مع كل مرحلة جديدة في حياة الأمة يفترض أن يكون هناك مرحلة متطورة وجديدة من الوعي بالحقائق التاريخية، وبالقراءة الفاحصة للفكر الإسلامي، حتى لا نتخلف عن الركب، ويسبقنا العالم من حولنا بقيم نحن أحق بها ولكننا تركناها وأعاد العالم من حولنا إنتاجها فتقدم وتراجعنا.
فالهجرة النبوية – مثلا – من مكة إلى المدينة لم تكن حدثا عابرا في فكر الكثير من أرباب الفكر الإسلامي، فلم يكد حديثهم يتجاوز وصف الرحلة، وتتبع الروايات حول الحدث، والبعض يرى في الكثير منها بعدا عقائديا، والآخر بعدا تشريعيا، والبعض بعدا أخلاقيا، ولم نجد من يقرأ الحدث في أبعاده النظرية والرمزية، ولا في إشارات الانتقال التي كان يرمز إليها الفعل .
فالهجرة لم تكن إلا انتقالا من حال دل عليه المكان بكل دلالاته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ولذلك غفل الفكر العربي عن تفسير الحالة تفسيرا منطقيا يتسق ورسالة الإسلام كرسالة سماوية خاتمة للبشرية، ذلك أن إيماننا المطلق بالله يرى أن الله كان قادرا أن يزرع المحبة في قلوب كفار فريش ويجعل منهم أمة تتقبل الرسالة وتبشر بها العالم من حولها، لكن حدث العكس، فقد كانت قريش بكل مدلولات المكان الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بيئة طاردة للرسالة وغير قابلة للتحولات وحالات الانتقال التي يحملها الرسول الأكرم للبشرية، لذلك كانت الهجرة تعبيرا عن المناخ الملائم للإسلام بدلالة اسم المكان الجديد ” المدينة ” وتعبيرا عن رفض المحمول الثقافي للقرية، ومثل ذلك ثابت بالنص، فالقرآن حين يتحدث عن مكة فهو لا يتجاوز ملفوظ القرية إلى غيره وحين يتحدث عن يثرب كمكان جديد حاضن للرسالة المحمدية فهو يسميها بالمدينة وفي ذلك دلالة حضرية ذات بعد نظري عميق لم يقف عنده أرباب المذاهب ولا علماء الكلام كما وقفوا عن باب الطهارة والنجاسة وباب النكاح.
فالهجرة تشكل حالة انتقال من عصبية القرية إلى روح التعايش المدني الذي شكلته يثرب بتعددها الثقافي وبقيم التعايش الذي أسسته صحيفة المدينة وهي وثيقة كانت تنظم العلاقة بين أطياف المجتمع في المدينة من مهاجرين وأنصار وعرب مشركين ويهود ونصارى وهذه الوثيقة تمثل أول دستور لتأسيس الدولة الإسلامية الجديدة، معنى ذلك أن الإسلام مدني بطبعه، وجوهره التعايش والسلم والتسامح،
هذا المعنى الكبير الذي اشتغل عليه الفكر الإنساني، وتأسس بثورات في المجتمع الإنساني كالثورة الفرنسية وغيرها نحن كعرب وكمسلمين كنا أول من وضع مداميكه الأولى وصرفنا فكرنا عنه بالصراعات، وملأنا الفراغ بالغرائز التي طال جدالنا الفكري حولها تبريرا وتفنيدا وتشريعا وقياسا وإجماعا .
لا أعتقد أن فكرة التاريخ الهجري كانت فكرة عفوية غير مدعومة بالعناية الالهية بل ندرك عناية الله فيها حتى يقيم الحجة على الذين يتخذون الدين ومصالح البشر لهوا ولعبا وعبثا فكريا، وحتى يتذكر المسلمون كل عام جديد أن الهجرة صيرورة زمنية وحالة انتقال من عصبية القرية وغبنها واستغلالها وتمايزها الطبقي وعبوديتها إلى فضاء الإسلام وحريته ومساواته بين الخلق في الحقوق والواجبات، فكل فكرة مدنية معاصرة اشتغل عليها المفكرون عبر القرون والأزمنة نجد له جذرا في الفكر الإسلامي سواء في مصادر التشريع أو غيرها، فعهد الأمم المتحدة في حقوق الانسان وجدناه اسما ومصطلحا ومعنى وقيما ومبادئا في عهد الإمام علي عليه السلام للأشتر، ومبدأ المساواة نجده في السير مبثوثا لمن ألقى السمع أو كان بصيرا فالأمام علي عليه السلام يقف بين يدي القاضي وكان أميرا للمؤمنين دون أن يمنعه سلطانه من الامتثال للحق، وهذا نجده اليوم في العالم من حولنا – ونحن من سبق العالم اليه – ولكننا تركناه وتمثلوه .
ما يجب أن ندركه في هذا المخاض العسير الذي تمر به الأمة أن الذات تشعر بفراغ وبفقدان حلقات مهمة في سلسلة التراكم التاريخي والامتداد الحضاري وترميم المتصدع وإعادة الحلقات المفقودة إلى سياقها الحقيقي يتطلب جهدا مضاعفا فالذات التي تشعر بالفراغ الحضاري والفراغ التاريخي لا يمكنها التفاعل مع اللحظة الحضارية الجديدة لأنها تشعر بفقدان القيمة وتشعر بالاغتراب الحضاري والاغتراب التاريخي وبالتالي الاغتراب عن اللحظة الجديدة
والاشتغال على قيم السلام الاجتماعي والتماسك في عرى الأمة يتطلب مهارات ذهنية وثقافية وقواعد منطق سليم، لذلك فالفرق التي تشتغل على حالات الانقسام الاجتماعي، وتحاول تعميق ثقافة الثأر والعداوات على أسس مذهبية وطائفية تشكل خطرا على مستقبل الأمة.
