لجريدة عمان:
2025-04-06@02:33:00 GMT

الحرية الأكاديمية وتطلعات المجتمع

تاريخ النشر: 11th, May 2024 GMT

تنطلق الحرية الأكاديمية أساسا من حقوق الإنسان المتأصلة في التعليم والتعلُّم واكتساب المعارف، فمنذ اتفاقية اليونسكو المناهضة للتمييز في التعليم في العام 1960، اكتسب حق التعليم قانونية شرعية، ورغم أن المصطلح تم استخدامه للمرة الأولى في عام 1915، وعُقد أول مؤتمر للحُرية الأكاديمية في عام 1925 في الولايات المتحدة، إلاَّ أنه لا توجد إلى الآن حسب الأدبيات المتوفرة وثيقة متكاملة للحُرية الأكاديمية، سوى تلك المواثيق التي أطلقتها بعض المؤتمرات والاجتماعات الدولية التي تُحدِّد المفهوم والواجبات؛ بدءا من مؤتمر سيينا الذي عقدته الرابطة الدولية لأساتذة ومحاضري الجامعات في عام 1982، وليس انتهاءً بالمؤتمر العلمي الثاني للحُريات الأكاديمية في الجامعات العربية، الذي نظمه مركز عمَّان لدراسات حقوق الإنسان بالتعاون مع مجموعة من المؤسسات الأكاديمية العربية وجامعة الأمم المتحدة في عام 2008.

ولعل تلك المساهمات التي حاولت تعقيد مفاهيم تلك الحُرية وقدرتها على إحداث تغيير وأثر ذلك على المستوى الأكاديمي، وإمكانات الدعم الذي يمكن أن تقدمه المؤسسات الأكاديمية من خلال تنشئة أجيال قادرة على التعبير عن رأيها بما يخدم مجتمعها ومدى مساهمته الفاعلة في المؤسسات المدنية الداعمة للأهداف الوطنية، ولذلك فإن تعريف الحُرية الأكاديمية - حسب إعلان ليما الصادر في عام 1988 - بأنها تلك الحُرية التي يكتسبها الأكاديمي من خلال «التدريس والبحث والنشر والتحدُّث» ضمن الأوساط الأكاديمية، لا يعني الأستاذ الجامعي وحده بل أيضا المتعلِّم الذي يحق له تلك الحُرية وفق السياسات الأكاديمية المتاحة.

إن هذه الحُرية تستوجب إيجاد البيئة المناسبة للممارسة، وهي بيئة ممكِّنة للأكاديميين والطلاب معا، فكلاهما يستطيع أن يتحدث ويكتب وينشر بحُرية ضمن السياسات التي يحددها القانون وكلما كانت تلك الحُرية أوسع آفاقا كلما استطاع كلاهما التعبير عن رأيه والمشاركة بشكل أكثر انفتاحا، ولهذا فإن الحُرية الأكاديمية وفق تلك المفاهيم تتعلَّق بقدرة المؤسسات الأكاديمية نفسها على تهيئة البيئة المناسبة وضمان ممارسة الحقوق المتعلِّقة بها ضمن منظور منفتح، يهدف إلى تطوير مفاهيم الحُرية وإيجاد أجيال قادرة على البحث والنشر والتعبير عن الرأي وطرح التساؤلات الجادة.

وعليه فإننا لو نظرنا إلى الحُرية الأكاديمية من منظور حقوق الإنسان بشكل عام، سنجد أنها تطوُّر أساسي لتلك الممارسات التي تحفِّز على العطاء البحثي والقدرة على الإبداع من ناحية، وتدريب فعلي للمنتسبين لمؤسسات الأكاديمية على حُرية الرأي التي تنطلق من الوظائف الفكرية والنقدية التي تقوم عليها تلك المؤسسات، ولهذا فإن المساحة التي تمنحها المؤسسة للأساتذة والطلاب تختلف باختلاف قناعاتها وإيمانها بأهمية تلك الحُرية وقدرتها على تعزيز الدور الأكاديمي للمؤسسة، وبالتالي إمكانات تلك الحُرية على بناء مفاهيم جديدة للمنظومة الأكاديمية ككل.

يُحدثنا مؤشر الحُرية الأكاديمية 2024، الصادر عن جامعة فلوريدا أتلانتيك (FAU)، عن تلك المعاناة التي تعانيها الحُرية الأكاديمية من تقييد على مستوى البحث العلمي والنشر وكذلك حُرية الرأي؛ غير أن بعض المؤسسات الأكاديمية تبذل الكثير من الجهد بواسطة الخطاب المفتوح وإنتاج المعارف السليمة علميا والتعليم المنطلق من مفاهيم تلك الحُرية وقدرتها على حماية (الاستقلالية الجامعية)، و(النزاهة العلمية)، ولهذا فإن هذه الحُرية تقتضي (الاستعداد للدفاع عن الاستقلالية المؤسسية واتخاذ تدابير لتعزيز الحُرية الأكاديمية الفردية).

