د. أحمد جمعة صديق
• السلطة والثروة
يعتبر كيرتز، الشخصية الغامضة في رواية جوزيف كونراد "قلب الظلام"، هو شخصية معقدة تجسد تجليات السلطة والقوة بطرق عديدة مقنعة. يجسد كيرتز من خلال أفعاله وخطابه والتصورات الخاصة به، سحر وفساد ممارسة السلطة والقوة.
في بداية الرواية، يظهركيرتز بصورة أسطورية تقريباً، حيث يسمع مارلو، البطل والراوي، عنه قبل لقائهما بوقت طويل.
أحد أبرز الطرق التي يظهر بها كيرتز السلطة والقوة هو من خلال إتقانه لفن الخطاب والإقناع. فمع قراءة مارلو لتقارير كيرتز واستماعه إلى خطبه، يصبح واضحاً أن كيرتز يمتلك قدرة ملحوظة على الجذب والتلاعب بمستمعيه. لقد مكنته بلاغته والكاريزما التي يتمتع بهما من تجنيد السكان الأصليين لقضيته، مكتسباً ولائهم وتقديرهم. كلمات كرتز كتنت أداة فعَّالة لممارسة النفوذ، مما يسلط الضوء على العلاقة الحميمة بين اللغة والقوة.
يعكس سلوك كيرتز شعوراً بالإفلات من العقاب والاعتراف الذاتي والاستعلاء الذي يميز أولئك الذين يمارسون السلطة بدون رقابة. يُعفى كيرتز عن القيود المفروضة من الحضارة، حيث يُغوص في أعمق غرائزه دون خوف من عواقب العقاب. يستغل السكان الأصليين لصالحه الشخصي، بحصوله على كميات هائلة من العاج من خلال الإكراه والعنف. تكشف أفعاله عن وحشية ناجمة من السلطة المطلقة، حيث يعمل خارج الحدود الأخلاقية التي تحكم المجتمع العادي.
يُظهر انحدار كيرتز نحو الجنون على التأثير الفاسد للسلطة وتضخم الذات المرضية. ومع اقتحام مارلو إلى قلب الظلام، يشاهد عن قرب تحول كيرتز من انسان مثالي متحضر الى وحش ثم إلى طاغية فاسد. فبعدما تحرر من قيود الحضارة، يستسلم كيرتز لسحر السلطة المطلقة، تاركاً مبادئه الأخلاقية في سبيل السيطرة ويصبح سلوكه أكثر تقلباً ونرجسية، مما يعكس التأثير التآكلي للسلطة غير المراقبة على النفس البشرية في التآكل والاستهلاك الداخلي والتفسخ نتيجة للفساد الروحي والبدني.
وبالإضافة إلى خصائصه الشخصية، يرمز الوجود الجسدي كيرتز إلى تجسيد السلطة والقوة، فهو طويل القامة ويمثل مظهر كيرتز شخصية بارزة في مناظر الغابة الافريقية. ويوحي حضوره القوي بالخوف والتقدير من الذين يقابلونه، مما يعزز مكانته كشخصية سلطوية. وفي الواقع، يُعد وجود كيرتز بحد ذاته تذكيراً بقدرة المشروع الاستعماري على فرض إرادته على السكان الأصليين، بغض النظر عن النتائج الأخلاقية أو الأخلاقية.
ومع ذلك، فمن المهم أن ندرك أن سلطة كيرتز ليست مطلقة. على مر الرواية، هناك تلميحات للمقاومة والاعتراض على سلطته، سواء من السكان الأصليين أو من مارلو نفسه. وعلى الرغم من جهود كيرتز للحفاظ على السيطرة، إلا أن قبضته على السلطة قابلة للاهتزاز، وتُقوِّض قوى الطبيعة سلطته في نهاية المطاف وتدمر روحه البشرية الفانية، وبهذا يُعد كرتز مثالاً جيدا للعظة والعبرة، يفه ُذكِّر بالهشاشة الكامنة في السلطة وبمخاطر سوء استخدامها مهما كانت قوتها فهي الى زوال.
يمثل سلوك كيرتز في "قلب الظلام" استكشافاً قوياً لتجليات السلطة والقوة، من خلال إتقانه للخطاب اللغوي وقوة التفاوض، وشعوره بالاعتراف الذاتي، وانحداره نحو الجنون، ووجوده الجسدي المرعب. يجسد كيرتز السحر والفساد الكامن في ممارسة السلطة المطلقة. ومع ذلك، فإن مصيره المأساوي في النهاية يُسلِّط الضوء على حدود السلطة ولا مفر من سقوطها مهما طال ليلها. في استكشاف شخصية كيرتز، يدعو كونراد القراء إلى مواجهة الجوانب الأكثر ظلاماً من الطبيعة البشرية، وإلى التأمل في طبيعة السلطة وتداعياتها على المجتمع.
• تجليات السطة والانحدار نحو الهاوية
إن تحوّل كيرتز إلى شخصية شبيهة بالإله بين السكان الأفارقة يُعتبر موضوعاً مركزياً في رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد، حيث يعكس الدينامكيات المعقدة للاستعمار والسلطة وصغائر النفس البشرية. ويتم تصوير هذا التحول من خلال سلسلة من الأحداث والعناصر الرمزية عبر الرواية، مما يعني الانغماس في الظلام بالمعنى المجازي والحرفي على حد سواء. في هذا المقال سنتناول المواضيع الرئيسية التي تسلّط الضوء على تطور الصورة الانسانية وتطورها في تأليه الأفارقة لكيرتز.
• المثالية الأولية لكيرتز :
يبدأ كيرتز رحلته إلى قلب إفريقيا بنوايا مثالية بغرض جلب الحضارة والإستنارة للسكان الأصليين. وقد اكسبته كتاباته البليغة والمثالية احترام وتقدير أقرانه في المحيط الأوربي. ومع ذلك، فبمجرد أن يتعمق في مجاهيل الكونغو، تتحول مثالياته بفعل الواقع الوحشي للاستعمار إلى انحدار اخلاقي بعيد المدى.
• تجارة العاج والاستغلال:
ينخرط كيرتز بعمق في تجارة العاج، مستغلاً السكان الأفارقة بجني الارباح الطائلة من هذه التجارة. وتؤدي مطاردته اللاهثة للعاج إلى استغلال واستعباد السكان الأصليين، مما يتسبب لهم في معاناة هائلة ووفيات كثيرة. يشكل هذا الاستغلال أساس سلطة كيرتز وتأثيره على السكان الأصليين، حيث يسيطر على وسيلتهم الوحيدة للبقاء في البيئة الغابية القاسية.
• المحطة الداخلية:
يواجه كيرتز عندما يصل إلى المحطة الداخلية، أظلم جوانب الاستعمار والطبيعة البشرية. ونسبة لانعزاله عن المجتمع الأوروبي، يصبح مهووساً بالسلطة والسيطرة. ترمز المحطة الداخلية إلى انحدار كيرتز إلى الجنون والانحطاط الأخلاقي، حيث يستسلم للغرائز البدائية التي تحكم الغابة. وتمثل المحطة رمزية المكان فهي كالقصر الملكي، مكان لاقامة الملك ولكنه أيضاً المكان الذي يحتمي به الملك ويستمد منه السلطة بوجود الحاشية والاتباع.
• الكاريزما والبلاغة:
بالرغم من انحداره الأخلاقي، يمتلك كيرتز كاريزما جذابة و وحلاوة في اللسان تجذب من حوله اليه بمعسول الكلام، فقدرته على التعبير عن أفكاره وتلاعبه باللغة تمكنه من ممارسة السيطرة على الأوروبيين والسكان الأصليين على حد سواء. وتُعتبر الكاريزما عاملاً حاسماً في تأليه كيرتز بين الأفارقة، حيث يراهم منمنظوره كإله يتحلى بقوى خارقة.
• الثقافة الشخصية:
يتحول كيرتز إلى شخصية شبيهة بالإله من خلال إنشاء بيئة ثقافية حوله، فيعبده السكان الأفارقة كإله، ويقدمون له القرابين ويحترمونه في مقابل رضاه. ويعتقد الافارقة أن كيرتز يمتلك قوى سحرية يمكنها حمايتهم من الضرر وتحقيق السعادة لهم. وقد عززت هذه الثقافة وهم كيرتز بالعظمة الحقيقة، حيث يبدأ في رؤية نفسه شخصية شبيهة بالإله وقادرة على بسط نفوذها وحكم الغابة.
• رمزية البرية:
تعتبر مجاهيل الكونغو الموحشة رمزاً قوياً للتخلف. وتمثل القوى البدائية للطبيعة التي تتحدى السيطرة والفهم البشري. يرتبط تحول كيرتز إلى شخصية شبيهة بالإله بشكل وثيق بانغماسه في هذه المجاهيل، حيث يصبح منغمساً تماماً في العالم الحيواني ويتجاهل العالم المدني.
• رمزية الظلام:
يعم الظلام الرواية سواء بالمعنى الحرفي والمجازي، حيث يرمز إلى الغموض الأخلاقي والفراغ الروحي في قلب المستعمرين. تعكس رحلة كيرتز إلى ظلام الكونغو رمزية الانجدار إلى الانحطاط الأخلاقي والجنون. ويصبح منغمساً في الظلام مع فقدانه الاتصال بإنسانيته، ، وتجاهلها بصورة نهائياً، متبنياً هذا الظلام كمصدر للقوة والتحرر.
