المعركة العسكريةُ المُستمرة التي تخوضها قوى المقاومة المُساندة لغزة في-غربِ آسيا- ضد الأعداء، هي تحمِلُ الإيمان وتتبنَّى التجلُّد والصبرُ على الفقدِ وتتوسُّع تخطيطًا وتتوزّعُ تكتيكًا وتتلظَّى تَأجُّجًا وتُصَّعدُ عملياتيًّا؛ فاستمِر ارتقاء الرّوحية المعنوية والوعيُّ التعبوي مُمتدًّا نوعًا وتميُّزًا إلى الإعلام وإلى المُجتمعِ العام نفسه، لتُثبت وتدّلُ قطعًا ولتُرسِّخ المفاهيم السياسية والعسكرية والاجتماعية والإعلامية، أن الصراعُ صراعٌ ما بين أنصار الحُسين ويزيد!، والمعركة معركةُ إرادات، معركةُ العزم والتصمِيم! معركة مَن سيحققُ هدفه واستراتيجيته العسكرية التي تدعو إلى النصر الحاسم له، ومَن سيواصِل إلى النهايةِ، ومَن لم ولن تنكسِّر إرادته!.


إنّ قوى محور المقاومة وأوّلها الجبهة اللبنانية المُسانِدة مُنذ ثاني يوم من طوفان الأقصى دخلت المعركةَ، فَرضت معادلاتها وقامت بتضحيات عظيمة ودفعت الاثمان، وأثبتت جديّتُها واستمرارها بصورٍ عديدة؛ فجعلت الإسرائيلي بلا نومٍ، وصار يكترِثُ ذعرًا، وهُجِّروا الآلاف من المستوطنين في الشمال المُحتل، فقد اصبح لديهم الشمال مصدر خطِرٍ ومُرعِباً لهم ؛ فهو مرمى مُستمرٌ لضرباتِ المقاومة اللبنانية ورُقعةً لتحقيقِ واجب المساندة والاستراتيجيات، وكذلك الجبهة المُسانِدة العراقية التي كانت تتغنّى بالإرادة والرغبات ولا زالت تتغنّى رُغمّ الضغوطات والتهديدات؛ فاستمرّت وتحدّثَ الميدانُ عنها ورسمَ لوحةً عن مُسيّراتِها وصواريخُها التي كانت صوب القواعد الأمريكية في سوريا والعراق ولا زالت كذلك تؤدي المرحلة الثانية في عُمقِ الكيان، إلى أن يأتي الدورُ الحيوي والمُتوقّع وهو دخول الجبهة اليمنية المُسانِدة في المعركة؛ فوجَّهت كُلّ ما اُتيح لها وتوفر لها دعمًا لغزة، ووضعت دورًا إقليميا هامًا، وقالت للإسرائيلي: إن كُنتم عازِمين على استمرارِ العدوان والحصار على غزة وأبنائها فنحنُ عازِمون بكُل قوّة وإرادة على مواجهتكم ومَن معكم، من خلال استهداف الأراضي المُحتلّة وبحرًا سنحاصِركم وسيتوسع وسيتصاعد الحصار حتّى تُوقِفون العدوان والحصار على غزة!.
مضى أكثر مِن 200 يوم والمعركة مُستمِرة مع التضحيات الجسيمة والإرادة العظيمة لدى محور المقاومة، فتستمِرُ وتتعاظم بركةً وقوّةً وإصرارًا، الإرادة الإسلاميّة اللا مُنكسرة والمهيَّأةُ مِن الله عزَّ وجل، هي تعمل على نصرة دين الله ضد من خابت قواه وفشِلت أهدافه الذي دخل الحرب لأجلِ تحقيق أهدافه ولم يُحققها، فراهن بِسلاحه الذي بات مُحطّمًا ومُسميّات الدعم والجسور والجيوش والتصعيدات، ولكن ماذا حدث بعد 200 يوم؟ لم يحقق أي هدف، بل غرق في وحل غزة، والإرادة لدى أهل غزة ولدى فصائل المقاومة الفلسطينية وقوى المقاومة في غرب آسيا، انتصرت حقًا ومِن أوّل أيامها قبل أن تقع نهاية حاسمة لهذه المعركة والتي لا زالت مستمرة.

