يعرف بنيامين نتنياهو القصة. سيكون صمتُ المدافع أشدَّ شراسة من دويّها. سيقف عارياً أمام السهام المنطلقةِ من كل الشبابيك. لا رحمة ولا أسباب تخفيفية. ستفلت الثعابينُ للدغه. ثعابينُ المعارضة. وثعابين شركائه في التحالف. وثعابينُ المؤسسة العسكرية والأمنية. ستكون هناك اتهاماتٌ ولجان تحقيق وربما محاكمات وقد يشعر بالقلق في بعض مطارات العالم.
إذا صمتتِ المدافع الآن سيشمُّ رائحة النهايات. وعدهم برأس رفح. ورأس يحيى السنوار. ورأسِ محمد الضيف جنرال «القسام». صحيح أنَّه يستطيع الإشارة إلى جثث كثيرة، لكنَّه لم يرجع بالرؤوس التي يمكن أن تمتصَّ غضبَ المتربصين به. لهذا يصرُّ على الفصل بين الهدنة وإنهاء الحرب.
إذا خرج السنوار من النَّفق بعد صمت المدافع سيجد صعوبة في التعرف على أحياء غزة. دمَّرها نتنياهو وغيَّر ملامحها. جعلها غيرَ صالحة للحياة أو السكن. يعرف السنوار أيضاً أنَّ الأسئلة ستنطلق من الخيام. ومن تنظيمات أخرى. ومن شبابيكَ عربيةٍ ودولية. ثمة من سيعقد مقارنة بين عدد من سيفرج عنهم من الأسرى الفلسطينيين وهذا البحر من الجثث الذي أنجبته آلة القتل الإسرائيلية. ستصل إلى مسامعه بالتأكيد عباراتٌ صعبة. سيُقال إنَّ من نتائج هذه الحرب خروجَ غزة من الشَّق العسكري فيها. وإنَّ الحل المطروح وهو إطلاق مسار لحل الدولتين لا يلحظ مكاناً لـ«حماس» لأنَّه مرهون باعتراف الدولة الفلسطينية الموعودة بإسرائيل التي ستحظى أيضاً بمزيد من الضمانات الدولية.
سألت رجلاً معنياً من قرب بمفاوضات الهدنة. قال إنَّ الأيامَ العشرة الأخيرة كانت صعبةً وكثيفة ومعقدة. استوقفني قوله إنَّ مهمةَ الوسطاء كانت أكثر من شاقة علماً أنَّ البحث في الهدنة أسهل من إنهاء الحرب. إنهاء الحرب بوضعها الحالي يعني عملياً «إقناع المتحاربين بالعودة من الحرب من دون تحقيق انتصار قاطع أو صريح أو واضح». قال الرجل إنَّ الإدارة الأميركية مارست خلال هذه الفترة ضغوطاً جدية ومتواصلة على نتنياهو بعدما شعرت بأنَّه حاول توسيعَ الحرب وإطالتها. لاحظ أنَّ واشنطن لا تترك مكاناً لـ«حماس» في حسابات المرحلة المقبلة لكنَّها غير قادرة على احتمال مذبحة مروّعة في رفح. هناك ضغوطُ أصدقائها وحلفائها واحتجاجات الجامعات والجدل داخل الأحزاب والرأي العام العالمي والانتخابات الرئاسية المقتربة. واضح أنَّ أميركا تريد بعد الحرب إسرائيل أخرى غير إسرائيل نتنياهو وتحالفه وأنَّها لا تريد مكاناً لـ«حماس» ما دامت تشبه السنوارَ وأنفاقَه وصواريخه.
إذا صمتتِ المدافعُ نهائياً سيحاول نتنياهو العثورَ على تبريرات. سيقول إنَّه لم يطلق الرصاصة الأولى في هذه الحرب وإنَّ السنوار هو من أطلقها. سيشدّد على أنَّ ضربات الجيش الإسرائيلي دمَّرت جزءاً كبيراً من قدرات «حماس» العسكرية أو معظمها. وأنَّ الحرب أدَّت عملياً إلى شطب غزة كمصدر للخطر على إسرائيل. وسيؤكد أنَّ إسرائيلَ استعادت قدرتَها على الردع في غزة وفي الإقليم معاً، خصوصاً في تبادل الضربات مع إيران.
