرأس، بل قد يستبدل الذيل بغيره من غير اكتراث بذيل انفصل فمات، وبذيل جديد يتابع نفس الشكل وذات الوظيفة.

وكذا فمن أحط أنماط التبعية؛ التبعية للهوى "وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا" (الكهف: 28)، ويرتبط ذلك أيضا بمفهوم آخر ضمن هذه المنظومة بعقلية التكديس في المحاكاة للأشياء، وعقلية الاستهلاك التي تجري في مناشطها ضمن استهلاك مقيت لا يعرف له دافعا إلا الولع، ولا يعرف له عملا وفعلا إلا الاقتناء من غير نفع، ولا يعرف له مآلا إلا التابعية المطلقة في نمط الحياة الاستهلاكي الخالي من التدبر والتدبير الذي يقوم على قاعدة من النفع والانتفاع.

وكذا ومن أخطر المفاهيم في هذا السياق "مفهوم الغزو المعنوي والفكري والحضاري" و"التسميم الحضاري"؛ وكذلك مفهوم "القابلية" عند مالك بن نبي الذي وجب ألا يرتبط فحسب "بالقابليات" للاستعمار.. بل هي القابليات التي تحكم تقبل ما لا يتقبل في نفوسنا وعقولنا ومقالنا، وأفعالنا، ومواقفنا، وسياساتنا.

ومن المهم كذلك أن نشير في هذا الصدد إلى أنواع التقليد الفاقد للهدى الممعن في الضلال، فتؤكد على تبعية الشيطان وسلطانه واتباع الأقوياء والكبراء والسادات في إطار يؤكد على هذا السلطان الفاقد للهدى، والرشد والرشاد. ولعل من مداخل التقليد والتبعية هو المعنى الذي يتعلق بالعلاقة بسلطان فرعون الطاغية؛ الذي يجعل من الاستبداد والطغيان المقترن لزوما بالفساد القيمة الأساسية في صناعة تبعية مجتمعية، من ادعاء سلطان الألوهية، إلى ادعاء الرشد المطلق، أو الاستناد إلى تحكمه في الموارد، وما يقوم عليه من صناعة الاستخفاف.

في مدارسة نقاشية مهمة مع الأستاذة القديرة هبة رؤوف عزت حول العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة أشارت فيها الى أهمية التمييز بين مستويات ثلاثة في النظر إلى الموضوع:

الأول: النظم الرسمية وبوصلتها العلمانية في بلاد المسلمين، والتي شكلت في حقيقتها فشلا في الإنجاز ومكنت حالة الاستبداد ومنظومة الفساد، ولم تنجز في المجال التنموي وما يتعلق بمعاش الناس بفاعلية، وحولت الأمور في مجالات عدة الى أزمات بنيانية؛ وأحالت كل ذلك تارة إلى جهل الشعوب ومناهضة الحداثة والدين والتدين المعوق لتمكين الفعل النهضوي، واستثنت من كل ذلك الحالة الطغيانية والفسادية في ممارسات منظوماتها.

الثاني: واقع العلمانية المرير الذي تسرب في سلوك عموم الناس المهم، ليس حول العلمانية الجزئية أو العلمانية الشاملة؛ ولكن الكيفية للخروج من حال العلمانية البائسة في واقع الناس.

الثالث: الممارسات العلمانية للدين والتدين في سياقات قد تتشابه مع الحالة العلمانية خاصة في النتائج والمآلات، تلك الممارسات التي تعزل الدين عن مجمل حياة الناس ومعاشهم، وتحاصر الديني في المسجد أو في صفحة الصحافة، أو في زاوية منحسرة ومحاصرة ذرا للرماد في العيون، بينما نسير مسارات الحياة الكبرى ضمن الطريقة العلمانية.

ونضيف إلى ذلك المستوى الرابع الذي يتعلق بالطرائق العلمانية ترويجا وسياقات تتعلق بالسياسة والدولة والتي تتحرك ضمن مسارات وطرائق عدة:

1- الدين فوق السياسة، وحالة السياسة وتعلقها بالمدنس، وحال الدين وتعلقه بالمقدس، ومن ثم من المهم ألا ينزل الدين إلى وهدة السياسة أو مسألة الدولة والممارسات المتعلقة بهما الواقعة في مساحات المدنس.

2- مقولة حياد الدولة والتي تكون مدخلا لعلمنة مجال السياسة بالكامل.

3- مقولة الدولة المدنية ضمن حالة التلبيس الشديد في مفهوم المدني والمدنية وارتباطهما بالفكرة العلمانية قيما والعمليات حركة ومسالك وأساليب حياة (العلمنة).

