لجريدة عمان:
2025-04-03@05:18:29 GMT

هل الحرية المتوازنة يرفضها الإسلام؟

تاريخ النشر: 15th, May 2024 GMT

في مقالي الأسبوع المنصرم، الذي حمل عنوان (عندما تُضرب الحرية في أخص خصائصها)، تحدثت عن قضية ما يسمى بعصر الأنوار في القرنين الـ18 والـ19 الميلادي في الغرب، وكيف انبهر بـه بعض العرب والمسلمين ممن درسوا هناك، وسمعوا ما يقال لهم إن الغرب متمسك بالحريات العامة، وبالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وإن على كل الإنسانية، أن تقتدي بالغرب في أن تكون كذلك في حياتها وفكرها ورؤيتها، وعلى نفس المسار الذي سار عليه الغرب قولًا وفعلًا.

من هنا حصل لبعض من أبناء جلدتنا، من شباب العرب والمسلمين إكبار للغرب لما هو فيه بالفعل، وأن الغرب نهض نهضة ضخمة في كل مجالات العلوم والتكنولوجيا والمدنية الأخرى، وأصاب البعض من شبابنا -كما أشرنا في المقال الأسبوع الماضي- هزيمة فكرية تجاه الغرب، خاصة أولئك الذين مكثوا طويلًا ودرسوا في الغرب في أوائل القرن الماضي، عندما وجدوا الفارق الكبير، دون أن يراجع الظروف التي حصلت للعالم العربي والإسلامي، وساهم فيه الغرب في تخلفه وتراجعه وقضية الصراع الطويل الذي جرى بين الدول الغربية والدولة العثمانية والتي كانت تمسك بالخلافة الإسلامية آنذاك، وهذا ما جعل بعضهم يطالب أن نعيش مثلما يعيش الغربيون في كل مناحي الحياة، بل إن أحد هؤلاء -وهو أحد الباحثين العرب المعروفين، في الساحة الفكرية العربية- طلب القطيعة التامة والكاملة مع فكرنا العربي الإسلامي، والالتحاق بالغرب، وهذه -للأسف- هزيمة فكرية كما أشرنا، ولا تأتي لنا لا بالتقدم ولا بالنهضة، بل علينا ألّا نقلد الآخر، وإنما علينا أن نبدع من ذاتنا كما أبدع وننهض كما نهض. لذلك على الأمة أن تأخذ من الغرب مناهجه العلمية وأسلوب منطلقه في كيفية حصول هذا النهوض والتقدم، لكن الغرب يريد من كل الأمم أن تقلده فقط فيما سار عليه وأن يبقوا مستهلكين، من أجل يكونوا تابعين لا مبدعين. وفي قضايا الحريات وحقوق الإنسان وحريات التعبير، لم يكن الغرب صادقًا وجادًّا لكل الإنسانية، وهذا ما جرى في قضية فلسطين المحتلة، وغزة وقضايا كثيرة حصلت قبل ذلك، كذلك ما جرى لطلاب الجامعات الغربية عندما عبروا عن انتقادهم لدولهم في تعاطيها مع ما يجري في فلسطين من قتل وإبادة جماعية وتهجير وتجويع إلخ..

