د. عمرو محمد عباس محجوب

افتتحت أريانا هافنجتون المعلقة السياسية ومؤسسة الموقع الالكتروني "ذي هافينغتون بوست" قسما بعنوان "هل أميركا في طريقها الى أن تصير دولة من العالم الثالث؟ ". وللإجابة على هذا السؤال المعقد ومتابعة ودراسة وتحليل المصاعب والتحديات التي تتعرض لها الطبقة الوسطى في أميركا وإيجاد لروابط بينها وبين انحسار مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية والعلمية والتقنية في العالم، وما الذي يعنيه ذلك لقدرة واشنطن على الإبحار في عالم تزداد فيه التحديات "للقيادة الأميركية" في مختلف هذه المجالات.

وشخصياً فان ما حدث في الأشهر الستة الماضية في سلوكيات الولايات المتحدة تجاه الاحتجاجات الشعبية والطلابية يشابه اجراءات حكومات العالم الثالث.

عندما اعتصم طلاب جامعة كولومبيا، يوم ١٨ أبريل ٢٠٢٤، ذات التاريخ الطويل من الأنشطة الطلابية القوية منذ مظاهرات عام 1968 ضد حرب فيتنام وفي ذلك التاريخ دعا رئيس الجامعة آنذاك، بالسماح لشرطة نيويورك باقتحام الحرم الجامعي. وفي عام ١٩٨٥ دعا طلاب كولومبيا لمقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. واصبحت فعلاً جامعة كولومبيا أول جامعة أمريكية تقاطع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

عندما استدعت رئيسة الجامعة يوم ١٨ أبريل ٢٠٢٤ الشرطة لفض الاعتصام، ودخلت الشرطة واستعملت عنفها المفرط المعهود واعتقلت الطلاب، انتشرت الاحتجاجات، والتي تشارك فيها منظمات يهودية، ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، وادانة نظام الفصل العنصري والإبادة بالسلاح الأمريكي في مدن وعواصم الولايات المتحدة وفي شتى أنحاء الجامعات الأمريكية، اخيراً طفا على سطح الاحتجاجات وظهر مطلب وحيد للطلاب: سحب الاستثمارات من إسرائيل. وكما فعلت ادارة الجامعة دائماً فقد استدعت الشرطة للتدخل. هذا مجرد قمة الثلج من المصالح الضخمة الدولية الإمبراطورية التي تربط كل ممثلي البراديم الامبراطوري حول العالم، ويهددها بشكل حقيقي. هذا ليس نشاط سياسي او أكاديمي او مجرد تحركات عملياتية، لكنها تغيرات مفاهيمية عميقة غيرت طلاب ارقى معاقل المعرفة والفكر والعلم.

عبر الإعلام الرسمي للإمبراطورية واجهزة العنف المفرط اثناء الحرب الباردة رفعت تهم العمالة حتى سقوط السوفيت، بعدها تم رفع رايات الارهاب ضد افكار الحرية والإنصاف، ثم عندما بدات الإمبراطورية في الاهتزاز والارتباك بعد حرب الإبادة الصهيونية، رفعت تهم معاداة السامية ضد الاحتجاجات. لقد وصل هستيريا الخوف من الاحتجاجات إلى تدخل الموساد الإسرائيلي في الأراضي الأمريكية في تهديد الطلاب وخطابات متهافتة وسخيفة وتهديدية من نانسي بيلوسي رئيسة الكونقرس الديمقراطية السابقة، مايك جونسون رئيس الكونقرس الجمهوري الحالي، وكاملا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي وكافة قادة الإمبراطورية الأمريكية.

على وقع اقتحام الشرطة لجامعة كولومبيا، بدأت الجامعات في التضامن، والملاحظ انتشارها اولاً في جامعات النخبة التي ترفد الدول بقادتها المستقبليين مثل هارفارد وييل وبركلي ومعهد التكنلوجيا وبعدها انتشرت في كثير من الجامعات الامريكية ، وحتى المدارس الثانوية، ثم انتقلت لمعهد الدراسات السياسية والسوربون وغيرها في فرنسا والكلية الجامعية بلندن وجامعة سيدني بأستراليا والجامعات الاوربية الأخرى واليابان ونيوزيلندا والحبل على الجرار والتي سوف تنتشر في الكوكب كله.

