عقد ملتقى "الأزهر للقضايا المعاصرة" بالجامع الأزهر الشريف، ندوته الأسبوعية، تحت عنوان: "العبادات وأثرها في المجتمع"، وذلك تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وبتوجيهات من الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر، وإشراف الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على الرواق الأزهري، والدكتور هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر.

وحاضر في ملتقى هذا الأسبوع، ود. صابر أحمد طه، عميد كلية الدعوة الإسلامية الأسبق، ود. جميل تعيلب، وكيل كلية أصول الدين بالقاهرة، والشيخ إبراهيم حلس، مدير شئون الأروقة بالجامع الأزهر، وقال د. جميل تعيلب، إن السنة النبوية المطهرة تبين مكانة الأخلاق العظيمة في الإسلام سواء كانت في النواحي العقيدة أو التشريعية، فحُسن خُلق الإنسان يدل على سلامة عقيدته، وهناك عوامل كثيرة تدل على كمال الإيمان ومنها حُسن الخُلق؛ قال صلى الله عليه وسلم" الإيمان بضعٌ وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان".

 

وأضاف وكيل كلية أصول الدين بالقاهرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن كمال إيمان العبد وأن النواحي الأخلاقية ترتبط دوما بالخُلق الحسن، وتُرجمت هذه الأخلاق إلى نواحي عملية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وقد زخرت آيات الذكر الحكيم بالحديث عن أهمية النواحي الأخلاقية في حياة المسلم؛ فلقد ربط الحق سبحانه وتعالى بين العدل والعقيدة فلابد من تحقيق جميع صور العدل مثل عدل الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه، قال تعالى"يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم".

 

وتابع: لقد ربط الشرع الحكيم بين الأخلاق وبين العقائد، فلا يمكن الفصل بين الأخلاق وبين العقائد أو حتى بين العبادات، كما ربط الله سبحانه وتعالى خُلق الصدق بالإيمان، فقال تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"، فهو صفة جليلة لابد أن يتحلى بها المسلم لأن الحق سبحانه وتعالى قد وصف نفسه بالصدق، فقال تعالى {ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا}، {ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا}، وأفرد الحق سبحانه وتعالى سورة كاملة تحدثت عن الأخلاق المحمودة التي وجب على المسلم أن يتصف بها والأخلاق الذميمة التي يجب التخلي عنها وهي سورة الحجرات، التي بينت أهمية الأخلاق ومدى مردودها العملي في حياة الإنسان.

من جهته أوضح صابر طه، أن العبادة تعني الخضوع والطاعة وهي اسم لكل مايحبه الله ويرضاه، وقد أرسل الله جميع الأنبياء للبشر ليعبدوا الله وحده وهذا هو الهدف الأسمى من العبادة، لافتا إلى أن العبادة تكون بالقلب واللسان والجوارح، ولذا كان هناك ارتباط شديد بين العقيدة والشريعة والأخلاق، قال النبي ﷺ "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" مع أنه جاء بالعقيدة والشريعة.

 

وأضاف عميد كلية الدعوة السابق، أن العبادات لها وجهتان؛ الأولى تلبية ما أمر الله به وبالتالي تقرب المرء من ربه سبحانه وتعالى؛ فتأدية العبادات تؤثر تأثيرا مباشرا على المسلم فمثلا إذا داوم المسلم على الصلاة اعتاد النظافة والانضباط وضبط الوقت والالتزام به والسكينة ومراعاة مشاعر الآخرين كما في حديث النبي ﷺ "من أم بالناس فليخفف"  ، والثانية كانت من أجل العلاقة بين الإنسان وأخيه لتقوِي أواصر المحبة وتوطد العلاقات بين بني الإنسان، مما يكون له كبير الأثر على الفرد والمجتمع.

 

وفي نفس السياق، بيّن الشيخ إبراهيم حلس، أن الله سبحانه وتعالى طيّب لا يقبل إلا طيبا، فيجب على المسلم أن تكون جميع أفعاله وعباداته ابتغاء مرضات الله وحده ولا تشوبها شائبة، فالإنسان إذا ما تلوثت أخلاقه بالرذائل مُنع الأجر، فالعاق لوالديه مثلا لن يدخل الجنة حتى وإن كانت أعماله حسنة فيما يظهر للناس، أو من يحلف يمين الغموس ويصلي، فلن تُقبل صلاته بسبب سوء خُلقه، فمن سقى الكلب دخل الجنة بسبب خُلق الرحمة التي فاضت منه حتى عمّت الحيوان، وأخرى تدخل النار في هرة حبستها بسبب غلظة قلبها.

 

وتابع الشيخ حلس: ولهذا تعلقت وارتبطت العبادات بالأخلاق ارتباطا وثيقا لما لها من أثر بين العبد وربه وبين العبد والمجتمع، جاء حاجب "معاوية" ليعلن له أن رجلاً بالباب يقول: إنه أخوك يا أمير المؤمنين. ولا بد أن حاجبَ معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوةَ له، لكنه لم يَشَأْ أنْ يتدخَّل فيما يقوله الرجل وقال معاوية لحاجبه: ألاَ تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذِنَ معاويةُ للرجل بالدخول وسأله: أي إخوتي أنت؟ أجاب الرجل: أخوك من آدم. قال معاوية: رَحِم مقطوعة والله لأكون أوَّلَ من يَصلها.

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: سبحانه وتعالى

إقرأ أيضاً:

ثنائيات في أمثال السيد المسيح (6) .. اِغفِر واِرحَم.. في اجتماع الأربعاء

ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظته الأسبوعية في اجتماع الأربعاء مساء اليوم، من كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بالمقر البابوي بالكاتدرائية العباسية. 