إذا صمتت المدافع يستطيع السنوار القول إنَّ «حماس» خاضت أطولَ حربٍ عربية – إسرائيلية وقدَّمت تضحيات بلا حدود. وإنَّ «طوفان الأقصى» أعاد تذكير العالم بالظلم المتمادي اللاحق بالفلسطينيين. وأعاد طرحَ موضوع معالجة هذا الظلم في شوارع العالم الغربي ومؤسساته وفرض ضرورة البحث عن حلّ عادل. وسيقول السنوار إنَّ «حماس» نبتةٌ وُلدت في تراب غزة وترعرعت فيها. وإنَّ إبعاد القيادات لا يعني أبداً استئصالَ تيار متجذر بهذا الحجم. لهذا تتمسَّك «حماس» بإنهاء الحرب لا بهدنة تسمح لاحقاً باستئنافها.
ثمة أسئلةٌ صعبة لا بد من أن تطرحَ نفسَها على السنوار. هل تملك «حماس» بديلاً لغزة؟ هل تستطيع الإطلال مثلاً من الضفة الغربية نفسها؟ وهل تستطيع الإقامة في جبهة جنوب لبنان الذي دفع سابقاً ثمنَ احتضانِ منظمة التحرير الفلسطينية؟ هل تستطيع سلوكَ طريق العودة للإقامة في دمشق، وأي عباءة سترتدي هناك، عباءة «سوريا السورية» أم «سوريا الإيرانية»؟ يصعب الاعتقاد أنَّ «حماس» تراهن على العودة إلى «الساحة الأردنية»، والسبب بسيط وهو أنَّ الأردن، وخصوصاً في ضوء تجاربه وبعد تجارب جيرانه، يرفضُ على نحو قاطع الانزلاق إلى دور الساحة، وكان صريحاً في التعبير عن قراره.
ثمة حقيقة إضافية أكدتها اتصالات الأيام الأخيرة ومفادها أنَّ أميركا هي اللاعب الكبير في موضع إنهاء الحرب وأنَّ روسيا بعيدة وكذلك الصين. وأنَّ أميركا تبلور خططاً لتغيير كبير في توازنات المنطقة يتمثل في اتفاق أمني مع السعودية يمكن أن يرافقَه تطبيعٌ سعودي – إسرائيلي إذا تمَّ إقرارُ مسارٍ ذي مصداقية يعد بقيام دولة فلسطينية خلال حفنة سنوات. وهنا يطرح الموضوع عن موقف إيران إذا أخرجت غزة من «محور الممانعة» وتقدم التصور الأميركي للحل. هل تتعايش إيران مع المتغيرات وتكتفي بنفوذها الحالي «في العواصم الأربع» أم تريد عاصمة خامسة؟
ما أصعبَ عبارة «العودة من الحرب بلا انتصار» التي أطلقها الرجل القريب من المفاوضات الشاقة! الخسائر الهائلة في الحرب تضاعف مرارات القبول بعبارة من هذا النوع. كانت غزة مسرحاً لعملية إبادةٍ هائلة استهدفت البشرَ والحجر. لكن موازين القوى لا تتأثر كثيراً بأنهار الدم. تفرض نفسها بفظاظة وقسوة.
غياب «الضربة القاضية» يجعل نهايةَ الحرب صعبةً على من خاضها. أمضى نتنياهو أعواماً طويلة يتفنن في اغتيال كل ما يمكن أن يؤديَ إلى قيام الدولة الفلسطينية وها هو يرى مطلبَ الدولة حاضراً في كل مكان. أمضى السنوار أعواماً طويلة يحلم بشطب إسرائيلَ واستعادة كلّ شبرٍ، وها هو يسمع العالم يرهن التوجّهَ نحو دولة فلسطينية بترسيخ وجود إسرائيل. عبارة «العائدون من الحرب بلا انتصار» قاسية ومؤذية، لكن الرجل الذي استخدمها مؤيد صريح لحق الفلسطينيين في دولة مستقلة. ويبقى السؤال: هل تعني الهدنةَ في حال إعلانها إطلاق شبح العودة من الحرب؟
*نشر أولاً: في صحيفة الشرق الأوسط
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق *
الاسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
Δ
شاهد أيضاً إغلاق آراء ومواقفWhat’s crap junk strategy ! Will continue until Palestine is...
الله يصلح الاحوال store.divaexpertt.com...
الله يصلح الاحوال...
الهند عندها قوة نووية ماهي كبسة ولا برياني ولا سلته...
ما بقى على الخم غير ممعوط الذنب ... لاي مكانه وصلنا يا عرب و...