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!

مصر ليست أرضا فقط، بل حكاية تتشكل بدم الأجيال وصخب الأفكار. في كتابه "الانعزاليون في مصر"، يغوص الناقد الكبير رجاء النقاش في أعماق تلك الحكاية، مسلطا الضوء على معركة ثقافية هزت جوهر الهوية المصرية في سبعينيات القرن الماضي. هذا الكتاب  وثيقة تاريخية و رحلة في عقول تصارعت مع سؤال ملح: من نحن؟ وأين مكاننا بين أمم العالم؟  
السؤال الملح الآن هو: هل كانت الانعزالية في مصر هروبا من الحياة، أم رد فعل على زمن مضطرب؟. يفكك  رجاء النقاش شفرة هذا التيار بما يحمله من تناقضات: هل هي رغبة في الحفاظ على نقاء الثقافة المصرية من تداخلات العالم العربي؟ أم خوف من اندثار الذات في محيط أكبر؟ ببراعة محلل قدير، يربط الكاتب بين جذور التيار الانعزالي وسياقه التاريخي، حيث كانت مصر تحاول أن تجد مسارها بين انتماءين: انتماء إلى أمة عربية تتشكل، وانتماء إلى حضارة فرعونية تتنفس من خلال رمالها.  
معارك السبعينيات:  
تحت سماء السبعينيات المحملة بأسئلة الهزيمة والانتصار، اشتعلت معارك الكتاب والقلم. يقدم  رجاء النقاش في كتابه مشهدا حيا لصراع بين عمالقة الفكر: لويس عوض الذي رأى في العربية قيدا، وتوفيق الحكيم الذي حاور الهوية بسخرية الفيلسوف، وحسين فوزي الذي تشبث بجذور مصرية خالصة. لم تكن هذه المعارك نزاعا على كلمات، بل حفر في أعماق الذاكرة الجماعية؛ فكل فكرة كانت مفتاحا لعالم محتمل.  
الرقى في الخصام...   
أجمل ما في الكتاب أنه يذكرنا بزمن كان الخصام فيه فنا. فالاختلافات بين الأدباء لم تتحول إلى حروب شخصية، إنما بقيت في مسارها الفكري: "يختلفون بشدة، ولكن كأنهم يعزفون على وتر واحد". هذا الرقى هو ما تفقده ساحاتنا الثقافية اليوم، حيث يغيب الحوار وتسطو اللغة الخشنة.  
ذاكرة الكتابة... نور للغد  
بإصدار هذا الكتاب، تحاول سلسلة "ذاكرة  الكتابة" بقصور الثقافة،   التي  يرأس  تحريرها  الدكتور  المؤرخ زكريا الشلق،  أن ترسخ حقيقة: أن الفكر ليس ترفا، بل سلاح لخلق الوعي. فهوية مصر لم تختزل قط في نهر واحد، بل هي نسيج متلون من أنهار الحضارات. وما أشبه مناظرات السبعينيات بما نعيشه اليوم: صراع بين الانكفاء على الذات وانفتاح يهدد بذوبانها.  
ففي زمن تتصاعد فيه أصوات العزلة والعنصرية، يظل كتاب رجاء النقاش مرآة نرى فيها أسئلة الأمس... وأجوبة الغد. لأن مصر، كما قال شاعرها، "لن تموت... ولن تنام".  
أسئلة الزمن المتصدع..  
مصر لا تتكسر على صخرة التاريخ، كلما ارتطمت بها أمواج الأسئلة الحائرة : هل نحن أبناء النيل أم أحفاد العرب؟ أم نحن كل ذلك وأكثر؟ في كتابه، يقتبس رجاء النقاش شعلة من معركة السبعينيات، ليضيء بها طريق الحاضر المعتم. ليست الانعزالية هنا انطواء على الذات، بل ردة فعل على خيانة الزمن: زمن الهزائم السياسية، والانتصارات الثقافية الزائفة.  
جروح الهوية!... 
