تشويه المقاومة الفلسطينية.. المنطلقات والأطوار المتبدلة
تاريخ النشر: 5th, May 2024 GMT
تشكل حرب الرواية والسردية والصورة إحدى جبهات الحرب الحالية في غزة، بعدِّها مساحة مهمة لتحديد من المحق ومن المعتدي، وبالتالي من يستحق الدعم والتضامن، ومن يستحق النقد والعداء. ولذلك لم تفتُر جهود الاحتلال منذ بدء معركة "طوفان الأقصى" في تشويه المقاومة الفلسطينية، وتوجيه التهم لها، كما لم تتراجع مساعي بعض الأطراف الفلسطينية والعربية – مع الأسف – في تشويهها، ووضع معركتها في سياقات أخرى غير حقيقية.
منذ بدء الاحتلال في فلسطين وإعلان ما يسمى بدولة "إسرائيل" في 1948، بل من قبل ذلك بعقود، وحرب الرواية جزء لا يتجزأ من نضال الشعب الفلسطيني وقضيته، جنبًا إلى جنب مع المقاومة المباشرة للاحتلال شعبيًا وسياسيًا وعسكريًا.
مع انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يحد الاحتلال عن نهجه، فأطلق عددًا من الفِريات الكبيرة المتعلقة بالمعركة؛ لتشويه المقاومة وإدانة فعلها من قبيل قطع رؤوس الأطفال، وحرق جثث القتلى، واغتصاب النساء
وقد فطنت الحركة الصهيونية منذ البدايات لأهمية هذه المعركة، لا سيما في سنوات التأسيس الأولى التي عرفت بقلّة وسائل الإعلام، وإمكان السيطرة على الكثير منها، وبالتالي إمكانية توجيه الجمهور والرأي العام العالمي. ولذلك فقد سعت الحركة الصهيونية إلى سردية بديلة تسعى من خلالها للحيلولة دون أي تعاطف أو تضامن – فضلًا عن الدعم – مع الشعب الفلسطيني، واحتكار ذلك لدولتها الوليدة.
وهكذا، قضت السرديّة المستحدثة والمزيفة بطبيعة الحال بأن "اليهود خاضوا حرب استقلال" ضد "الاحتلال البريطاني" على أرض فلسطين، وأنهم شعب مظلوم عانى كثيرًا قبل أن يعود "لأرض آبائه وأجداده" أو "أرض الميعاد". وتلك الأرض بدورها كانت – ويا للمصادفة – بلا سكان أصليين ولا شعب يقطنها، فالمعادلة، إذن في نهاية المطاف، "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
لاحقًا، مع تطور أشكال النضال الفلسطيني، وتنوع المشهد الإعلامي الذي كسر حالة الاحتكار، وحين اضطرت دولة الاحتلال للاعتراف بشعب فلسطين، وضعته مرة أخرى في سياقات وسرديات زائفة؛ من قبيل بيع الأراضي و"المغادرة الطوعية"، وصولًا لتهمة الإرهاب التي بات لها قدرة أفضل في التسويق في العقود التالية على تأسيس "إسرائيل"، لأسباب معروفة.
ومع انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يحد الاحتلال عن نهجه، فأطلق عددًا من الفِريات الكبيرة المتعلقة بالمعركة؛ لتشويه المقاومة وإدانة فعلها من قبيل قطع رؤوس الأطفال، وحرق جثث القتلى، واغتصاب النساء، واستهداف الحفل الغنائي، وما إلى ذلك. وهي سرديات هدفت لصرف الأنظار عن المشكلة الأساسية المتمثلة في الاحتلال، ولإدانة المقاومة ووصمها بالإرهاب وحرمانها من أي تضامن أو تعاطف والضغط عليها، ولشرعنة وتبرير جرائم الحرب التي كانت آلة الاحتلال العسكرية تخطط لها.
فشلت هذه المساعي لاحقًا بظهور كذب هذه البروباغندا من جهة، وسفور الوجه القبيح للاحتلال وجرائمه من جهة ثانية، ليقول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من على منبر الأخيرة: إن "السابع من أكتوبر/تشرين الأول لم يأتِ من فراغ"، معيدًا المشكلة لسببها الرئيس؛ أي الاحتلال وليس لردة الفعل عليه؛ أي مقاومته.
