كيف أصبح كيندال روي الشخصية الأكثر أيقونية في الدراما التلفزيونية منذ سنوات؟
تاريخ النشر: 1st, August 2023 GMT
"ذهبت مع زوجتي وأطفالي إلى بيت أملكه في الدنمارك، جلست وحدي على الشاطئ ورأيت كيندال يختفي تدريجيا مع الغروب. آديوس (وداعا)". (1)
هكذا يحكي الممثل جيرمي سترونج عن لحظة وداعه لشخصية كيندال روي التي سكن في إهابها لست سنوات هي عمر مسلسسل "الخلافة" (succession) الذي امتد لأربعة مواسم من 2018 إلى 2023، منحته خلالها كل ما يحلم به بصفته ممثلا.
كل ما أراده جيرمي في حياته هو أن يكون ممثلا، فهو يمثل على خشبة المسرح منذ كان في الخامسة من عمره. في غرفة مراهقته، كانت هناك ثلاثة ملصقات تزين جدرانها، ملصقات لممثلين هم مثله الأعلى وملهموه، آل باتشينو وداستين هوفمان ودانيال دي لويس، وهم ثلاثة من سادة التمثيل المنهجي.
يؤمن سترونج الذي يقترب منهجه من منهج مُلهميه بالتحول الكامل للشخصية التي يُجسِّدها، أن يحمل داخله جراحها وصراعاتها، يقول سترونج: "أنا جيرمي نصف العام، والنصف الآخر الذي يستغرقه التصوير أكون كيندال". (2)(3)
شخصية كيندال ثقيلة جدا من الناحية النفسية؛ كأنما تمشي على قشرة هشة من الثلج حيث كل خطوة غرق محتمل، شخصية يطفو جسدها على الماء بينما ثقلها النفسي يشدها للأعماق. كان على كيندال أن يناضل طيلة الوقت ليبقى رأسه طافيا فوق الغمر. لذلك بلا شك، كان هناك شيء من الراحة وشيء من الفقد في وداعها.
لا شيء يجذبنا لفيلم أو مسلسل أكثر من شخصية عظيمة، حيث تعيش مثل هذه الشخصيات في الذاكرة أطول من أي حبكة مميزة أو مفاجآت سردية. لكن ما الذي يحوِّل شخصية ما سواء سينمائية أو في مسلسل إلى شخصية أيقونية؟ بشكل أساسي، مزيج الكتابة العظيمة والأداء العظيم، ثم يأتي لاحقا أن تلمس شيئا مشتركا داخل الجمهور، شيئا يرغبه، يثير خياله أو يعري مخاوفه. كيندال روي هو إحدى هذه الشخصيات بلا شك.
هناك شخصيات تحتاج إلى الزمن لهذا التحول، وهناك شخصيات تتجاوز مباشرة حدود الشاشة لتدخل إلى وعي الجمهور بوصفها أيقونة. يُمثِّل كيندال شخصية مَن يحاول طيلة الوقت بأقصى جهد لديه ومع ذلك يعجز عن الوصول إلى مبتغاه، كأن شيئا يتجاوزه أو يسكن أعماقه يُفشِل مساعيه. كيندال هو بطل تراجيدي بامتياز، يُثير فينا مزيجا من الشفقة والرعب.
في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2019، وبعد عرض الموسم الثاني من المسلسل، تحولت شخصية كيندال روي لأحد أزياء التنكر في الهالوين، تحديدا مشهد الراب، حيث يغني كيندال لوالده في الذكرى الخمسين لتأسيسه إمبراطورية "وايستار رويكو"، واحدة من أكبر شركات الإعلام والترفيه حول العالم. يحتوي المشهد على أفق مرعب بالفعل؛ عمق التملق المذل واليأس الذي يدفع لعمل أي شيء لتحقيق مسعاك. المأساوي هنا أن كل ما كان يحتاج إليه كيندال هو اعتراف والده ومحبته.
