عبد الله علي إبراهيم
من غضب الله علينا أن الصفوة (وهذا ما يسمي خريجو المدارس والمهنيون أنفسهم) طالقة لسانها في الآخرين ولم تجد بعد من يطلق لسانها فيها بصورة منهجية. فهي تصف جماعات غمار الناس ب "الأمية" أو "البدائية" أو "المتخلفة" أو بالمصابة ب "الذهن الرعوي" أو "ببله الريف" أو انها "مستعربة" أو "متأسلمة".
وقليلاً ما عثرت على نقد للصفوة تخطى ما تواضعت عليه من الرأفة بنفسها والعشم في صحوتها إلى نقد جذري يطال "فشلها" بالنظر إلى اقتصادها السياسي: إلى مناشئها الثقافية والاجتماعية ومنازلها من العملية الإنتاجية. وأسعدني أن قرأت قبل أيام بهذه الجريدة للأستاذ محمد الغبشاوي كلمة قاطعة "أدت" الصفوة في "التنك". فوصفها بأنها مصابة بأمرين. فهي "فاقد التياع" من جهة وتعاني من "فائض استتباع" من الجهة الأخرى.
يقصد الغبشاوي بمفهوم "فاقد التياع" ما حاولته أنا أكثر من مرة هنا بقولي إن الصفوة خلو من الحمية. وهي ترجمتي ل "باشون passion" الإنجليزية. وأعتقد أن الغبشاوي وقع على التعريب الأوفق للكلمة. فقد أفرغ الغرب الصفوة في مدارسه وبقدوته من كل شغف بأهلها وثقافتهم وأطلق لسانهم فيهم "يا بدائي" "يا أمي" يا "متخلف" يالفعلتك يا التركتك. كنت أستغرب مثلاً لماركسي يقول، تأسياً بلينين، إن الأمي خارج السياسة وحزبه في قيادة معظم نقابات العمال واتحادات المزارعين التي قوامها أميون. أو تسمع من يقول لك "بالله الحاردلو دا لو قرأ كان بدّع". وكأن ما قاله الحاردلو شفاهة ناقص.
قال الغبشاوي إن فقدان الالتياع يخلي وجدان الصفوة من الإبداع. فمن أين يأتيها ولماذا طالما "ألغت الأمة". فأنظر كيف وصلنا إلى فشل الصفوة وعقمها وإدمانها ذلك بطريق جذري يقلب مناضد الصفوة كلها في وجها ويرجعها إلى منصة التأسيس. وبؤس الالتياع مما أخذته النظم الشيوعية في الصين وكمبوديا على الصفوة وعالجته ب"سخرة" إعادة التربية. وهي تفويج الصفوة إلى الريف لاستئصال شأفة نشأتهم الغربية بين الفلاحين الموصوفين ب"الأصالة" والكدح. وبالطبع أبعد رفاقنا النجعة وأورثونا مذمة. بل حاوله تمبل باي، رئيس وزراء تشاد الأسبق، ذلك بإخضاع كل الخدمة المدنية لطقس أفريقي تقليدي شديد القسوة ليعود بهم إلى "التشادوية".
أما فائض الاستتباع فهو فرط قبول الصفوة ل"الوصاية الشقراء" أي الغربية البيضاء في عبارة الغبشاوي. فهم بعد إلغاء الأمة صاروا عالة على الغرب وفكره وأنساقه. وللاختصار فقد أخذ على الصفوة المسلمة أنها لم تكتشف تجربة العالم البنغلاديشي محمد يونس (صاحب كتاب عالم بلا فقر) في التمويل الأصغر إلا بعد أن "هرَّج" بها البنك الدولي. وهو البنك الذي يفلق ويداوي. فالبنك كتب الفقر على غالبية سكان العالم الثالث بسياسته المعروفة بالإصلاح الهيكلي (والخصخصة منه) ثم جري يغطي سوءته بمثل التمويل الأصغر.
ولاحظت أن الغبشاوي يقرأ لغير ما اتفق لأكثر صفوتنا في أحسن الأحوال من مثل ماركيز وأمل دنقل ومنصور خالد ومحجوب شريف والجابري. فهو يقرا بنظر لمّاح لجلال أمين ورمزي زكي (تحديث الفقر وتنمية التخلف) وللمهدي النجرة (الإهانة في عهد الميغا) ولم أعرف عن الأخيرين من قبل. إنه يقرأ المظان الحسان.