اتهامات متتاليةعلى التوازي مع الاحتلال، كان ثمة سعي مشابه من أطراف أخرى سعت لتشويه المقاومة كذلك، وتحديدًا حركة حماس. وإذا كانت أهداف الاحتلال واضحة ومفهومة – وإن لم تكن متفهمة – فإن أهداف "الآخر" كانت في سياقات متباينة ولأهداف مختلفة، ولكنها في النهاية كانت تتوسل سرديات متشابهة وأحيانًا متطابقة مع الاحتلال.
كان ثمة سرديات تتعلق بأصل المشروع وشرعيته، من قبيل ادعاء أن الموساد "الإسرائيلي" هو من أسّس حركة حماس؛ ليضرب بها منظمة التحرير. ورغم ما يعتري هذا الادعاء من سطحية ووضوح الافتراء، ورغم أن الحركة الفلسطينية خاضت مع الاحتلال أربعَ حروب وعددًا كبيرًا من موجات التصعيد، فضلًا عن الحرب الشاملة الحالية، إلا أنه ما زال حاضرًا لدى بعض الدوائر ويُستعاد بين الحين والآخر.
وهناك أيضًا سرديات انتشرت في فترات سابقة في سعي للتناغم مع حملات إعلامية تدور في فلك بعض الأنظمة؛ من قبيل ادعاء امتثال حماس لأوامر إيران، حيث انتشر حينها هتاف "شيعة شيعة" في بعض المظاهرات المصطنعة والمنسوجة مخابراتيًّا.
أما السردية الأكثر انتشارًا والتي سادت في مرحلة ما قبل معركة "طوفان الأقصى"، فهي أن الحركة دُجِّنت وتركت المقاومة؛ لأجل المال واستدامة الحكم وإدارة شؤون القطاع، وهي سردية كانت قد تكررت في سنوات سابقة بعد كل مواجهة مع الاحتلال، ثم لاقت رواجًا في المواجهات التي حصلت مؤخرًا بين الاحتلال وحركة الجهاد الإسلامي في غزة، وكانت مشاركة حماس فيها قليلة أو رمزية.
مع عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، اتّضح سبب سلوك حماس هذا، فسقطت هذه السرديةُ، سرديةُ التدجين والتخلي عن المقاومة، لتحلّ مكانها سردية "التهور" والقتال دون حساب العواقب وردة فعل الاحتلال، وعدم الاكتراث بمصير عموم الشعب، وبالتالي تحميل المقاومة، وتحديدًا حركة حماس، وليس الاحتلال، مسؤولية الدماء والدمار. وهي سردية تتجاهل المسؤولية المباشرة للاحتلال بعدِّه المنفذ المباشر للمجازر وتفترض – دون وجه حق – أن عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول تستحقّ ردة فعل بمقياس الإبادة القائمة، وتتجاهل أن الاحتلال قائم في تاريخه وحاضره على مجازر وجرائم بذرائع وبدونها.
الآن، مجددًا، يعود للواجهة ادعاء أن المقاومة خاضت الحرب الحالية خدمة لـ "أجندات خارجية" والمقصود بها إيران، رغم أن كلًا من الأخيرة وحزب الله والولايات المتحدة ودولة الاحتلال، فضلًا عن المقاومة الفلسطينية، أكدوا مرارًا وبشواهد معروفة أنها عملية "فلسطينية خالصة" من حيث التخطيط والتنفيذ، بل إن مصادر في الحزب وطهران أوردوا في بعض التسريبات ما يمكن عدُّه عتبًا على عدم إحاطتهم بالمعركة مسبقًا.
كما أنها سردية تتجاهل فكرة أن حزب الله قد فتح ما أسماه "جبهة إسناد"، ويتجنب حتى اللحظة الدخول في حرب موسعة مع الاحتلال، وكذلك إيران التي اضطرت لتصعيد محسوب مع الاحتلال على غير رغبة منها، بعد أن سعى الاحتلال لتغيير قواعد الاشتباك بالتغول على مصالحها وشخصياتها القيادية.