الدراما الداخلية لكيندال روييبدأ المسلسل بكيندال وينتهي به، إنه يفتتح قوس السرد ويختتمه. تشير "كاي إم ويلاند" في كتابها "creating character arcs" إلى أن دراما الشخصية يخلقها التناقض بين ما تريده شخصية البطل وما تحتاج إليه، وتضيف قائلة: "يقضي بطلك معظم زمن الحكاية وهو يطارد هدفا خارجيا يُسخِّر له كل قواه لأنه يعتقد أنه سيجعله سعيدا أو إنسانا كاملا، بينما ما يحتاج إليه فعلا هو شيء آخر تماما. الدراما هي الحرب السرية بين ما يريده البطل وما يحتاج إليه. حين يكتشف البطل في النهاية على نحو واعٍ أو غير واعٍ ما الذي يحتاج إليه، تكون الحكاية قد أذنت بالنهاية". (4)
ما يريده البطل عادة هو مجرد كذبة تمنعه من الوصول إلى ما يحتاج إليه حقا. ما يريده هو مجرد عرض "symptom" لنقص مؤلم/جرح يسكن روحه، لكن هناك شخصيات تظل غير قادرة على رؤية حقيقة رغبتها حتى النهاية، ومنهم كيندال. يتبع منحنى شخصيته ما تسميه ويلاند "the fall arc"، وهو منحنى الشخصيات التراجيدية، حيث تنتهي الشخصية في ظلام أعمق مما بدأت به. (5)
لقد أُعِدَّ كيندال منذ البداية ليخلف والده بعد تقاعده، لذلك ينقلب عالمه رأسا على عقب حين يتراجع الأب عن وعده في الحلقة الأولى من المسلسل. خلال زمن المسلسل نشاهد كيندال وهو يحاول استعادة هذا الوعد، مرة بالانقلاب على الأب، ومرة بالانصياع التام له، لكنه يفشل دائما. تتضمن التراجيديا دائما ما يسمى بالتحول أو انعكاس المسار، بحيث تتحول الأمور التي تسير في مسارها جيدا إلى الضد. يقترب كيندال من أن يحقق مبتغاه ثم تنقلب الأمور عكس ما أراد مرة بعد مرة في رحلة الدراما.
لا حياة له خارج مدار هذا الرغبة. حين تستولي عاطفة ما أو رغبة ما على مشاعر البطل التراجيدي فإنها تستهلك مدى الشخصية بكاملها. في المرات التي يُحرَم فيها كيندال من رغبته، نحن نشاهد حطام إنسان، وحدها هذه الرغبة هي ما يجمع هذا الحطام ويحركه.
شيء مأساوي حول حقيقة الرغبةيخبرنا عالم النفس الكبير جاك لاكان أن رغباتنا لا تخصنا دائما، بل تخص الآخرين (6). يتشكل كل ما يخص حياتنا النفسية في سنوات التكوين الأولى، لذلك فإن ما نرغبه أيضا مفروض من الخارج ممن يقدمون لنا الرعاية (الأم والأب). أريد من الآخر أن يحبني ويرغبني، وبالتالي فإن كل ما أفعله سيكون ظلا لهذه الرغبة. ما نرغبه ليس شيئا، بل السبب وراء الشيء، إنه ما يسمى بالموضوع المفقود (the lost object)، موضوع حبنا الأول الذي نبحث عنه لاحقا في كل شيء.
حكى فرويد مرة عن حلم لابنته آنا وهي طفلة، حيث كانت تتحدث أثناء نومها عن رغبتها في كعك الفراولة. يكتب فرويد أن آنا إما جائعة وإما تحقق رغبة مكبوتة، لأنها كانت مريضة في الأيام الماضية ومنعتها مربيتها من تناول الكعك. في كتابه "plague of fantasies" يترجم سلافوي جيجيك الحلم بمنظور "لاكاني" يوضح مفهوم الرغبة، يقول جيجيك: "إن آنا الصغيرة لا شك لاحظت سعادة أبويها وهي تتناول تحليتها، وبالتالي فإن فانتازيا الحلم هي محاولة أولى لتكوين هوية تُسعِد والديها".
هكذا نتعلم كيف نرغب في حياتنا، سواء أحبَّت آنا كعك الفراولة أو لا فإنها ترغب فيها. في الحلقة الأخيرة من الموسم الرابع والأخير من المسلسل، يستعيد كيندال لحظة كهذه. يحكي كيندال لأخويه رومان/كيران كولكين وشيفون/سارة سنوك أن والده أجلسه أمامه حين كان في السابعة من عمره في مطعم بيتهم في هامبتون ووعده بمملكته. كل هوية كيندال تتمحور حول هذه اللحظة بالذات، اللحظة التي أشعره والده أنه المختار من بين إخوته، عمره النفسي معلق بهذه اللحظة التي تتأرجح داخله كنبوءة.