• موت الاله:
تمثل وفاة كيرتز ذروة المأساة عندما يتحول الاله الى كائن بشري قابل للاندثار الابدي ليتحول الى تراب. وفي سرير الموت، وحوله السكان الأفارقة المعجبون، ينطق بآخر كلماته الشهيرة: "الرعب! الرعب!" تلك الكلمات كانت تجسد الرعب الوجودي الذي يشعر به كيرتز من الفراغ والعجز في وجوده. وعلى الرغم من أوهامه بالعظمة، يواجه كيرتز في النهاية واقع قاسي لموته والانحطاط الأخلاقي لأفعاله.
ونخلص من ذلك ان تحول كيرتز إلى شخصية شبيهة بالإله بين الأفارقة في "قلب الظلام" عملية معقدة ومتعددة الأوجه، تعكس المواضيع المتشابكة للاستعمار ودينامكيات السلطة ونفس الإنسان. فمن خلال سلسلة من الأحداث والعناصر الرمزية، يستكشف المؤلف جوزيف كونراد الضبابية الأخلاقية للاستعمار والظلام الذي يكمن في نفوس البشر. ويعد انحدار كيرتز إلى الجنون والانحطاط الأخلاقي قصة تحذيرية للعبرة والتعلم عن التأثير الفاسد للسلطة ومخاطر الطموح غير المحدود.
aahmedgumaa@yahoo.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: السکان الأصلیین من خلال
إقرأ أيضاً:
إنطلاق فاعليات «تدريب سفراء السكان» بقاعة النيل بمركز التدريب بأسيوط
شهد اللواء الدكتور هشام أبو النصر محافظ أسيوط، إنطلاق فاعليات تدريب سفراء السكان بالتعاون بين مديرية الصحة والسكان والمجلس القومي للسكان فرع أسيوط وكلية الخدمة الإجتماعية بالجامعة، وذلك بقاعة النيل بمركز التدريب التابع لمديرية الصحة لتدريب الشباب من طلاب كلية الخدمة الإجتماعية للمشاركة في تحسين الخصائص السكانية والتنمية البشرية ضمن المبادرة الرئاسية "بداية جديدة لبناء الإنسان"، و تنفيذاً لاستراتيجية مصر 2030.
بدأت الفعاليات بالسلام الجمهوري تلاها كلمة الترحيب من وكيل وزارة الصحة بالحضور مشيداً بحرص المحافظ على الحضور والمشاركة في الفعاليات المختلفة خاصة التي تمس القضية السكانية ومواجهة الزيادة السكانية غير المبررة تفعيلاً للإستراتيجية القومية للسكان مع الإهتمام بصحة وتنمية الأسرة والعمل على وتنفيذ برامج الحد من النمو السكاني المرتفع تلاها كلمة مقرر المجلس القومي للسكان الذي أوضح أن التدريب بعنوان "التسويق الإجتماعي".
يأتي ضمن الخطة العاجلة التي يتم تنفيذها بمراكز (ديروط، أبو تيج، أبنوب) بالتنسيق بين كافة الجهات المعنية في هذا الشأن حيث يتم تدريب مجموعة من الشباب "سفراء السكان" بتلك المراكز ليكونوا سفراء وعي بقراهم بعد اكتسابهم المهارات وتوعيتهم بالرسائل الصحية وذلك لكسب التأييد والمشاركة المجتمعية في رفع الوعي السكاني في إطار متابعة الدكتورة عبلة الألفي نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان.
كما تفقد المحافظ ـ على هامش التدريب ـ وحدة التسويق الإجتماعي التي انشأتها مديرية الصحة لتكون منصة لإعادة صياغة الرسائل ونشرها على مواقع التواصل الإجتماعي من خلال شباب واعي مدرب.
وأكد محافظ أسيوط على تقديمه لكافة سبل الدعم الممكنة وتذليل العقبات أمام تنفيذ المزيد من الفعاليات والتدريبات لرفع الوعي بالقضايا المجتمعية المختلفة وتحسين الخصائص السكانية بالقرى والنجوع لافتاً إلى أهمية استغلال الإمكانات المتاحة لدينا والإستفادة من الشباب وطلاب المدارس والجامعات باعتبارهم أمل المستقبل في إستكمال مسيرة التنمية والبناء مشيراً إلى ضرورة التنسيق والتعاون بين كافة الجهات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية المعنية لنشر المعلومات الصحيحة وتقوية السلوكيات والعادات الإيجابية وتغيير السلوكيات السلبية وتحسين الخصائص السكانية ما يساهم في مواجهة الزيادة السكانية بالقرى والمدن وإيجاد حلول غير تقليدية للمشكلة السكانية لكونها قضية أمن قومي.