صدر أخيراً العدد (91)، لشهر مايو (2024م)، من مجلة “الشارقة الثقافية”، وقد حفل بمجموعة متميزة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح، حيث تناولت كلمة العدد حاضر ومستقبل الثقافة العربية، مؤكدة أنه على الرغم من كل الأزمات والمحن التي توالت في فترات زمنية معينة، فإن الثقافة نجحت في بلورة ملامح خاصة بها، وفي امتلاك أدوات منتجة تدفع نحو التقدم والازدهار، وفي الاستفادة من جهود التيارات الفكرية المختلفة وأدبيات العصر، تحمي نفسها من ثقافة استهلاكية أو فردية أو شكلية، ولم تعد أسيرة ظروف تاريخية أو رهانات عفا عليها الزمن، وهي اليوم حاضرة بقوة، بمثقفيها ومبدعيها وتجلياتها، وهي حاضرة بثبات كحاضنة للمثقف، وكذلك بالنسبة إلى القارئ العربي، الذي أصبح أكثر انفتاحاً وانخراطاً في هذه الثقافة، وأكثر وعياً وقدرة على التمييز وتقبلاً للاختلاف واحتراماً لحرية الفكر.


أما مدير التحرير نواف يونس؛ فسلط الضوء على جهود رواد حركة النقد العربية المعاصرة، مؤكداً أهمية العودة إلى الينابيع الأولى، والأصالة الإبداعية، التي عاشتها أمتنا العربية الإسلامية، سعياً وبوعي لاستمرارية الوجود الإنساني المبدع، مع مواكبة العصر وما صاحبه من متغيرات ومتحولات فكرية ومعرفية، وهو ما يجعلنا الآن نستكمل تلك الرؤية بقصد ورصد لبدايات القرن العشرين، مع ازدهار المسيرة الإبداعية عربياً، وظهور حركة أدبية وفكرية وثقافية، تمثلت في مدارس وتيارات مثل، “حركة الإحياء”، و”مدرسة الديوان”، و”المهجر”، و”أبولو”، وبروز أسماء وقامات أدبية شامخة مثل، أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والعقاد، وطه حسين، وجبران خليل جبران، وبدوي الجبل.
وفي تفاصيل العدد، كتب يقظان مصطفى عن (القزويني) رائد في علوم الأنواء والفلك وقد لقب بـ(هيرودوت) القرون الوسطى، وسلط محمد الأرناؤوط الضوء على مؤلفات (حسن كلشي) وهو من المؤسسين للاستشراق الألباني، فيما وثق محمد حسين طلبي رحلته في دروب مدينة (تلمسان ) الجزائرية، التي تعد منارة تاريخية عبر الزمان، وجال علاء الدين حسن بين أطلال مدينة تدمر ومعالمها التاريخية، التي تعد جوهرة الصحراء السورية.
أما في باب (أدب وأدباء)؛ فكتب أحمد الصغير عن الدكتور محمد عبدالمطلب، الذي أسهم في اتساع الرؤية المعاصرة للدرس النقدي، وتوقف د. محمد خليل عند جهود المفكر محمد إسعاف النشاشيبي في تعزيز حركة التجديد وإحياء اللغة، واستعرض محمد سيد ريان مجموعة من الكتب الخالدة التي أسهمت في ثقافة جادة وبجهود أعلام الفكر والأدب، وقرأ محمد عبدالشافي سيرة الشاعرة جميلة العلايلي، التي عدها النقاد شاعرة الوجدان النسائي، وسلط د. حاتم الفطناسي الضوء على مسيرة المفكر محمد أبوهاشم محجوب وشغفه بالسيرة الذاتية، وتناول عبدالرزاق الربيعي كتاب (عبدالستار ناصر.. رواية لم تكتمل)، وهو لمحة وفاء من هدية حسين إلى ذكرى رحيل زوجها، فيما رصد خاطر محمد عبده فضاءات وكوامن الإبداع في تجربة اعتدال عثمان، التي تعتبر أن المبدع يعيد ترتيب الواقع جمالياً، وتطرقت ثراء هاني إلى تجربة