تتمركز رغبة كيندال من البداية وبشكل حصري واستحواذي حول أن يكون الرئيس التنفيذي لـ"وايستار رويكو"، أن يخلف والده على عرش مملكته، لأن ما يعنيه ذلك أنه الابن المفضل لوالده. في الحلقة السادسة من الموسم الرابع، وبعد أن ينجح في الترويج لأحد المشروعات الجديدة لوايستار، يذهب إلى الشاطئ ويكتب بقدمه على رمال الشاطئ رقم 1. هذا هو كل ما يريده؛ أن يكون الابن رقم 1. لكن الرغبة المستحوذة عليه تماما تجعله يخسر كل حب محتمل، حب إخوته، يخسر حتى نفسه.
ظلال كيندالما يجعل من كيندال شخصية أيقونية أيضا هو أنه يحمل بداخله ظلالا من شخصيات أيقونية تسكن ذاكرتنا بالفعل، مثل أوديب، وريتشارد الثالث لشكسبير، ومايكل كورليوني. فرغم كل الحديث عن السلطة السياسية والمال والإعلام، يبقى "الخلافة" في قلبه دراما عائلية، تماما مثلما كان "الأب الروحي" إلى جانب كونه فيلما عن المافيا، حيث أصبح اسم العائلة في كلا العملين مثل لعنة موسومة بالنار على روح الأبناء.
كيندال هو معادل مايكل في "الأب الروحي". رغم أن كيندال ومايكل يظهران كما لو كانا في رحلة عكسية؛ فكل ما أراده كيندال أن يخلف والده على عرش مملكته، وينتهي به الحال محروما من ذلك، بينما مايكل الذي أراد دائما أن يكون له وجوده الخاص بعيدا عن عائلته ينتهي به الحال على رأسها، لكن ما يربطهما معا هو الملامح التراجيدية لشخصيتيهما وعزلتهما المصمتة.
يحكي سترونج أن جيسي أرمسترونج مبدع هذا المسلسل أخبره أن يُبقي شخصية ريتشارد الثالث في رأسه وهو يُعِد لشخصية كيندال (7). عاد للمسرحية وتوقف أمام هذا المونولوج الذي يردده ريتشارد:
"أنا الذي خُلق على عجل ولم يؤت جمال المحبين
أنا الذي حُرم اتساق القسمات
وزيَّفت الطبيعة الخادعة بنيته
فلأكن إذن شريرا، ما دمت لا أصلح للحب".
هذا المونولوج الذي يردده ريتشارد الثالث في مسرحية شكسبير يكاد يكون صدى لما يعتمل في دخيلة كيندال في الموسم الأخير. التشوه الجسدي لدى ريتشارد جعله يفقد إيمانه بالحب، وهذه الهوة التي خلَّفها غياب الحب في أعماقه جعلت الرغبة الشرسة في السلطة مداره الوحيد. هذا هو كيندال مع استبدال التشوه النفسي بالتشوه الجسدي.
هذا اليأس من الحصول على الحب أفقده إيمانه به. يقول لشخصية هيوجو/فيشر ستيفنز: "يقولون إنهم يحبونك ثم ينتهكونك"، ويقول لشيفون إنه أب سيئ، معقبا: "ربما تسلل السم إليّ"، إشارة إلى سم والده. في الحقيقة إنه يستبطن والده، يستبطن معذبه، ففي أحد مشاهد الحلقة الأخيرة من المسلسل، يحتضن كيندال رومان بعنف حتى ينفتح جرحه مجددا. هذا هو الحضن القاسي لشبح الأب الذي يتقمصه. يخسر كيندال حتى الأرضية الأخلاقية التي كان يقف عليها نهاية الموسم الثالث حين يجلس مع الأب في إيطاليا ويخبره أنه أفضل منه: "أكره أن أخبرك ذلك لأني أحبك، لكنك شرير. لقد فزت لأنك فاسد، وكذلك العالم". تحول كيندال إلى نسخة من أبيه وخسر أيضا، وهذه تراجيديا كيندال روي.