وأخيرًا، هناك سردية أن حماس تخوض مفاوضات وقف إطلاق النار؛ بهدف المحافظة على مصالحها في القطاع والاستمرار في إدارته؛ أي أنها تهدف لمكاسب ومناصب متجاهلة الأوضاع الكارثية التي يعاني سكانه منها. هذه السردية المقصودة لذاتها تتجاهل عن عمد أن حماس كانت قد تخلت عن الحكومة في اتفاق سابق، ودعمت مسار الوفاق الداخلي والانتخابات التي ألغاها أبو مازن، ودعت أكثر من مرة لإدارة مشتركة للقطاع، ونادت منذ بداية الحرب بالشيء ذاته.
مَن المستفيد؟تتجاهل كل هذه السرديات مسألة أساسية وجوهرية، وهي أن المقاومة الفلسطينية هي صاحبة القضية و"أم الولد" كما يقال، ولذلك فإن أي دعم حقيقي تحصل عليه من أي طرف يخدم القضية لا العكس. لكن الموقف من البعضِ الأطرافِ – والقصد هنا إيران و"محور المقاومة"، لأسباب محقة أو غير محقة – يجعل التقييم معكوسًا، والتقدير غير متزنٍ ومتجنٍّ إلى حد كبير. لدرجة أن البعض اتهم سابقًا حركة الجهاد الإسلامي بافتعال معارك مع الاحتلال لأهداف إيرانية، رغم أن الاحتلال هو من بدأها باغتيال بعض قياداتها.
لا خلاف على أن النقد لفصائل المقاومة، السياسية منها والعسكرية، مفيد ومطلوب حين يأتي في سياقه وتوقيته والأسلوب الأمثل، وحين يصدر من أرضية المقاومة ودعمها، ولكن النقد شيء، والهجوم والاتهام والتحريض شيء آخر تمامًا.
في الحالة الفلسطينية وفي العالم العربي هناك من يسعى بكل جهده ولا سيما في وسائل الإعلام؛ لتشويه وجه المقاومة، وخصوصًا حركة حماس؛ بسبب خصومةٍ سياسية أو خلاف أيديولوجي أو موقفٍ مسبق أو لتخليص حسابات سياسية، والبعض لمصالح ضيقة ومنافع مادية مباشرة. لكن ينبغي على الجميع أن يدرك مآل ذلك وتبعاته، وهل يصبّ ذلك في خدمة الشعب الفلسطيني كما يُظن ويُدّعى، أم يخدم الاحتلال ويساهم في شرعنة ثم استدامة عدوانه؟
تجري الإبادة على الجميع في غزة، وليس فقط عناصر المقاومة، ويشمل الدمار والقتل والحصار والتجويع الكل الفلسطيني. ولذلك فإن التماهي مع دعاية الاحتلال وتبنّي سردياته المشوّهة للمقاومة عن قصد أو بدون وعي يسهمان في سفك دماء الفلسطينيين وليس في حقنها، على عكس ما يُزعم، ما يدفع لضرورة التحذير والدعوة لإعادة النظر في التقييم والموقف من أصحاب النوايا السليمة والمقاصد النبيلة على أقل تقدير.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: ترجمات حريات المقاومة الفلسطینیة السابع من أکتوبر طوفان الأقصى تشرین الأول مع الاحتلال حرکة حماس من قبیل ا حرکة
إقرأ أيضاً:
غزة بين نار الإبادة والفوضى: الاحتلال يراهن على كسر إرادة الصامدين
في مشهد دموي يلخص حقيقة ما يريد الاحتلال ترسيخه في غزة، اغتيل أحد رجال الشرطة بوحشية على يد مسلحين موتورين، بينما نفذ الاحتلال إعداما ميدانيا بحق ثمانية مسعفين كانوا يؤدون واجبهم الإنساني في إنقاذ الجرحى. وفي الوقت ذاته، تواصل قوات الاحتلال استهداف الصحفيين، حتى لا يبقى شاهد على الجريمة، ولا تصل صورة المجازر إلى العالم. إنهم يريدون محو الحقيقة كما يمحون البشر، حتى لا يبقى صوت يروي مأساة غزة الممتدة من شمالها إلى جنوبها، ومن جباليا التي تئن تحت الدمار، إلى رفح التي تحولت إلى "مقبرة مفتوحة".