الشاعر والناقد الحساني عبدالله، الذي يعد من أنضج وألمع الشعراء في جيل الستينيات، وبيّن د. سعيد عبيدي كيف صور عبدالسلام العجيلي غنى النفس البشرية وتطلعاتها، وربط الأدب بحياة وواقع الأديب، بينما حاور أحمد اللاوندي الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي إبراهيم أردش، الذي أكد أن ثمة من يقدر الأدب والإبداع، وتتبعت هبة النجار ارتحال عصام ترشحاني في مدارج الخيال حاملاً وجع القصيدة المشرعة بالدهشة، أما مصعب الصاوي فاحتفى بالشاعر محمد الفيتوري الذي حلق بأجنحة الشعر كفارس نبيل، وعاش على قلق كأن الريح تحته، والتقت شيمازا فواز الزعل الكاتبة سراب غانم، التي رأت أن الكتابة صيغة للتعبير عن الذات، فيما قدم خلف محمود أبوزيد إضاءة على جهود جورج غريغوري في التعريف بالحضارة الإسلامية وجماليات اللغة العربية، وحاور حمدي المليجي الشاعر موسى حوامدة، الذي أكد أن الثقافة فن الحلم، وكتب محمد محمد مستجاب عن أحد رواد النقد الأدبي العربي الدكتور عبدالقادر القط، الذي دمج الشكل والمضمون في العمل الإبداعي، وتناول محمد جمال المغربي المشروع الروائي للكاتب فتحي إمبابي، والذي يعنى بجلب أحداث تاريخية مهمة وإدراجها في ثنايا سرده، وكتبت رويدا محمد عن شاعر الحكمة والوجدان الإنساني طاهر الجبلاوي، الذي اختلف على شعره شوقي والعقاد، وحاور محمد زين العابدين الكاتب محمد سليم شوشة، الذي قال إن حياته في الريف وسعت مخيلته وأثرت شخصيته.
نقرأ في باب (فن. وتر. ريشة)؛ الموضوعات الآتية: غسان مفاضلة يبحث عن (الزمكانية) كأثر جمالي – بقلم محمد العامري، التشكيلية دارين أحمد.. لوحاتها تعبر عن عمق الألم الإنساني– بقلم علاء محمد زريقة، ياسمين حسامو.. قصة إبداع يفوح منها عبق التاريخ– بقلم رفاه هلال حبيب، عبدالله السعداوي.. المسرح لديه غاية فعل واع – بقلم أنور محمد، فاضل سوداني (المسرح الإغريقي هو الأصل)– بقلم ظافر جلود، بشار إسماعيل دخل قلوب الناس درامياً وحياتياً– بقلم لبانة شيخ أحمد، محمد وردي.. فنان إفريقيا الأول– بقلم د. جيهان إلياس، المخرج تار بيلا يوظف السينما وسيلة للتأمل والتفكير– بقلم محمود الغيطاني، فيلم (فتح أبواب السينما) يرصد ويوثق حياة ومسيرة محمد ملص السينمائية – بقلم د. لمى طيارة، (سيساكو) يصور فيلمه (شاي أسود) في الصين– بقلم أسامة عسل، قراءات في السينما المعاصرة – بقلم فارس خدوج.
وفي باب (تحت دائرة الضوء) قراءات وإصدارات: عمر الخيام.. والمخيلة العربية– بقلم انتصار عباس، الخيال في قصة (عالم عامر ولولي)– بقلم عزيز بعزي، (السطحيون) يكشف عن تأثير التكنولوجيا في أدمغتنا– بقلم سعاد سعيد نوح، ترجمة النقد التشكيلي الحديث– بقلم إيمان محمد أحمد، صورة شاملة لأجناس الأدب المغربي الحديث– بقلم ناديا عمر، (آمال وألوان) هناء رشيد هارون ورحلتها نحو قيم الخير– بقلم أديب مخزوم، (السر في البئر).. بين استلهام الموروث والمتخيل الشعبي– بقلم مصطفى غنايم، حديث المدن– بقلم حواس محمود.