ثنائيات في أمثال السيد المسيح

واستكمل قداسته سلسلة "ثنائيات في أمثال السيد المسيح"، وقرأ جزءًا من الأصحاح الثامن عشر من إنجيل معلمنا متى والأعداد (٢١ - ٣٥)، وتناول مَثَل الملك الذي يغفر والعبد الذي لا يغفر، وربط بين المَثَل وأحد المخلع (الوحيد) الواردة قصته في الأصحاح الخامس من إنجيل معلمنا يوحنا ، مشيرًا إلى القساوة البشرية في أقصى صورها.  

وأوضح قداسة البابا أن المَثَل يقدم عنصر الرحمة والتي لم تكن تتوفر لدى المحيطين بمريض بيت حسدا، وشرح رحمة الله الواسعة من خلال مشاهد المَثَل، كالتالي:
- في المشهد الأول يقدم لنا المَثَل مقارنة غير متوازنة بين الملك الذي يتنازل ويرحم ويترك الدين وبين العبد الذي يتعالى ويقسو ولا يترك الدين، ومريض بيت حسدا كان يريد الرحمة من المحيطين به "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يو ٥: ٧)، بينما رحمة الله واسعة "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ. بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (مز ٣٣: ٥، ٦).

البابا تواضروس: أمنا العذراء لها دور مؤثر في حياتناالبابا تواضروس يصلي قداس وتجنيز نيافة الأنبا باخوميوس بالبحيرة | صورالبابا تواضروس يتقدم موكب استقبال جثمان نيافة الأنبا باخوميوس في دمنهور.. صوروسط حزن الجميع.. البابا تواضروس يشهد صلوات تجنيز الأنبا باخوميوس| صور

يتكلم الأصحاح ذاته عن المعاملات الإنسانية والمغفرة للآخر، "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت ١٨: ٢١، ٢٢)، وإجابة السيد المسيح فتحت أمامنا أن الرحمة بلا نهاية.

المحاسبة في المَثَل تشير إلى يوم الدينونة، ومبلغ عشرة آلاف وزنة يُبيّن ضخامة الدين على الإنسان، فالإنسان مدين لله بكسر الوصايا وكأنها دين لا يُغفر، ولا يغفر هذا الكسر إلا رحمة الله.

"تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ" (مت ١٨: ٢٦)، هل نطلب من الله أن يتمهّل علينا حتى نحسن من سيرتنا، ونعيش في الوصية؟! فموقف الله من الإنسان متمثل في حبه وشفقته ورحمته وغفرانه، لأنها طبيعته.

"فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٢٧)، "دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (١ يو ١: ٧)، فالدين الذي علينا هو خطايانا وآثامنا ولذلك نلجأ إلى الله ليرفعها عنا ويرحمنا ونصير في بياض ناصع.

في المشهد الثاني يقدم المَثَل العلاقة بين العبد والعبد الآخر، "فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٣٠)، ونرى أن الإنسان أمام أخيه الإنسان تكون أذنيه صماء وقلبه حجريًّا بينما الله يستجيب للإنسان من كلمات قليلة يقدمها.

"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا" (مت ١٨: ٣١)، برغم أن الدين كان قليلًا جدًّا إلا أن الإنسان يسقط في القساوة والخطية بسبب الغفلة والنسيان، فالله ينظر إلى الآثام العظيمة التي صنعها الإنسان ويرفعها عنه، ونحن ننظر إلى الآثام الزهيدة ونتوقف عندها ولا نغفر لبعضنا البعض.

"وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ" (مت ٦: ١٥)، الله ينظر إلى مقدار مغفرتنا للآخر لكي يعطينا الرحمة من عنده، وبنفس المقدار.

"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا"، الله يسمع تنهدات البشرية من قسوة الآخرين، فعندما يسقط الإنسان في القساوة والخصام والعناد ينسى أن الله يمكن أن يرحمه، "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ" (أف ٣: ٢٠).

"أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مت ١٨: ٣٣)، الله يعاتب الإنسان لأنه بفعله يستبعد نفسه من نعمة الله.

وطرح قداسته تساؤلاً: أين نحن من هذه الرحمة؟ 
١- يجب أن نتذكر كل أيام حياتنا كيف يرحمنا الله ويغفر لنا ويستر علينا.

٢- يجب أن نتذكر أنه إذا غفرنا سيُغفر لنا وإذا لم نغفر سيضيع منا الملكوت، فصرخة مريض بيت حسدا صرخة مدوية للغاية "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ"، والأمر بيد الإنسان.

مقالات مشابهة

  • ديمومة الطاعة
  • كيف أعرف أن الله قبل صيامي؟ علي جمعة يوضح
  • علي جمعة: كثرة التعلق بالدنيا تُنسي الآخرة كما هو حال الكفار
  • دعاء الأزهر لأهل غزة.. اللهم اكْسُهُم وأَشْبِعْهُم وانصرهم على عدوهم
  • ثنائيات في أمثال السيد المسيح (6) .. اِغفِر واِرحَم.. في اجتماع الأربعاء
  • الإمام الكفيف بالأزهر: قبل الصلاة بكون في منتهى الرهبة وتزول فور قراءة القرآن
  • علي جمعة: السرور والفرح جزءٌ لا يتجزأ من حياة المسلم
  • علامات قبول العبادات وكيفية الاستمرار على الطاعة بعد رمضان
  • واحدة منها كانت في رمضان.. 8 أمور أخفاها الله عن عباده
  • نفحات رمضان بمنزلة الهدايا القيِّمة