إن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب، ولا مجرد عدوان عابر، بل هو إبادة منظمة، تطهير عرقي يتم بدم بارد، وتنفيذ ممنهج لمخطط محكم، يعمل الاحتلال على تحقيقه عبر عدة محاور، مستفيدا من الضوء الأخضر الأمريكي، والخذلان العربي، والتواطؤ الدولي المريب.
أولا: استمرار الإبادة الجماعية والتطهير العرقي
ما يجري اليوم ليس مجرد حرب، ولا مجرد عدوان عابر، بل هو إبادة منظمة، تطهير عرقي يتم بدم بارد، وتنفيذ ممنهج لمخطط محكم، يعمل الاحتلال على تحقيقه عبر عدة محاور، مستفيدا من الضوء الأخضر الأمريكي، والخذلان العربي، والتواطؤ الدولي المريب
غزة تُباد، والعدو لا يترك وسيلة إلا واستخدمها لاقتلاع الحياة منها. القصف يستهدف الأحياء السكنية، فتُهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ولا ينجو منها إلا الركام والرماد. المستشفيات تتعرض للقصف والتجويع، والمياه مقطوعة، والغذاء شحيح، وحتى هواء غزة أصبح ممزوجا برائحة البارود والمجازر.
في رفح، المدينة التي كانت الملاذ الأخير لمئات الآلاف الهاربين من الموت، أصبح الموت أكثر حضورا من أي وقت مضى. تحت الخيام المهترئة، يرقد الأطفال في العراء، ينتظرون قذيفة أخرى، أو مجزرة جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال أمام أعين العالم، دون رادع أو حساب.
ثانيا: نشر الفوضى واستهداف الشرطة
إلى جانب الإبادة المباشرة، يعمل الاحتلال على تفكيك النسيج الداخلي للمجتمع الغزِّي، عبر استهداف رجال الشرطة والقوى الأمنية، حتى يغرق القطاع في حالة من الفوضى والجريمة المنظمة. حين يغيب القانون يعمّ الخوف، وينتشر العنف، ويتحول المجتمع إلى ساحة صراع داخلي، وهو بالضبط ما يريده الاحتلال: إشغال الناس عن مقاومته، وجعلهم يقاتلون بعضهم البعض بدلا من التصدي لعدوانه.
إنهم يسعون إلى تحويل غزة إلى منطقة تنهشها العصابات، ليخرجوا للعالم بوجه المتظاهر بالبراءة، قائلين: "انظروا! لا حكومة هناك، لا نظام، لا دولة، فقط فوضى". ولكن أهل غزة، رغم الجراح، يعرفون هذه المؤامرة، ويعون أن الصمود في وجه العدوان لا يقتصر على مقاومة القصف، بل يشمل الحفاظ على الأمن الداخلي، ومنع الاحتلال من تحقيق هدفه في تفتيت المجتمع.
ثالثا: استهداف القطاع الصحي لإخفاء أعداد الشهداء
في أي حرب، يكون الأطباء والمستشفيات خطا أحمر، لكن في حرب الإبادة على غزة، بات المسعفون أهدافا مشروعة لآلة القتل الصهيونية. يُمنعون من الوصول إلى الجرحى، ويُقتلون أثناء أداء عملهم، وتُدمر سيارات الإسعاف والمراكز الطبية. الهدف واضح: لا علاج، لا أرقام دقيقة للشهداء، ولا شهود على الجريمة.
في رفح، المشافي تغرق في الدماء، لكنها لا تجد الدواء، الجرحى يموتون بسبب انعدام الإمكانيات، لا لأن جروحهم كانت مميتة. في المستشفيات شبه المنهارة، يرقد عشرات الأطفال المصابين، يعانون من آلام لا دواء لها، ينتظرون مصيرهم في عزلة، بينما يُمنع عنهم العالم.
رابعا: إسكات الإعلام وقتل الصحفيين
لا تكتمل الجريمة دون التستر عليها، ولهذا يسعى الاحتلال إلى إبادة الحقيقة جنبا إلى جنب مع إبادة البشر. الصحفيون مستهدفون كما المقاومين، لأن الكلمة في غزة باتت أخطر من الرصاص. عشرات الصحفيين سقطوا برصاص وقذائف الاحتلال، وآخرون اعتُقلوا أو طُردوا، حتى لا يبقى من يروي الحكاية.