من جهة ثانية؛ تضمّن العدد مجموعة من المقالات وهي: الحكمة والثقافة والتراث – بقلم علي كنعان، محمد رفعت.. صوت من السماء ومؤسس مدرسته الخاصة – بقلم د. محمد صابر عرب، الاقتباس وإعادة صياغة وسبك الموضوع – بقلم عبدالنبي اصطيف، أبوالمعاطي أبوالنجا.. ألمع كتاب القصة النفسية – بقلم مصطفى عبدالله، الروايات والكتب المفقودة– بقلم أنيسة عبود، عالم المجاز عند أحمد فضل شبلول – بقلم د. أحمد يوسف علي، الكتابة والهوية الإنسانية– بقلم ياسمين الترك، المعلم وثقافة المعاملة – بقلم رعد أمان، حلم سيتحقق ولو بعد حين– بقلم لوركا سبيتي، أنماط الرواية العربية الجديدة – بقلم محمد فؤاد علي، القصة القصيرة ومسيرة السرد الشعري الجديدة – بقلم حاتم عبدالهادي السيد، القول الشعري بين المبدع والمتلقي– بقلم غسان كامل ونوس، خزعل الماجدي وتأصيل العقل الإبداعي– بقلم د. بهيجة مصري إدلبي، أوزان الشعر وأصولها– بقلم الأمير كمال فرج، التباينات في أدب الطفل بين المجتمع الغربي والعربي – بقلم رؤى مسعود جوني، التراث الثقافي ودوره في التطور الحضاري– بقلم علي دولة، الأفكار لها أجنحة – بقلم رابعة الختام، تألق الدراما ودورها الثقافي التنويري – بقلم زياد الريس، سامي عبدالحميد.. مدرسة خاصة في الإخراج المسرحي – بقلم سوسن محمد كامل، عودة موفقة للدراما السورية – بقلم كمالا جلال خيربك.
ويحتوي العدد على مجموعة من القصص القصيرة، والترجمات لكوكبة من الأدباء والمبدعين العرب، وهي: الحسين لحفاوي (الممر الجحيم) قصة، تألق القصة الوصفية في (الممر الجحيم) – بقلم د. سمر روحي الفيصل، أمل ناصر (الشك) قصة قصيرة، د. حنان الشرنوبي (سؤال) قصة قصيرة، غسان حداد (مصادفة ليست مواتية) قصة قصيرة، د. أحمد علي منصور (راحلون) قصيدة مترجمة، إضافة إلى تراثيات عبدالرزاق إسماعيل (بزوغ فجر “الرجل الصالح”)، وأشعار لها حكاية (جميل بثينة)- بقلم وائل الجشي، و(أدبيات) فواز الشعار، التي تضمنت جماليات اللغة وفقه اللغة ودوحة الشعر.


المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

#سواليف

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.

مقالات ذات صلة حالة الخوف تدفع الذهب إلى مزيد من الصعود 2025/04/05

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.

رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.


سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • ما هي خطة “الأصابع الخمسة” التي تسعى دولة الاحتلال لتطبيقها في غزة؟
  • بعد غد.. 661 ناشراً وموزعاً من 94 دولة يجتمعون في “مؤتمر الموزعين الدولي” بالشارقة
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • “بلدي دبا الحصن” يبحث تطوير المنافذ الحدودية بالمدينة
  • الشارقة «كامل العدد» للقاء التعاون في «الآسيوية»
  • أحمد مالك يكشف سر “ولاد الشمس” وحلمه الذي تحقق
  • أغاني “عايشة الدور” تحقق صدى واسع.. ودنيا سمير غانم تعلق
  • شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم
  • «الرافد» تستعرض إنجازات الشارقة الثقافية
  • ذكرى رحيله.. «محمد أحمد شبيب» صوت النصر الذي أبكى المصريين