يُنهي أرمسترونج كل موسم من مسلسله بحلقة يحمل عنوانها كلمات من قصيدة "dream song 20" للشاعر جون بيريمان. في قصيدة بيرمان شخصية تُدعى هنري، يصف بيرمان كآبة هنري كما لو كانت ثقلا يجلس على القلب ولا يستطيع التخلص منه. مهما فعل هنري لا يفارقه حزنه، لا شيء سيُخلِّصه من ثقله ولا حتى ألف عام من البكاء والأرق. يتخيل هنري أنه قاتل، وعليه أن يتأكد كل مرة تراوده الفكرة أنه لم يقتل أحدا. ألا يذكركم هنري بكيندال ولو قليلا؟
هالة جيرمي سترونجلا يمكن الحديث عن عظمة أو أيقونية كيندال دون الحديث عن الأداء الفذ لجيرمي سترونج. يعمل سترونج على شخصيته بطريقة ربما صارت إشكالية بعض الشيء. يتحدث برايان كوكس/لوجان روي عن إشفاقه على سترونج من الطريقة التي يغمر نفسه فيها تماما في الشخصية، يعلق مازحا: "حاول أن تتظاهر".
لكن سترونج لا يستطيع أن يؤدي إلا ما يشعر أنه حقيقي. كان يعزل نفسه عن بقية فريق العمل لتعزيز إحساسه العميق بالعزلة. حكايات كثيرة من هذا القبيل تؤكد التزامه التام بالشخصية، حيث اضطر عدة مرات لشرب هذا المزيج المقرف الذي يعده إخوته له لتنصيبه ملكا في الحلقة الأخيرة من المسلسل.
ترى "ستيلا أدلر"، وهي أحد أهم مدرسي التمثيل في القرن العشرين، ومخلصة تماما لمنهج ستانسلافسكي، المخرج والمسرحي الروسي الشهير، أن الكلمات في ذاتها غير مهمة بالنسبة للممثل، وربما الأفعال أيضا، لكن المهم هو المكان الذي تأتي منه هذه الكلمات والأفعال، المهم هو المشاعر والأفكار التي تنبع منها الكلمات والأفعال.
جزء مهم من عمل الممثل أن يحلل جيدا دوافع وأفكار الشخصية التي يُجسِّدها. في كل مرة تستمع إلى سترونج وهو يتحدث عن كيندال ستدرك مدى فهمه العميق لطبيعة الشخصية، إنه يقبض تماما على جوهرها.
ما يفعله سترونج على المستوى الجسدي للشخصية مدهش أيضا. كيندال شخصية جريحة في أعماقها ومسكونة بالشك في قدراتها الذاتية، ومع ذلك يقتضي الدور الذي يسعى إليه بكل طاقته أن يبدو واثقا تماما. ينجح سترونج في نقل هذا التوتر الداخلي إلى أدائه. إنه يُشعرك أن مشيته المتصلبة والمتظاهرة بالثقة مجرد أداء لا حقيقة.
هناك دائما لحظة إعداد مع نفسه قبل مواجهاته، لحظة تشبه اللحظة التي تسبق صعود الممثل إلى خشبة المسرح، حيث يثبت القناع على وجهه. يسقط هذا القناع مع أول ضغط يتعرض له ويتعرى الطفل المكسور والخائف. لا يمكنك أن تنظر في عينَيْ كيندال دون أن ترى هشاشته، إنه لا يجيد إخفاء هشاشته مثل رومان الذي يتخفى خلف أقنعة سخريته وغرابة أطواره، أو شيف التي تتخفى خلف شكها وعدوانيتها.
تختفي هذه المشية المتصلبة والمتظاهرة بالثقة تماما في الموسم الثاني. إنه هنا أقرب لروبوت، دمية بين أصابع والده، يجر خطواته الثقيلة وقد فارق بريق الحياة عينيه. رأسه مُنحنٍ دائما ولا ينظر في عينَيْ محدثه. لا يستعيد تلك الهيئة إلا حين ينقلب على والده مجددا نهاية الموسم الثاني، وفي نهاية الموسم الثالث حين يخسر كالعادة نشاهده بهيئة جسدية أكثر انكسارا.
يمتلك سترونج ما هو أبعد من الموهبة، يمتلك تلك الهالة من الجاذبية التي تستطيع أن تشحن الأثير من حوله بما يعتمل داخله حتى في صمته. يمتلك أيضا مدى انفعاليا واسعا. كم مرة رأيت فيها كيندال ينهار ويصب عواطفه على الشاشة؟ كثيرا جدا، ومع ذلك في كل مرة يفعلها بطريقة مختلفة وأداء حركي مغاير وأصيل بالنسبة للمشهد نفسه.