ولكن، ورغم كل محاولات التعتيم، لم ينجح الاحتلال في إخماد الصوت الغزيّ، لأن كل رجل وامرأة وطفل في غزة أصبح صحفيا ينقل الحقيقة، كل بيت مدمَّر صار شهادة، وكل أم ثكلى صارت قصة تُخبر العالم بأن غزة تُباد والعالم يتفرج.
خامسا: الحرب النفسية والإعلامية لتشويه المقاومة
ليس السلاح وحده ما يستخدمه الاحتلال، فهناك أيضا حرب إعلامية ممنهجة تهدف إلى تشويه المقاومة، وتحميلها مسؤولية الكارثة، وعزلها عن حاضنتها الشعبية. وسائل الإعلام الموالية للاحتلال، ومعها أبواق التطبيع العربي، تحاول الترويج لخطاب استسلامي مخادع، يزعم أن غزة تدفع الثمن بسبب تمسكها بالمقاومة، وأن الحل الوحيد هو الرضوخ لشروط الاحتلال، وكأن القتل سيتوقف لو استسلم أهل غزة!
ولكن التاريخ يعلمنا أن الاستسلام لم يكن يوما ضمانا للبقاء، فلو رفع أهل غزة الراية البيضاء اليوم، لن يوقف الاحتلال جرائمه، بل سيكمل مشروعه التوسعي، وسيستمر بملاحقة الفلسطينيين لأنهم ببساطة يشكلون تهديدا وجوديا له. الاحتلال قلق، رغم كل بطشه، لأنه يدرك أن غزة لم تنكسر، ولن تنكسر، حتى لو أحرقت بالكامل.
الاحتلال يراهن على استنزاف أهل غزة حتى يتعبوا، وعلى خفوت زخم المظاهرات العالمية مع مرور الوقت، لكن غزة لن تتعب، ولن تسقط، ولن تستسلم. من وسط الركام، يخرج طفل ليحمل راية، ومن بين الأنقاض، تنطلق صيحة الله أكبر. في رفح، حيث تساقطت القذائف، لم يتراجع أهلها خطوة. في جباليا، حيث دُمرت المنازل، لم تنطفئ روح المقاومة
ماذا علينا أن نفعل؟
أمام هذا المشهد المروع، لا يكفي أن نرصد الجرائم ونسجل الانتهاكات، بل يجب أن نتحرك:
1- فضح المؤامرة بكل تفاصيلها، ورفع الصوت ضد جرائم الاحتلال في كل منبر إعلامي وسياسي.
2- رفض الفوضى الداخلية، وتشجيع أهل القطاع على التكاتف، وعدم الانجرار خلف محاولات الاحتلال لخلق الفوضى والانقسام.
3- ملاحقة الاحتلال قانونيا، وعدم السماح بمرور هذه الجرائم دون حساب في المحاكم الدولية.
4- تصعيد الحراك الشعبي عالميا، وتنظيم المسيرات، والضغط على الحكومات المتواطئة مع الاحتلال.
5- فضح المتآمرين والمروجين للرواية الصهيونية، الذين يحاولون تجميل وجه الاحتلال القبيح.
6- قيام المثقفين والإعلاميين بدورهم في كشف حقيقة الاحتلال، وتعريف العالم بتاريخه القائم على المجازر والتهجير، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية آنية.
لن يسقط الرهان على غزة
الاحتلال يراهن على استنزاف أهل غزة حتى يتعبوا، وعلى خفوت زخم المظاهرات العالمية مع مرور الوقت، لكن غزة لن تتعب، ولن تسقط، ولن تستسلم. من وسط الركام، يخرج طفل ليحمل راية، ومن بين الأنقاض، تنطلق صيحة الله أكبر. في رفح، حيث تساقطت القذائف، لم يتراجع أهلها خطوة. في جباليا، حيث دُمرت المنازل، لم تنطفئ روح المقاومة.
غزة لن تباد ما دام في العالم أحرارٌ يرفعون صوتهم، غزة لن تُهزم ما دام هناك من يرفض الصمت. ورغم أن العالم يتفرج، إلا أن المقاومة مستمرة، والثبات خيار لا رجعة فيه.