4- العلمانيون والعمل السياسي، وهو أمر يؤكد فيه العلمانيون العرب والمسلمون أن الرؤية الدينية تقوم على استبعادهم أو إقصائهم، وفي سياقات مؤكدة لديهم أن "العلمانية هي الحل".

5- مقولة العلمانية الإسلامية في محاولة تلفيقية ودون فحص جوهر المقولتين، وبما تضعه العلمانية من معايير فكأنها في البداية تطرد المعايير الإسلامية وتجعل من العلمانية هي المنشئة لتلك المعايير، ثم تحدد المتطلبات الواجب عملها ضمن عملية العلمنة؛ حتى يصير الإسلام علمانيا، ويتقاطع مع هذا رؤية البعض أنه يمكن تأويل الإسلام في نشأته وشرعته تأويلا علمانيا في أساسه وجوهره.

6- ومن الملاحظات المهمة كذلك قراءة التنوع الحضاري الإسلامي بمنهج نظر خاطئ ومتحيز، والتأكيد على أنه ليس هناك إسلام واحد، بل هناك إسلامات متعددة، وهي من جملة ما يمارس مع المنظومة الإسلامية بأسلوب "الحجة والنقيصة" في سياقات توزيع أدوار؛ فمن متهم للإسلام بالجمود القاتل، ومن متهم للإسلام للتنوع السائل بلا حد، وهو أمر يبعث على التمكين لحالات العلمنة وعملياتها من خلال حالة الحيرة.

7- وفي هذا السياق يمكننا كذلك أن نلحظ الكيفية التي يتعامل بها العلمانيون في الساحة والمساحة المتعلقة بعالم المفاهيم؛ بالسطو بالكامل والاغتصاب الشامل والاختطاف المدبر على ما يعرف بالمفاهيم الحضارية التي ترتبط بظواهر تنشأ مع كل حضارة. وفي سياق ادعاء أن التاريخ قد بدأ بالغرب وينتهي به، يبدو هذا الاحتكار لتلك المفاهيم ومعانيها ومبانيها والمعايير الكامنة فيها، فضلا عن الاستيلاء على مفاهيم أخرى مثل النهضة والتنوير والرشد والعقلانية وغيرهما، "زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا" (الأنعام: 112)، وتحركها صوب المعايير التي تتعلق بالغرب ونموذجه المعرفي العلماني.

8- لعبة الاحتكارية العلمانية أو الفكرة المدنية أو الفكرة الديمقراطية (احتكار أفكار التعددية والاختلاف وقبول الآخر)، وهي من القضايا البديهية المتعلقة بفطرية الاجتماع البشري في علاقاته وموازينه، لا يحتكرها اجتماع حضاري بعينه ولا نموذج حضاري دون غيره.

وضمن هذه السياقات فإن التحذير والإنذار والتنبيه إلى خطورة "جحر الضب العلماني" بكل مسوغاته وأدواته وتخلله وتسربه؛ من الأمور المهمة ونحن نتحدث عن مشاتل التغيير وعمليات الإصلاح في نماذجنا للإصلاح والتغيير، وبناء نماذج النهوض والإنماء، والرقي والارتقاء، وهو أمر لا ينصرف فقط إلى الدخول إلى جحر الضب العلماني، بل وكذلك الأسر في سلطان الماضي، والتحرك الواعي البصير في هذا الشأن، النافي لحالة التبعية المقيتة هو منهج النظر القويم لتلك المسارات الإصلاحية في مساحات التغيير الفعّال على بصيرة وهدى وكتاب منير.

x.com/Saif_abdelfatah

مقالات مشابهة

  • "يمن المستقبل" ينظم رحلة ترفيهية لأبناء الجالية اليمنية في أسيوط
  • «أطباء بلا حدود»: تصاعد العنف في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يعيق تقديم الرعاية الطبية
  • بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد
  • محافظ السليمانية: أنا لست من حركة التغيير
  • القاهرة.. موقع "يمن المستقبل" ينظم رحلة نيلية لطلاب البكالوريوس من جامعة الأزهر
  • جحر الضب العلماني وأسر التقليد للماضي.. مشاتل التغيير (12)
  • الخطوط الجوية تفتح تحقيقًا بهبوط رحلة في مطار بغداد بدلًا من النجف الأشرف
  • شاهد.. روبوتات تمشي بثبات وتفتح آفاق التعاون بين والذكاء الاصطناعي والبشر
  • متمرد جديد بالكونغو الديمقراطية وخلافات تعرقل تشكيل حكومة موسعة
  • عاجل. لوبان تنتقد الحكم الصادر بحقها وتصفه بأنه"قرار سياسي" و"يوم كارثي على الديمقراطية"