بدات الإدارات في البداية تجاهل الاحتجاجات ولكن مع تصاعدها غيرت الاستراتيجيات إلى شيطنة هذه الاحتجاجات بمعاداة السامية وغيرها وعند فشلها انتقلت للعنف المفرط في الاعتقالات والتهديدات بالطرد وقطع أرزاق هيئة التدريس وتفريق الاعتصامات بالقوة وغيرها وبعدها انتقلت للتصلب في المفاوضات تحت ستار هائل من الإعلام المضلل، ودبلوماسية التشتيت والتحريض. حدث هذا في حرب فيتنام مع امبراطورية قوية وتعتيم إعلامي كامل ومع مقاطعة الأبارتايد في جنوب أفريقيا وسوف تنتصر مع امبراطورية اصابها الخرف والأزمات المتلاحقة والإضطراب والمقاومة والضربات من الشعوب المضطهدة والشعب الأمريكي.

الجيل الجديد من الطلاب (ما يسمى جيل زد) وعبر اعلامهم الموازي وسقوط حاجز الخوف من اجهزة العنف المفرط، أسقطت الاحتجاجات سردية الكيان الصهيوني وسرديات الإمبراطورية (الإمبريالية) والغرب المتهافتة وتصهين اطراف اخرى. تراوحت الاحتجاجات من مواقف حول الإبادة وإيقاف الحرب وجرائم الاحتلال إلى الدفاع عن حرية التعبير للشعوب الأمريكية والغربية. من الصعب رسم صورة محددة لما سوف يتمخض عنه هذه الاحتجاجات، لكنها خطوات في طريق طويل من استعادة الديمقراطية والعدالة للشعوب.  

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

بعد الضغوط عليها..استقالة رئيسة جامعة كولومبيا

أعلنت جامعة كولومبيا، استقالة الرئيسة المؤقتة للجامعة كاترينا أرمسترونغ، من منصبها في وقت تواجه فيه الجامعة في نيويورك مقراً ضغوطاً شديدة من الحكومة والمدافعين عن حقوق الإنسان، بسبب تعاملها مع احتجاجات داعمة للفلسطينيين في العام الماضي.

وقالت الجامعة في بيان، الجمعة، إن أرمسترونغ ستعود لقيادة مركز إيرفينغ الطبي بالجامعة. ولم تذكر سبباً لهذا التغيير.

???? ????Another resignation. That’s SIX DOWN. And so many to go. https://t.co/9VzVnuVoq3

— Elise Stefanik (@EliseStefanik) March 29, 2025

وجاء في البيان: "عينت الرئيسة المشاركة لمجلس الأمناء كلير شيبمان رئيسة قائمة بالأعمال اعتبارا من الآن، وستعمل حتى يكمل المجلس بحثه عن رئيس".

وجاء ذلك بعد إلغاء إدارة الرئيس دونالد ترامب 400 مليون دولار من التمويل الاتحادي للجامعة قائلة إنها تقاعست عن مكافحة معاداة السامية، وضمان سلامة الطلاب وسط احتجاجات شهدها الحرم الجامعي في العام الماضي على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

ووافقت جامعة كولومبيا في الأسبوع الماضي على التغييرات التي طالبت بها إدارة ترامب، ما أثار غضب المدافعين عن حقوق الإنسان الذين وصفوا ذلك باعتداء على حرية التعبير.

وفي رسالة بريد إلكتروني في ذلك الوقت، كتبت أرمسترونغ أن أولوياتها هي "تعزيز مهمتنا وضمان استمرار الأنشطة الأكاديمية وجعل كل طالب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين آمنين ومرحباً بهم في حرمنا الجامعي".

مقالات مشابهة

  • واشنطن بوست: حرب ترامب على الجامعات تضع الولايات المتحدة في خانة الاستبداد
  • علماء ألمان يكتشفون كائنات دقيقة حفرت أنفاقًا في صخور صحراوية قبل مليوني عام
  • بعد الضغوط عليها..استقالة رئيسة جامعة كولومبيا
  • إيكونوميست تحذر إسرائيل من توسعها المفرط
  • حروب تُدار عبر «سيغنال»!
  • علماء: الاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة عادة ضارة
  • (أبو علي) اليمني الذي أدهش العالم بشجاعته وثباته أمام الصواريخ الأمريكية المعتدية على اليمن (كاريكاتير)
  • بوتين يعلق على نوايا ترامب بشأن غرينلاند ويحذر من حروب محتملة
  • المعارضة التركية تدعو مجددا لـتوسيع الاحتجاجات ضد سجن إمام أوغلو
  • بسبب التدخين المفرط.. مستشفى عراقي يستقبل حالة طارئة لمنتسب ثلاثيني