والإشكال أن بعض الكتاب العرب وبالأخص الذين تأثروا بفكر التغريب، وتتلمذوا على أيدي بعض المستشرقين، وأخذوا عنهم بعض الآراء التي كانت غير منصفة في كثير مما قالوا، عن أمة العرب وحياتها وتاريخها، ولم تكن عادلة، وهم ممن سبقوا الحملات الاستعمارية لاحتلال الكثير من بلدان العرب، ولهم أبحاث ودراسات منها: الحرية وحقوق للإنسان والفكر والفلسفة ليس لها أثر فعلي في حياة العرب، لكنهم -الكتاب العرب المتأثرون بالحضارة الغربية- يسكتون أو يتجاهلون ما فعله الغربيون في إسبانيا بعد سقوط الحكم العربي الإسلامي، حيث إنهم لم يتركوا مسلمًا يعيش بدينه وقيمه وثقافته، بل فُرضوا على المسلمين، إما التنصر أو القتل أو الطرد من الأندلس، وهو ما يسميه الباحثون الغربيون أنفسهم بـ(محاكم التفتيش)، وهي محاكم واضحة الأهداف من حيث القمع والقهر والاستبداد، إذ تسعى هذه المحاكم لتفتيش الناس واكتشاف عقائدهم وتوجهاتهم الفكرية بالقوة القاهرة. لذلك حُورب المسلمون في إسبانيا حربًا شعواء -ليس هنا مقام السرد والكشف لما جرى للمسلمين في إسبانيا بعد سقوط الحكم العربي الإسلامي- إذ لم يتركوا لهم المجال أن يعيشوا بدينهم وهم ربما بمئات الألوف إن لم يكن بالملايين. وهذا يبرز أن الحرية والاختيار الديني للحضارة المسيحية لم تكن تتاح للآخر المختلف، لكن في المقابل، نرى أن الإسلام عندما ساد العراق ومصر والشام وبلاد فارس وتركيا، لم يرفض أصحاب الديانات الأخرى، لا سيما الديانات التوحيدية: (اليهودية والنصرانية)، فقد أعطاهم حقوقهم في العيش الكريم والاستقرار والبقاء على دينهم، وبقيت معابدهم وكنائسهم موجودة حتى الآن في هذه الدول، وهذا دليل حرية الاختيار، دون فرض أو قصر، وهناك حديث للنبي -عليه السلام- يقول:(من آذى ذميًّا فأنا خصيمه يوم القيامة).

وهذا يدل أن هناك حرية وحقوقًا ضمنها الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى، وهذه هي إحدى قيم الحرية، التي يجب أن تكون حقا إنسانيا. وعندما بزغ فجر الإسلام كانت دعوته ناصعة وواضحة في مسألة الحق في الحرية الإنسانية ومنطلقاتها، وفي إعطاء الإنسان الحق في الحرية والكرامة بما أرساه الإسلام من مفاهيم أوجبت هذا الحق لكل بني البشر دون تمييز أو إقصاء، ومنحهم حق الاختيار في الاعتقاد، ولم يُكره أحدًا على اعتناق هذا الدين، وهذا ما تحقق في قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (سورة يونس الآية 99). وهذه القيمة العظيمة التي أرساها الإسلام لحرية الدين، أسهمت في تحرر الفرد من الخوف والشعور بامتهان الكرامة الإنسانية، وأصبح الناس سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، والجهد والعلم والدين.. كما جعل الإسلام الاعتقاد والإيمان خاصًّا بالإنسان واختياره بحريته، دون إجبار أو قهر في أن يعتقد ما يشاء ويؤمن عن بيّنة وإدراك وقناعة.

ومن هنا فإن الإسلام أعلى من شأن حرية الرأي والتعبير في الحدود التي لا تتعدى حرية الآخرين أو المساس بهم دون وجه حق، وكما يقول د.منيب محمد ربيع: الإسلام لم يدخر جهدًا في إعطاء هذه الحرية جل عنايته واهتمامه باعتبارها الوسيلة المثلى لنشر الدعوة وإعلانها وإعلاء شأنها عن طريق تفهم جوانبها ومواجهة الناس بها، يقول تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (سورة آل عمران،آية 104).

فحرية الرأي تضمن للإنسان عرض أفكاره على الغير وإقناعهم بها ثم يحمل كل وزره ما دام قد كُشِف له الحق القائم على الدليل. وهذه الحرية مكفولة للجميع من مسلمين وأهل كتاب، ما دامت لا تحمل على الفوضى أو تشير إلى الفساد والإفساد». والإشكال فيما برز من البعض ممن يتحدث عن الحرية، وهو يناقضها، ويستخدم الحرية، استخدامًا مضادًا للحرية نفسها، عندما يعتدي على حرية الآخرين، باسم الحرية، ومنطلقاتها الرائعة وهو ما يحصل في الغرب بعد السابع من أكتوبر الماضي، فهنا لا تستقيم مضامين الحرية في أن تكون عدوانًا على حرية الآخرين، إذا ما أردنا أن نحدد ما الحرية؟ وما محدداتها؟ بل إنها تنعدم مع أننا نرفعها شعارًا مضادًا لهذه القيمة العظيمة في الحياة الإنسانية.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الحرية المصري: وقفات الشعب المصري بساحات المساجد تؤكد رفض مصر القاطع لجرائم إسرائيل أمام العالم