قال الأستاذ صلاح فرج الله إن صفوتنا عالة على الواقع. وهذا قريب من قول بريخت: "تنشئة المثقفين عملية طويلة وشاقة. وهي مما يمتحن الجماهير ويعيل صبرها". فإذا أدمنت الصفوة الفشل واستمرأته خرج عليها مثل بول بوت الكمبودي و "وراها المكشن بلا بصل".
IbrahimA@missouri.edu
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
إجابة المضطر.. رسالة أمل من الله
المضطر هو ذلك الإنسان الذي بلغ به اليأس مبلغا عظيما، وانقطعت به الأسباب، ولم يجد لنفسه مخرجا من الكرب الذي ألم به. إنه ذلك الشخص الذي تضيق به الدنيا، وتنغلق في وجهه الأبواب، فلا يجد ملاذا إلا في دعاء الله والتضرع إليه.
قد يكون المضطر مريضا لا يجد دواء لمرضه، أو فقيرا لا يجد قوت يومه، أو مظلوما لا يجد نصيرا، أو تائها لا يجد هاديا، أو مدينا غير قادر على سداد دينه.
في هذه اللحظات، عندما تنقطع بنا الأسباب، وتتلاشى الآمال، لا نملك سوى التوجه إلى خالقنا، الذي بيده ملكوت كل شيء. في هذه اللحظات، تتجلى لنا عظمة قوله تعالى: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ" (النمل: 62).
هذه الآية الكريمة ليست مجرد كلمات، بل هي البلسم الشافى لكل قلب موجوع، ونور يضيء دروب التائهين. إنها تذكرنا بأن الله هو الملجأ الوحيد في لحظات الشدة، وأنه هو القادر على إجابة دعاء المضطرين، وكشف كرب المكروبين.
إن إجابة الله لدعاء المضطر ليست دائمًا كما نتوقعها. فقد تأتي الإجابة على شكل فرج قريب، أو على شكل صبر جميل يعيننا على تحمل البلاء، أو على شكل حكمة نتعلمها من التجربة. المهم أن نثق بأن الله يسمع دعاءنا، وأنه سيجيبنا في الوقت الذي يراه مناسبا، وبالطريقة التي يعلمها خيرا لنا. فقد يجيب الله دعاءنا مباشرة، وقد يؤخر الإجابة لحكمة يعلمها، وقد يصرف عنا شرا أعظم، وقد يرزقنا خيرا مما طلبنا.
ولإجابة دعاء المضطر شروط، منها: أن يكون الدعاء خالصا لله تعالى، لا رياء فيه ولا سمعة. وأن يكون الداعي موقنا بأن الله قادر على إجابة دعائه. وأن يتضرع الداعي إلى الله تعالى، ويظهر له ضعفه وحاجته. ويجب أن يحسن الداعي الظن بالله تعالى، وأن يعلم أنه سيجيب دعاءه. وعلى الداعى أن يتجنب أكل الحرام، وأن يكون مطعمه ومشربه وملبسه حلالًا. ويستحب للداعي أن يدعو بالأدعية المأثورة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن يختار الأدعية التي تناسب حاجته.
لقد شهد التاريخ الإسلامي العديد من القصص التي تجلت فيها قدرة الله على إجابة دعاء المضطرين. فكم من مكروب فرج الله كربه، وكم من مريض شفاه الله من سقمه، وكم من تائه هداه الله إلى طريقه. وفي واقعنا المعاصر، نرى العديد من الأمثلة على ذلك، فكم من شخص فقد الأمل في الحياة، ثم لجأ إلى الله بالدعاء، فأنقذه الله من يأسه، وأعاده إلى الحياة من جديد.
إن آية "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ" هي رسالة أمل لكل يائس، وبشارة خير لكل مكروب. إنها تذكرنا بأن الله معنا في كل لحظة، وأنه لن يتركنا وحدنا في مواجهة مصاعب الحياة. فلنلجأ إلى الله في لحظات ضعفنا، ولنتضرع إليه في لحظات يأسنا، ولنثق بأنه سيجيب دعاءنا، ويكشف كربنا، ويجعل لنا من كل ضيق مخرجا. ولنتذكر دائمًا أن الله هو "أرحم الراحمين".
وإذا لجأ إليك مضطر أو مكروب، تخلق بأخلاق الله فى إجابة المضطر، واعلم أنه هدية الله لك، فلا تتردد فى نجدته وفك كربه وإجابة طلبه، ما دمت قادرا على ذلك، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَة".ِ (رواه البخارى ومسلم، فى صحيحيهما).
[email protected]