ينتهي المسلسل بكيندال وهو يتجول قرب نهر هدسون بعيون مفتوحة على الخواء. العالم مضبب خلف نظرته الضائعة، بعدما خسر كل شيء. يُذكِّرنا هذا بمشهد من الموسم الثاني حيث يبكي منكسرا أمام شيف: "لا أعرف ما الذي سأفعله بحياتي إذا أخبرني أبي أنه ليس بحاجة إليّ". لقد خسر الآن وللأبد المحرك الرئيسي لحياته. هذه الصورة النهائية لكيندال في أسوأ حالاته هي التي تعزز جاذبيته الأعمق. إنه أوديب وقد أدركته لعنته، رجل لديه كل شيء ولا شيء. كيندال مثل بقية إخوته محطمون بلا أمل في إصلاحهم، حبيسو جحيم صممه الأب لهم وأخبرهم أنه الجنة. في هذه اللحظة بالذات يثير فينا كامل الرعب والشفقة.
_____________________________
المصادر:
Extended interview: "Succession" star Jeremy Strong on letting go of Kendall Roy and more His rage, his pain, his shame, they’re all mine’: Jeremy Strong on playing Succession’s Kendall Roy المصدر السابق (1) Creating Character Arcs: The Masterful Author’s Guide to Uniting Story Structure, Plot, and Character Development by K.M. Weiland. المصدر السابق. desire according to lacan: the Russh editors share their their predictions to succession finaleالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: مواقع التواصل الموسم الثانی من المسلسل فی الحلقة أن یکون التی ی کل شیء
إقرأ أيضاً:
المثقف .. وزمن التفاهة !
لا أريد تكرار عبارة أننا أصبحنا على أعتاب مرحلة جديدة، فقد أصبحت عبارة مملة بالنسبة لي، وتكرارها أصبح أسلوبا غير محمود، بيد أن قراءة الواقع وتطوراته تتطلب التنبيه في كل منعطف، إذ أن الغالب أن السياسي مع كثر الملفات التي بين يديه يكون في غفلة عنها، ولذلك تكون العلاقة بين السياسي والمثقف علاقة جدلية فالسياسي علاقته بما يكتبه المثقف هي علاقة ضرورة حتى يدرك تفاصيل المراحل، أما علاقة المثقف بالسياسي فهي علاقة احتياج، وهذه العلاقة تدخل في تفاصيلها عدة عوامل لعل أبرزها التناغم في المشروع، والتوجه، ومدى تقدير السياسي للرأي، وقد تنشأ في البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية كائنات تدعي العلم والمعرفة فتكون وظائفها التبرير، وقد تلجأ إلى المغالطات المنطقية التي تتناغم مع السياسي دون أن تصدمه بحقائق الواقع، ونحن اليوم نعيش واقعا ضبابيا وغائما تبرز فيه فئة التافهين وتنال من الشهرة والتأثير مالا يناله أصحاب الرأي والفكر الرصين، وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الانحدار الذي وصل إلى القاع .
فالمجتمع الذي يحيط بنا اليوم غير المجتمع الذي كان بالأمس، ففي الأمس القريب كانت الأنظمة العربية تلجأ إلى فكرة الإعلام الموازي، وهو إعلام يستوعب أصحاب الفكر والرأي الذين يكون لهم موقف من السلطة، ويفسح هذا الإعلام مساحة لحرية الرأي، فتقوم مراكز التحليل في سلطات الدولة العليا بتحليل ما يرد في المقالات الناقدة، ويستوعب الآراء الواردة فيها، ثم تتحول إلى خطوات إجرائية صامتة تخفف من عوامل الاحتقان والتذمر عند الجماهير العريضة، وهي بدورها – أي الخطوات – قد تعزز من قيم الانتماء الوطني، وتساهم في تعزيز الوحدة الوطنية، أما اليوم في زمن شعبوية الإعلام فقد توارى دور المثقف وتراجع إلى مراتب متدنية وغير فاعلة من حيث عدم التأثير، وغياب الفاعلية، حتى أصبح غريبا في دياره ومكانه، وقد ينظر إليه السياسي بنظرة غير سوية، وقد يراه عدوا ممقوتا، وينساق مع حركة الواقع في إرسال التهم وإلباسه بها جزافا ودون تمعن، أو قراءة فاحصة لما قال أو يقول، ويراه منظرا لا تتحمله المرحلة، فيحاصره في حياته ومعاشه، ومثل ذلك التوجه نجده عند غالب الأنظمة العربية التي تستهدفها الصهيونية العالمية بالحرب الباردة والحرب الناعمة، ولعل أقرب مثال قريب لنا هو ما حدث في سوريا خلال ما سلف من أشهر، فقد امتدت يد الغدر والخيانة والاغتيالات إلى أبرز رموز الفكر والرأي وأبرز العلماء في العلوم المختلفة، وأصحاب المواقف والمبادئ والقيم، وحدث نفس السيناريو في بغداد بعد سقوطها بيد أمريكا عام 2003م، ولا تخفي الصهيونية العالمية خوفها من أرباب الفكر، وقد سمعنا خلال سوالف الأيام والأشهر تصريحات سياسية تقول، بضرورة التخلص من الفاعلين والمؤثرين الذين يعيقون تمدد الحركة الصهيونية في المنطقة .