يسجل المؤشر تراجعا عاما للحُريات الأكاديمية في العالم؛ فبعد أن كان ما يقرب من 4 مليارات شخص يعيشون في سياقات الحرية الأكاديمية المحمية بشكل جيد في عام 2006، فإن هذا العدد قد انخفض في عام 2023 إلى 2.8 مليار شخص فقط، ويُعزى ذلك إلى ما يمُر به العالم من تطورات على المستوى السياسي والاجتماعي إضافة إلى التعقيدات المتعلقة بمستويات اتخاذ القرارات وحُرية الرأي في العديد من دول العالم، والتناقضات التي تعاني منها المجتمعات، لذا فإن المؤشر يسجِّل تراجعا في عشر بلدان منها (بنجلاديش والهند وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية).

إن ما يمُّر به العالم اليوم من متغيرات وتناقضات على مستوى الصراعات، وجَّه المؤسسات الأكاديمية في العالم إلى ممارسة الحُريات والمطالبة بحقوق تلك الحُريات؛ إذ شهدنا الكثير من الوقفات السلمية التضامنية أو الاحتجاجية في العديد من جامعات العالم، والجرأة في طرح القضايا المرتبطة بالعلوم الحديثة، ومتغيرات البيئة، إضافة إلى طرح قضايا الانتهاكات الجيوسياسية وغيرها التي نجدها بشكل أكثر جرأة في جامعات الوطن العربي، الأمر الذي يعكس الفهم العام لمستويات الحُرية الأكاديمية وقدرتها على إيجاد متنفَّس في المآزق التي تمر بها المجتمعات.

لقد قدَّمت المتغيرات الحالية مفاهيم جديدة للحُرية الأكاديمية ليس بفضل حق الجامعات في التعبير عن نفسها وحسب، بل أيضا الكشف عن مدى قدرة جامعاتنا على التعبير عن نفسها وفق معطيات المرحلة الحالية والتطلعات المستقبلية التي تواكب الأهداف الوطنية والإقليمية، وبالتالي فإن هذه الحُرية على الرغم من خصوصيتها إلاَّ أنها تشكِّل إحدى تلك الحُريات التي تؤثر على قدرة المجتمعات على إحداث أثر إيجابي على كافة القطاعات التنموية خاصة على المستوى البحثي والمعرفي وقدرتها على تلمُّس احتياجات المجتمع وأولوياته.

إن الحُرية الأكاديمية تمثِّل عنصرا من عناصر القوة للمؤسسات، وهذه القوة تحتاج دوما إلى إتاحة الفرص أمام الأكاديميين للتعبير عن قدراتهم في المشاركة المجتمعية؛ فعلى الرغم من أن الخدمة المجتمعية إحدى مقومات تقييم الأساتذة في المؤسسات الأكاديمية إلاَّ أن الكثير منهم لا يُلقي لها بالا سوى اعتبارها هدفا عليه تحقيقه بصرف النظر عن احتياجات مجتمعه أو أولوياته، والحق أن الأمر هنا لا يتعلَّق بمستويات التقييم بقدر تعلُّقه بمدى فهم أولئك الأكاديميين لمبادئ الحُرية التي يتمتعون بها، وقدرتهم على إدراك المسارات التنموية في أوطانهم؛ فالدور الأكاديمي الذي يقومون به لا يقتصر على التدريس بل يتسع ليكون جزءا أساسيا من البناء التنموي في كافة القطاعات.

ولهذا فإن اتساع مفاهيم الحُرية الأكاديمية لا يتعلَّق بالمؤسسات وحدها بل يشمل الأكاديميين أيضا، لأنهم المسؤولون عن ممارسة تلك الحُرية وآفاقها وتطلعاتها، وبالتالي عن إمكانات مواكبتها للمتغيرات والتحولات التي تمر بها المجتمعات؛ ذلك لأن الجامعات والكليات وغيرها من المؤسسات الأكاديمية إنما أُنشئت من أجل خدمة تلك المجتمعات تعليما وبحثا ومعرفة وابتكارا، الأمر الذي يعني أنها أداة أساسية في التطوُّر وإحداث القفزات التنموية في ظل الكثير من التحديات التي تواجهها، والحق أن الحُرية الأكاديمية مبدأ أساسي في مؤسساتنا الأكاديمية التي تحرص على إشراك الأساتذة والطلبة في كافة الممارسات الأكاديمية بدءا من السياسات المنظمة للعمل، والمبادرات والبرامج التي يقوم عليها العمل الأكاديمي، إضافة إلى الدعم البحثي المؤسسي، وتعزيز دور تلك المؤسسات في خدمة المجتمع.

إن الحُرية الأكاديمية تقتضي تمكين دور المؤسسات الأكاديمية، وتعزيز دور الأكاديميين والطلاب ليس من أجل التحصيل العلمي وحده بل أيضا من أجل تفعيل الدور التنموي لتلك المؤسسات، وقدرتها على المشاركة الفاعلة في تحقيق الأهداف التنموية، فلا توجد أماكن أفضل من الصروح الأكاديمية لطرح التساؤلات وفتح المناقشات التي تخدم الأهداف الوطنية، وتُعزِّز الدور الأكاديمي وتفتح آفاق البحث العلمي والأطروحات الجريئة التي تفضي إلى نتائج يمكن الإفادة منها في تغيير مسارات أو إحداث تطورات أو حتى وقف ممارسات لا تعود بالمنفعة على المجتمع.

عائشة الدرمكية باحثة متخصصة في مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المؤسسات الأکادیمیة الأکادیمیة فی وقدرتها على التعبیر عن الکثیر من فی عام

إقرأ أيضاً:

الذكاء الاصطناعي يتفوق في إعداد جداول المستشفيات

وضعت الوكالة الفرنسية للصحة والأداء الطبي والاجتماعي، الذكاء الاصطناعي أمام تحد غير مسبوق يهدف إلى قياس فعاليته في تحسين جداول تشغيل المستشفيات.
جاء الحكم واضحا لا لبس فيه: أُنجز 4 من بين أفضل 5 جداول باستخدام حلول الذكاء الاصطناعي، مما يدل على قدرتها على تقليل عبء العمل على مقدمي الرعاية وتحسين تنظيم المؤسسات.
خلال هذا التحدي، تنافس 20 مديرا تنفيذيا في مجال الرعاية الصحية على مدار يوم واحد. استخدم نصفهم جداول بيانات تقليدية بينما اعتمد النصف الآخر على خمسة حلول من الذكاء الاصطناعي.
قيمت لجنة التحكيم، المكونة من محترفين من القطاع، جودة الجداول وأعلنت تفوق الذكاء الاصطناعي.  
وتبين أن إتقان تنظيم وقت العمل أمر حاسم نظرًا لأن اثنين من المديرين التنفيذيين، الذين استخدموا نفس أداة الذكاء الاصطناعي، لم يحصلوا على نفس النتيجة.
يؤكد ماتيو جيرير، مدير قسم أداء الموارد البشرية في الوكالة "تظهر النتائج أن حلول الذكاء الاصطناعي فعالة وقادرة على توفير الوقت وتخفيف الضغط على الفرق. وصنفت 3 حلول للذكاء الاصطناعي ضمن أفضل 5 حلول لأفضل جدول. وهذا يوضح أن بعض الحلول يجب أن تكتسب الدقة حتى تكون متسقة تماما مع المؤسسات الصحية والطبية والاجتماعية. ولهذا السبب، سندعم القائمين عليها لتعزيز نضج حلولهم".
وأضاف جيرير "في الوقت نفسه، سنقدم لمؤسسات الرعاية الصحية دعما ميدانيا مخصصا لنشر الذكاء الاصطناعي لإدارة الجداول".
إطلاق مرصد
إلى جانب إدارة الجداول الزمنية، يمتلك الذكاء الاصطناعي العديد من مجالات التطبيق في حقل الصحة: ​​المساعدة في تشخيص الأمراض، تحسين تجربة المريض، وتخصيص الرعاية، وغيرها.
من أجل هيكلة ونشر الممارسات الجيدة، أطلقت الوكالة الفرنسية للصحة والأداء الطبي والاجتماعي والمديرية العامة لإمدادات الرعاية الصحية، مرصد استخدامات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة. تضم هذه المنصة الرقمية حاليا حوالي خمسين حالة استخدام ملموسة، وسيتم إثراؤها من خلال المراقبة النشطة ومساهمات المتخصصين في هذا القطاع.
يوضح ستيفان باردو، المدير العام للوكالة "ميدانيا، تعمل العديد من المؤسسات على تعبئة حلول الذكاء الاصطناعي التي تحدث فرقا. والتحدي، الذي يواجهنا، هو التعريف بهذه الاستخدامات وتوثيقها ومشاركتها حتى تتضاعف في فرنسا".

أخبار ذات صلة الإمارات تشارك في «القمة العالمية للذكاء الاصطناعي» في رواندا علماء يطورون رقاقات ذات سمك على مستوى الذرات المصدر: الاتحاد - أبوظبي

مقالات مشابهة

  • ألمانيا تشهد تفوق تركيا في الرعاية الصحية
  • الذكاء الاصطناعي يتفوق في إعداد جداول المستشفيات
  • في يوم الطفل الفلسطيني.. الاحتلال الإسرائيلي يعتقل أكثر من 350 طفلًا
  • مؤسسات الأسرى: 350 طفلا فلسطينيا في المعتقلات الصهيونية
  • نضج المساهمة الاجتماعية للمؤسسات
  • الاتحاد السكندري يفوز على مركز شباب الحرية 7 / 0 استعدادًا لمواجهة الإسماعيلي في الدوري
  • «المتحدة» تُعيّن سمير عمر رئيسًا لقطاع الأخبار
  • خلال زيارة نيافة الأنبا يوسف.. وزيرة الخارجية البوليفية تشيد بالخدمات التي تقدمها الكنيسة القبطية
  • معركة استرداد الديمقراطية مفتوحة
  • موجة تسريحات ضخمة تهز المؤسسات الصحية الأمريكية