المصدر: يمن مونيتور
كلمات دلالية: الولایات المتحدة تعید العودة من الحرب فی الیمن
إقرأ أيضاً:
منتدى إسرائيلي: القوة العسكرية لا تكفي ولا بد من طرح أفق سياسي للفلسطينيين
في الوقت الذي يواصل فيه رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الزعم بأن الحرب لن تنتهي إلا بنزع سلاح حماس، فإنه في الوقت ذاته فشل في تعزيز التحركات السياسية، بجانب العدوان العسكري، رغم أن الإسرائيليين بحاجة إلى إعلان يضمن أفقا من الاستقلال والأمن للفلسطينيين من أجل التوصل إلى نتيجة مستقرة لهذه الحرب الدموية.
البروفيسوران دافنا غويل ودافنا هيكر، عضوتا هيئة التدريس بجامعة تل أبيب، ومؤسستا منتدى "اليوم بعد الحرب"، أكدتا أن "مأساتنا تتمثل بأن نتنياهو تذكّر إصدار بيانه بشأن نزع سلاح حماس فقط بعد مرور عام ونصف على الحرب، وفشل خلالها بتنفيذ التحركات السياسية التي قد تكمل التحركات العسكرية، وتمنع حماس من العودة لأي منطقة احتلها الجيش؛ عام ونصف أكد خلالهما مراراً وتكراراً أننا على بعد خطوة واحدة من النصر الكامل، بينما ابتعدنا أكثر فأكثر عن تحقيق أهداف الحرب المتمثلة بإسقاط حماس، وإعادة المختطفين".
وأضافتا في مقال مشترك نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، وترجمته "عربي21"، أن "تصريح نتنياهو يدفع تحقيق أهداف الحرب بعيداً، وليس أقرب، وباعتباره ابن مؤرخ، فمن المؤكد أنه يعرف أن النصر العسكري الساحق، حتى لو تحقق، فهو لا يكفي لتحقيق الأمن والاستقرار على مر الزمن، لأنه من أجل تحقيق الأمن للدولة، فلا بد من توفير أفق من الأمل للفلسطينيين أيضاً، للحياة بأمن وازدهار وكرامة".
وأشارتا إلى أن "الولايات المتحدة عرفت كيف توفر هذا الأفق في الحرب العالمية الثانية، سواء لألمانيا النازية في معاهدة الأطلسي 1941، أو لليابان في إعلان بوتسدام 1945، ونتيجة لذلك، فقد أصبحنا من البلدان المحبة للسلام والمزدهرة التي تساهم في الاستقرار والأمن في منطقتهما".
وكشفتا أنه "في وقت مبكر من ديسمبر 2023، دعا "منتدى ما بعد الحرب" حكومة الاحتلال إلى إصدار بيان مستوحى من إعلان بوتسدام ووفقاً لمبادئه يطمئن الشعب الفلسطيني إلى أن السيطرة على قطاع غزة ستنتقل إلى إطار حكم مؤقت ينشأ عن تحالف دولي بمجرد عودة جميع المختطفين، وإثبات نزع سلاح حماس، وضمان أن يصبح الشعب الفلسطيني مستقلاً، بإقامة حكومة مستقرة".
وأوضحتا أنه "حتى اليوم، كما في نهاية 2023، فإن هناك استعدادا دوليا لقبول الخطة المصرية التي أقرتها الجامعة العربية في مارس 2025 لدخول قوات عربية دولية للقطاع، ستعمل بالتعاون مع عناصر فلسطينية لتوزيع المساعدات الإنسانية، وإعادة إعماره بعد أن دمّرت الحرب 90% من مبانيه السكنية والعامة، وبناء آليات حكم فلسطينية معتدلة، ولأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يهدد استقرار أنظمة الدول العربية المجاورة، فإن لديها مصلحة واضحة بالحفاظ على الحكم الفلسطيني المعتدل في غزة، وهذا يصب في مصلحة الاحتلال أيضاً".
وأكدتا أن "ما يغيب عن تصريحات نتنياهو، على مدى عام ونصف، هو الحديث الواضح عن أفق الاستقلال والأمن للفلسطينيين، بل إن القرارات الأخيرة بشأن استيلاء الجيش على المزيد من الأراضي في غزة، وإعداد خطط لاحتلالها، وتوزيع المساعدات الإنسانية من قبل الجيش، وإنشاء إدارة "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من القطاع، كلها تعمل في الاتجاه المعاكس".
وختمتا المقال بالقول إنه "من المحظور الاستمرار في حرب من شأنها أن تؤدي بالتأكيد لمقتل المختطفين من الجنود والفلسطينيين الأبرياء في غزة، فيما تترك مستقبلا من الرعب والحزن لهم، مع أن هناك طريقا آخر، يبدأ بتصريح واضح من نتنياهو يعطي أفقاً من الأمل للفلسطينيين".