لذلك نقول أن التركيز على بناء الإنسان بناء سليما يجب أن يكون من أولويات المرحلة، وتفعيل دور المؤسسات الثقافية – بكل تعددها الاجتماعي والثقافي والعقدي – للقيام بوظائفها في البناء الإنساني ويفترض أن يأخذ حظه من الاهتمام والتركيز والعناية، وإذا كنا نردد في خطاباتنا أن الإنسان هو هدف التنمية ومحورها، فمثل ذلك التوجه يقتضي التركيز وبشكل محوري على أساسيات البناء وأدواته وتحسين جودة الأداء وإطلاق العنان لخاصيتي الإبداع والابتكار.
المصدر: الثورة نت
كلمات دلالية: العالم من
إقرأ أيضاً:
مشاركة 300 من قادة الفكر العالميين بمؤتمر "القدرات البشرية" بالرياض
أعلن مؤتمر مبادرة القدرات البشرية الذي يقام بتنظيم من برنامج تنمية القدرات البشرية -أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030- عن قائمة المتحدثين المشاركين في النسخة الثانية من المؤتمر.
وينعقد تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس لجنة برنامج تنمية القدرات البشرية تحت شعار "ما بعد الاستعداد للمستقبل" يومي 13 - 14 أبريل 2025م في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات في الرياض.مؤتمر مبادرة القدرات البشريةوتشمل قائمة المتحدثين في النسخة الثانية من المؤتمر 300 من أبرز القادة وصنّاع السياسات والخبراء العالميين من القطاعات الأكاديمية، والشركات، والمنظمات الدولية، والمؤسسات غير الربحية من أكثر من 38 دولة.
أخبار متعلقة تخلّص آمن وسليم.. 80% من النفايات الطبية بالمنشآت الصحية "مُعدية"في 3 مناطق.. إحباط تهريب 234 كيلوجرامًا من القات و54 ألف قرص مخدرويشاركون في أكثر من 100 جلسة حوارية تهدف إلى تبادل الخبرات ومناقشة الأفكار التي تدعم تعزيز جاهزية القدرات البشرية لمواكبة التغيرات السريعة التي يشهدها العالم.
وسيشهد المؤتمر عقد اجتماع طاولة مستديرة وزارية بمشاركة 20 وزيرًا من مختلف دول العالم، إضافة إلى نخبة من الخبراء الدوليين المتخصصين في مجالات التعليم والتقنية، وسيسلط الضوء من خلال "منصة النجاح"، على أكثر من 35 متحدثًا سعوديًا لاستعراض قصص نجاحهم الملهمة.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } مؤتمر القدرات البشرية بالرياض - إكس برنامج مبادرة القدرات البشريةفعاليات مبادرة القدرات البشريةويستهدف المؤتمر توحيد الجهود الدولية وإثراء الحوار العالمي بما يُسهم في رسم مستقبل القدرات البشرية وبناء اقتصاد عالمي مزدهر في ضوء التحولات المستقبلية لسوق العمل خلال السنوات الخمس القادمة.
وذلك من خلال تسخير أحدث الوسائل لخلق بيئة تعليمية محفزة للإبداع والابتكار، ولبناء مجتمعات مترابطة، يشعر فيها كل فرد بالانتماء والمسؤولية تجاه الآخرين، لضمان نمو المجتمع، ولتمكين الأفراد والمجتمعات لبناء مستقبل أفضل، من خلال صناعة حلول مستدامة وأثر مستمر.
وأوضحت نائب الرئيس التنفيذي لبرنامج تنمية القدرات البشرية الدكتورة بدور الريّس، أن المؤتمر يستضيف نخبة من الخبراء المحليين والدوليين للعمل على صياغة الحلول والإستراتيجيات الداعمة للتحضير لتنمية القدرات البشرية لما بعد المستقبل.
وذلك بما يتماشى مع التحولات السريعة في سوق العمل خلال السنوات الخمس المقبلة، في ظل التقدم التقني المتسارع، مع توجيه النقاشات نحو تنمية القدرات البشرية وتعزيز جاهزيتها لمواجهة التحديات المستقبلية.القوى العاملة العالميةويتزامن الإعلان عن أسماء المتحدثين لبرنامج المؤتمر مع التقرير الصادر من المنتدى الاقتصادي العالمي الشهر الماضي، الذي كشف أن نحو 59% من القوى العاملة العالمية ستحتاج إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030 لمواكبة التحولات في سوق العمل العالمي.
وتضمن التقرير الإشارة إلى أن الفجوة في المهارات تمثل تحديًا كبيرًا أمام التحولات الاقتصادية، وتعيق التقدم في مختلف القطاعات وتفرض ضغوطًا جديدة على العاملين وأصحاب العمل.
وينعقد مؤتمر مبادرة القدرات البشرية بالشراكة مع وزارة التعليم, وستنظم الوزارة المعرض الدولي للتعليم (EDGEx) للفترة 13 - 16 أبريل 2025م في فندق الريتزكارلتون بمدينة الرياض, ليشكل ذلك أسبوع القدرات البشرية والتعليم، كمنصة لإطلاق الإمكانات الكاملة للقدرات البشرية.