يحاور النقاش أسطورة "التميز المصري" التي تتجدد كالفينيق كل قرن. فالانعزاليون لم يكفروا بالعربية لذاتها، لكنهم خافوا أن تذوب "الروح المصرية" في بحر القومية العربية الواسع. هل كان حسين فوزي محقا حين نادى بـ"مصر الفرعونية" ككيان منفصل؟ أم أن لويس عوض كان أقرب إلى الحقيقة حين رأى في العربية جسرا للخلاص من سجن التخلف؟ الكتاب يدعونا لنرى في هذه الجدليات لعبة مرآة: كل فكرة تكشف جانبا من أساساتنا الهشة.  
حين يخون الفكر الأمة !  
لم تكن معارك السبعينيات بريئة. فوراء جدل "الهوية" كانت  السلطة تحرك خيوط الدمى. يلقي النقاش بظل على هذا التواطؤ الخفي: كيف استخدمت السلطة الانعزالية كستار لتجذير شعور بالانفراد، بينما هي تحاول فتح الأبواب لسياسات الانفتاح الاقتصادي. هل كان الصراع الفكري مسرحية كبرى، أم أن الأدباء كانوا ضحايا لعقد أعمق؟  
الوله بالذات... أين الحد بين الفخر والنرجسية؟  
يتجاوز النقاش في تحليله حد الوصف إلى التشريح النفسي للانعزاليين: هل هم من يخشون على مصر من "الآخر"، أم أنهم يخشون أن تكشف عورات الذات؟ يقدم الكتاب مقاربة جريئة: الانعزال ليس إلا وهما لإحياء مجد ماض لم يكن بهذا البهاء. فمصر التي يتغنى بها الانعزاليون – بحضارتها العتيقة – لم تكن قط جزيرة منعزلة، بل ملتقى لشعوب الشرق والغرب.  
اليوم.. هل انتهت المعركة أم اتسعت؟  
الغطاء الأكثر إثارة في الكتاب هو حيوية الأسئلة. فما زلنا نجادل أنفسنا: هل نحن أفريقيون أم عرب؟ هل نلتفت إلى الشرق أم نندفع نحو الغرب؟ يشير النقاش إلى أن جذور الأزمة لم تذبُل؛ فكلما اشتدت أزمات الواقع، عادت الانعزالية كـ"رحم آمن" نلجئ إليها. لكن الخطر الحقيقي ليس في الانعزال، بل في تجزئة الهوية إلى قطع متضاربة: فرعونية هنا، عربية هناك، إسلامية في الوسط. 
الكتاب يصفعنا بحقيقة: لن تكتمل هوية مصر إلا إذا توقفنا عن تقطيعها إلى شظايا. فمصر ليست فرعونية ولا عربية فقط، بل هي وعاء يحتضن تناقضات التاريخ كله. وربما كان "الانعزاليون" – برغم انكفائهم – قد ساهموا في صنع هذه الهوية المركبة، لأنهم أثاروا السؤال الأصعب: كيف نكون نحن، بكل تعقيداتنا؟  
في زمن تتحول فيه الهويات إلى سلاح لقتل الآخر، يبقى كتاب رجاء النقاش دعوة لفهم الذات قبل حملها على الأكتاف. لأن مصر، كما علمتنا السبعينيات، لن تكون إلا بمثل هذه الحروب الفكرية: حروب تبني، لا تدمر.

مقالات مشابهة

  • هل انتهت المعركة الكلامية بين سلام و حزب الله؟
  • “الغارديان” البريطانية تكشف جانبًا من جرائمِ القتلِ الوحشية التي ارتكبها العدوّ الإسرائيلي في غزةَ
  • مستشار حكومي: الاحتياطي الأجنبي في أعلى مستوياته التاريخية
  • حديث حكومي عن الاحتياطي الأجنبي لدى العراق: في أعلى مستوياته
  • عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!
  • المعركة محتدمة في قرطبا
  • الحاج حسن: هناك أبواق تضع نفسها في خدمة العدو
  • من اليمن إلى فلسطين.. الشهيد أبو حمزة صوته لن يسكت أبدًا، وتضحياته تزرع طريق القدس
  • لجان المقاومة: العدوان الإسرائيلي وأوامر الإخلاء برفح وخانيونس جريمة حرب جديدة
  • من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية