بابٌ في أنّ بذل المال لأهل غزّة مقدّمٌ على حجّ وعمرة النّافلة في الشريعة الإسلاميّة
تاريخ النشر: 15th, May 2024 GMT
ثمانية أشهر مرّت بطيئة ثقيلة منذ بدء المذبحة المروعة في غزّة؛ وكلّما مرّ يومٌ انجلى بعضُ الغبار عن الصورة ليتضح أنّ تبعات المذبحة أكبر من المتخيّل وأطول من المتوقّع.
والأزمات الطويلة لا ينفع معها الهبّات الإغاثيّة العاجلة السريعة فحسب؛ ولا يصلح معها التفاعل العاطفيّ والإغاثيّ اللّحظيّ مع مشاهد القتل والتدمير والمجازر المروعة، بل لا بدّ من بقاء البذل مستمرّا والتحريض والحثّ عليه باقيّا ما دامت المعركة قائمة، وما بقيت آثارها مستمرة بعد توقفها.
المسألة محلّ البحث
ونحن في شهر ذي القعدة ومقبلون على موسم الحجّ؛ فإنّ الملايين من المسلمين يسارعون إلى أداء فريضة العمرة الأولى أو فريضة الحجّ الأوّل، وهؤلاء مأجورون وليسوا معنيّين بالحديث عن المسألة المطروحة اليوم؛ بينما نجد الملايين أيضا يؤدّون عمرة النّافلة أو حجّ النّافلة، بمعنى أنّهم أسقطوا عنهم عمرة الفريضة أو حجّ الفريضة ويرغبون في أداء المزيد من العمرة أو الحجّ، وهؤلاء ينفقون مئات الملايين على حجّ النّافلة وعمرة النّافلة؛ فهل الأولى إنفاق هذه الأموال على عمرة وحجّ النّافلة أم إرسالها إلى أهلنا الذين يتعرضون لأبشع مذبحةٍ في غزة، ومثل غزة كل مكان يذوق فيه المسلمون ويلات العدوان ومجازر الطغيان؟
الإغاثة مقدّمة على حجّ وعمرة النّافلة في الرّخاء فكيف في ظل المذبحة؟
ممّا قرّره الفقهاء عامّة ووردت به الآثار المتضافرة هو تقديم إغاثة المحتاجين على عمرة وحجّ النّافلة، وهذا في زمن الاستقرار والرّخاء العامّ فكيف في نازلة عظيمة كنازلة المذبحة والحرب الإجراميّة على غزة؟
ممّا قرّره الفقهاء عامّة ووردت به الآثار المتضافرة هو تقديم إغاثة المحتاجين على عمرة وحجّ النّافلة، وهذا في زمن الاستقرار والرّخاء العامّ فكيف في نازلة عظيمة كنازلة المذبحة والحرب الإجراميّة على غزة؟ عندها يكون تقديم البذل للمنكوبين أشد توكيدا وهو أعظم أجرا بكثير من أداء مناسك التطوّع.
ومن هذه الآثار التي تضافرت على تأكيد هذه الحقيقة؛ ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" عن سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: "لَأَن أَقُوتَ أَهلَ بَيتٍ بِالمَدِينَةِ صاعا كلَّ يومٍ، أَو كلَّ يَومٍ صَاعينِ شهرا، أَحبُّ إِلَيَّ مِن حَجَّةٍ فِي إِثرِ حَجَّةٍ".
وأخرج عبد الرزاق -واللّفظ له- وابن أبي شيبة في "مصنفيهما" عن الثّوري، وسأله رجل فقال: الحجّ أفضل بعد الفريضة أم الصدقة؟ فقال: أخبرني أبو مسكين، عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إذا حجَّ حِجَجا، فالصدقة"، وكان الحسن يقول: "إذا حج حجّة".
وأخرج الإمام أحمد في كتاب "الزّهد" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: "يقُولُ أَحَدُهُمْ: أَحُجُّ أَحُجُّ، قَدْ حَججْتَ؛ صِل رَحِما، نَفِّس عَنْ مَغمُومٍ، أَحْسِن إِلَى جَارٍ".
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن الشعبي أنّ رجلا جاءه فسأله: "إنّي قد تهيّأتُ للخروج، ولي جيران محتاجون متعففون، فما ترى إلى جعل كِرايَ وجهازي فيهم، أو أمضي لوجهي للحجّ؟ فقال: والله إنّ الصّدقة يعظم أجرها، وما تعدل عندي موقفا من المواقف، أو شيئا من الأشياء".
وكلّ هذه الآثار إنّما تتحدّث عن أفضليّة الصّدقة على حجّ وعمرة النّافلة في غير وقت الأزمات الجماعيّة الكبيرة؛ فهذا يدلّ أنّ بذل الأموال المخصّصة لحج وعمرة النّافلة لأهلنا الذين يعيشون القتل والتدمير في غزة أعظم أجرا وأفضل بكثير من أداء مناسك التطوّع.
أفضليّة بذل المال لأهلنا في غزة على حجّ وعمرة النّافلة في ظل فقه الموازنات
عموم القواعد الفقهيّة التي تقوم على الموازنة بين جلب المصالح ودرء المفاسد أو الموازنة بين القاصر والمتعدّي أو الموازنة بين الضّروريّات والتّحسينيّات؛ تؤكّد أنّ بذل الأموال لأهلنا في غزة مقدّم على بذلها لأداء حجّ وعمرة النّافلة.
ومن هذه القواعد؛ قاعدة "درءُ المفاسد مُقدّم على جلب المصالح،" ففي أداء عمرة وحجّ النّافلة جلب مصلحةٍ للمرء بينما في بذل المال للمنكوبين درء مفسدة عظيمة وقعت عليهم بل على عموم المجتمع الإسلاميّ، ورفع هذه المفاسد أولى وأعظم وأهمّ من جلب المصالح الذّاتيّة.
وكذلك من القواعد الفقهيّة كذلك "المتعدّي أفضل من القاصر"، وقد صاغها الفقهاء بعبارات عديدة منها "القربة المتعدية أفضل من القاصرة"، و"الحسنة المتعدية إلى الغير أفضل من القاصرة على الفاعل"، وقد استثنى الفقهاء من ذلك الفروض العينيّة.
عموم الآثار والقواعد الفقهيّة وأقوال الأئمة الأعلام تؤكّد أنّ بذل الأموال المرصودة لحجّ النّافلة أو عمرة النّافلة لأهلنا في غزة في ظل هذه المذبحة وحرب الإبادة الصّهيونيّة أعظم أجرا من أداء هذه المناسك التطوعيّة، فمن ابتغى الأجر الأعظم فعليه صرف هذه التّكاليف لصالحهم وألّا يستهين بما يبذل أو يقدّم،
وهذه القاعدة تؤكّد أنّ إنفاق تكاليف حجّ وعمرة الناّفلة القاصرة على فاعلها لصالح أهلنا في غزة الذين يذوقون أصناف شتى من المعاناة أعظم بكثير؛ لأنّها تتعدّى إلى الغير وتتعدد منافعها التي تقوم على إحياء الإنسان وتخفيف آثار الذبحة والكارثة عن المنكوبين.
ومن تعبيرات الأئمة عن هذه الموازنات ما جاء في "مواهب الجليل شرح مختصر خليل": "سئل مالك عن الغزو والحجّ أيهما أحبّ إليك؟ قال: الحجّ إلا أن يكون سنة خوف؛ قيل: فالحج ّوالصّدقة، قال: الحجّ إلا أن تكون سنة مجاعة".
ومن الموازنات المهمّة في هذه المسألة الموازنة بين الضروريات والحاجيّات والتحسينيات؛ فحجّ النّافلة يندرج في رتبة التحسينيّات، بينما إنقاذ الأرواح وإحياء النّاس وإغاثتهم في هذه المذبحة العظيمة يندرج تحت رتبة الضّروريّات، والضروريّات مقدّمة على غيرها من الحاجيّات والتحسينيّات.
إنّ عموم الآثار والقواعد الفقهيّة وأقوال الأئمة الأعلام تؤكّد أنّ بذل الأموال المرصودة لحجّ النّافلة أو عمرة النّافلة لأهلنا في غزة في ظل هذه المذبحة وحرب الإبادة الصّهيونيّة أعظم أجرا من أداء هذه المناسك التطوعيّة، فمن ابتغى الأجر الأعظم فعليه صرف هذه التّكاليف لصالحهم وألّا يستهين بما يبذل أو يقدّم، فالنّاس اليوم بحاجةٍ إلى أيّ مالٍ يقيم صلبهم أو يؤويهم من تشرّد أو يؤمنهم من خوف أو يعينهم على الثبات في وجه الإجرام الصّهيوني.
twitter.com/muhammadkhm
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه العمرة غزة الصدقة غزة العمرة الحج تبرعات صدقة مقالات مقالات مقالات اقتصاد سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة لأهلنا فی غزة الموازنة بین أعظم أجرا الفقهی ة عمرة وحج تؤک د أن من أداء ة أعظم على حج
إقرأ أيضاً:
حكم دفع رشوة للحصول على وظيفة.. الإفتاء توضح
قالت دار الإفتاء المصرية، إن الرشوة محرمة شرعًا بكل صورها بنص الكتاب والسنة؛ فقال- تعالى-: )وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، وقال النبي "صلى الله عليه وسلم": «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش».
وأوضحت أن هناك من يذهب لقضاء مصلحة له ويعطي الموظف شيئًا من المال حتى ينهي له عمله؛ أو من لا يجد وظيفة إلا بهذه الطريقة فيعطي الذي يمنح له العمل رشوة مقابل توظيفه، فهذا حرام وهي أبشع ما يفعله الإنسان؛ لأنها تدعو لانتشار الفساد، فيجب على كل إنسان منا أن يرفض هذا الأمر، بأن يجعل الموظف ينهي له مصلحته دون أن يدفع رشوة، هذا ما أفتت عليه دار الإفتاء.
وأضافت دار الإفتاء أن الرشوة حرام، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله الراشي والمرتشي”.
وأشارت إلى أن العلماء انقسموا لقسمين، منهم من قال إن الرشوة حرام مطلقًا، والقسم الثاني قال لو لم يحصل على الوظيفة إلا بهذه الطريقة وفى نفس الوقت لم يأخذ حق أحد ولا يعتدي على حق غيره فيجوز له دفع الرشوة من باب الضرورة، ويكون الحرام على الذي يأخذ منك المال.
الفرق بين الرشوة والإكراميةالرشوة محرمة بنص الكتاب والسنة؛ فهى بكل صورها محرمة شرعًا، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وقول النبى: «لعن الله الراشى والمرتشى والرائش»، فضلًا عن انه لا يوجد شئ يسمى إكرامية، فهناك من يذهب لمكان لقضاء مصلحة له فيدفع مالًا هذا المال يسمى رشوة، فهناك ثلاثة أطراف فى القضية وهما الراشي وهو صاحب مصلحة والمرتشي الذي يقضي المصلحة والرائش وهو الذى قال للراشي أن دفعت مالا لهذا الرجل سيقضى لك مصلحتك، فهؤلاء الثلاثة مثل بعضهم فى الإثم والمصيبة وهما ملعونين من الله عز وجل.
أما من يطلقون على الرشوة إكرامية أو “شاي” كما هو مندرج بين الناس، فيلجئون لتغيير المصطلحات حتى يخفون من حدة كلمة رشوة لإكرامية، فهناك من يذهب لقضاء مصلحة ما ويعطي الموظف مالًا ليقضي له ما يريد هذا المال يسمى رشوة، أما من يذهب لقضاء مصلحة له وساعده موظف من نفسه ولم يأخذ حق أحد أو لم يؤذى أحد وأنهى له الموظف ما يريد ثم بعد ذلك أعطى له مال هذا المال يسمى إكرامية أى أنه أعطى له مالًا على أتعابه لأنه ساعده فى ذلك، وليس إعطاء مالًا له حتى يأخذ حق أحد أو إنهاء قضاء مصلحة له.
فلو أن كل إنسان يأخذ حقه فقط سواء أكان ذلك بوظيفة بالتعيين أو عمل أو تخليص أمر فلن يحدث كل هذا، فالقوانين وحدها لا تكفى.