تسطيح الوعي وترميز التافهين للوصول إلى مجتمع التفاهة استراتيجية غربية واضحة وقد صدرت الكثير من المؤلفات المناهضة لها في الغرب نفسه، لكننا في الواقع العربي نساهم في تعزيزها وتنميتها بوعي منا، وفي أحيان كثيرة بغباء مفرط وغير مبرر، إذ تركنا المجال مفتوحا للتافهين، والحمقى، كي يعيدوا صياغة الوجدان العام بنظم التفاهة والانحدار الأخلاقي، وحاولت الأنظمة السياسية على تكريس هذا الواقع من خلال الاعتراف بالترميز والاهتمام بفئة التافهين وإغراقهم بالمال من قبل شركات عالمية في حين يظل المثقف الحقيقي خارج دائرة الاهتمام تتناوشه رماح الحاجة وتقطع أوصاله سيوف المذلة والهوان دون رعاية أو اهتمام وبحجج شتى .
ثمة قواسم مشتركة تجمع السياسي بالمثقف لو أراد واقعا مزدهرا ومستقرا، تنحصر كلها في مفردة الاعتراف بالقيمة والمعنى وفي الرعاية المستمرة، فالتعالي الذي يفصل بين الطرفين تتخلله مساحات رخوة يمكننا تمتينها من خلال الحوار والتواصل والاقتراب، أما التبعيد والإقصاء فقد يزيد الهوة اتساعا، ونصبح حينها في دائرة مفرغة، تستغلها القوى المعادية من خلال احتلال اللغة وطمس معالمها وتغيير مفاهيمها، حتى نصل إلى حالة التيه، وقد وصلنا إليها اليوم على مدى أكثر من عقد ونصف من الزمان، فالحرية اليوم تعني الاستعباد والاستقلال أصبح احتلالا والوطني أصبح عميلا، والعميل أصبح وطنيا بامتياز، وقد نرضى بالدخيل ونرفض الأصيل الذي له انتماء للوطن والأرض .
الواقع يفرز نفسه وظواهره التي تحاصرنا بين الفينة والأخرى يفترض بنا قراءتها بوعي البصير لا بعاطفة الخاضع لشروطها، فالعاطفة إذا لم يعقلها منطق الأشياء وأنساقه ومعارفه وقيمه تصبح سلاحا مدمرا يفتك بمقدرات الأمم من حيث لا نحسب للأمر حسابا، فالعاطفة إن لم تقيد بشروط وقيم ومبادئ المجتمع تصبح عامل تدمير لا عامل بناء، ونحن اليوم على أعتاب مرحلة، ونخوض حربا ضروسا يرى البعض أنها قد أسلمت قيادها في حين أنه لا يدرك سعة معارف خصومه التي تطورت مع المستويات الحضارية الحديثة وبلغت مراتب متقدمة، في حين ظلت فكرة الثبات والتخشب كسمة لازمة للعقل العربي منذ قرون فهو ابن يومه ولا يفكر في غده فالمبدأ القديم ما يزال جديدا وهو الذي يرى أن نعيش سكرة اللحظة ونشوتها ولا نفكر في غدها، وتلك مشكلة لا بد أن نجتازها من خلال القراءة العلمية للتاريخ وجدليته، فالتاريخ العربي يظل تأريخا ظنيا، إذ أن أحداثه في غالبها تناقض العقل والمنطق، وكتبه فقهاء لغايات سياسية مؤقتة، أما التاريخ الحقيقي فلم يكتب كما ينبغي أن يكتب بعد .
أي حضارة في كل مراحل التاريخ تستفيد من نظائرها فتضيف وتبدع وتستفيد من التاريخ ففيه عظات وبصائر .