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

ثمن حزب الحرية المصري، احتشاد ملايين من المصريين في وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني تحت عنوان "لا التهجير والإبادة"،  وذلك عقب أداءهم صلاة عيد الفطر المبارك في مئات الساحات والمساجد والمراكز الإسلامية، بكل المناطق بمحافظات مصر كافة، وشملت هذه الحشود الغالبية الكبيرة من الساحات المخصصة لتلك الصلاة، وعددها على مستوى الجمهورية 6240 ساحة بجميع المحافظات.

وقال النائب احمد مهنى، نائب رئيس حزب الحرية المصري والأمين العام وعضو مجلس النواب، إن الشعب المصري لا ينسى اشقاءه وفي أشد لحظات الفرح يذكر ألام الشعب الفلسطيني ويرفض رفضا قاطعا التهجير ومخططات الإبادة الجماعية التي تنفذها اسرائيل بإدارة أمريكية للضغط على الشعب الفلسطيني وقتل القضية للابد.

واضاف عضو مجلس النواب، أن الشعب المصري يجدد ويؤكد دعمه للقيادة السياسية وقراراتها أمام العالم أجمع في هذه الوقفات، ويؤكد على استعداده لتحمل جميع التبعات التي تتعلق بهذا القرار وإنه كان وسيظل خلف رئيسه ووطنه، دون المساس بالوطن ومقدراته من اي طامع أو معتدي، فالشعب المصري قدم روحه فداءا في السابق وعلى استعداد أن يقدم كل غالي وثمين من أجل رمال هذا الوطن.

واشاد مهنى، بتركيز الحشود على عدة رسائل سياسية مباشرة وهي الدعم الكامل للقيادة السياسية المصرية في كل مواقفها الثابتة الرافضة للعدوان الدموي على غزة، والمساندة تماما للشعب الفلسطيني الشقيق وحقوقه منذ بدء هذا العدوان. والرفض الكامل والمستمر من الشعب المصري لمخططات تهجير الأشقاء الفلسطينيين من أراضيهم. الإدانة التامة لحرب الإبادة على قطاع غزة، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ مواقف سريعة حاسمة ضدها. وايضا الرفض القاطع لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والتي لن يتم حلها سوى بحصول الشعب الفلسطيني الشقيق على حقوقه المشروعة، وهذا كله يؤكد أننا بصدد شعب واعي يعرف ماهية الوضع جيدا ويشارك في صنع القرار بكل قوة وثبات.

مقالات مشابهة

  • ميلوني تحذر: الرسوم الأمريكية تهدد الاقتصاد الأوروبي وتُضعف الغرب
  • الحرية الأكاديمية في خطر: قرارات ترامب تهدد تمويل الجامعات الأميركية
  • عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور
  • بوقعيقيص: نحن مخدوعون بديمقراطية الغرب
  • بفقدان المليشيا لأراض واسعة أصبح لديها حرية أكبر للحركة والهجوم
  • ترامب: الهجمات على الحوثيين ستستمر حتى يزول خطرهم على حرية الملاحة
  • الحرية المصري: وقفات الشعب المصري بساحات المساجد تؤكد رفض مصر القاطع لجرائم إسرائيل أمام العالم
  • هل إيران في مسار تصادمي مع الغرب؟
  • ماذا يريد الغرب وكياناتنا القُطْرِيَّةُ؟
  • زوبية: الإسلام دين عقل ومنطق وليس نقل تفاسير من ألف سنة