مى سمير تكتب.. على إسرائيل أن تراجع تقاريرها الرسمية لكى تتأكد أن السابع من أكتوبر كان مسئوليتها
تاريخ النشر: 22nd, April 2024 GMT
- «الموساد» يعترف بأن «نتنياهو» قدم دعماً لـ«حماس» لكى يمنع إقامة دولة فلسطينية
- تقرير البيانات السنوى للجيش الإسرائيلى لعام ٢٠٢٢ يؤكد: «لا يتم تهريب أى أسلحة من مصر لإسرائيل»
- «نتنياهو» تجاهل تقريراً سرياً لوزارة الدفاع يدعوه للتوقف عن دعم «حماس» ويحذر من هجوم قادم
- تقرير عسكرى إسرائيلى صدر فى أوائل العام الماضى: «نحن نغذى أعداءنا بأسلحتنا»
- مركز مكافحة الإرهاب الأمريكى: الحدود المصرية الإسرائيلية لا تشهد فى المجمل تهريب أى أسلحة
-بعنوان (القاهرة تجاهلت التحذيرات الإسرائيلية بشأن تهريب الأسلحة إلى غزة.
ويبدو أن ضابط المخابرات الإسرائيلية فى حاجة لمراجعة تقارير جهاز الموساد، ووزارة الدفاع الإسرائيلية، بل وكذلك التقارير الأمريكية لكى يعرف أنه لا يحتاج لتوجيه أصابع الاتهام لأى طرف، فالمتهم الحقيقى هو «تل أبيب».
دعم إسرائيل لـ«حماس»على مدى سنوات، اتبعت الحكومات المختلفة، بقيادة بنيامين نتنياهو، نهجاً يقوم على حصار السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية من جهة ودعم حركة «حماس» فى غزة من جهة أخرى. هذه الحقيقة تتجاهلها اليوم الحكومة الإسرائيلية وهى تحارب «حماس» وتتساءل: من كان يدعم الحركة ويمدها بالأسلحة؟ سؤال ليس من الصعب الإجابة عنه، كل ما تحتاج إليه حكومة تل أبيب هو النظر فى المرآة.كانت الفكرة الرئيسية التى تسيطر على الحكومات الإسرائيلية هى منع عباس «أبومازن» -أو أى شخص آخر فى حكومة السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية- من التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية.ووفقاً لتقارير مختلفة، أشار «نتنياهو» إلى ذلك على نحو صريح فى اجتماع لكتلة الليكود فى أوائل عام ٢٠١٩، عندما نُقل عنه قوله إن على من يعارضون قيام دولة فلسطينية أن يدعموا تحويل الأموال إلى غزة، لأن الحفاظ على الفصل بين السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية و«حماس» فى غزة سيمنع قيام دولة فلسطينية.
وفى ديسمبر ٢٠١٢، أخبر «نتنياهو» الصحفى الإسرائيلى البارز دان مارجاليت أنه من المهم الحفاظ على قوة «حماس»، كثقل موازن للسلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية.
وقال «مارجاليت»، فى مقابلة أجريت معه، إن «نتنياهو» أخبره أن وجود خصمين قويين، بما فى ذلك «حماس»، من شأنه أن يقلل الضغط عليه للتفاوض من أجل إقامة دولة فلسطينية.وبتعزيز من هذه السياسة، ازدادت قوة «حماس» أكثر فأكثر حتى يوم السبت السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، «بيرل هاربور» الإسرائيلى، على حد وصف صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».فى الوقت الذى ضغط فيه «نتنياهو» على السلطة الفلسطينية وحاصرها، كانت «حماس» تتلقى دعماً إسرائيلياً يثير الكثير من علامات الاستفهام.لقد سمحت إسرائيل بدخول حقائب تحمل الملايين من الأموال إلى غزة عبر معابرها منذ عام ٢٠١٨، من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش مع حكام «حماس» فى القطاع. وفى إطار هذه السياسة تدفق ما يقرب من ٣٥ مليون دولار شهرياً لقادة «حماس».وصفت تال شنايدر، الكاتبة الإسرائيلية، هذا المشهد بشكل دقيق فى مقال يعود تاريخه إلى الثامن من أكتوبر ٢٠٢٣، أى بعد يوم واحد من أحداث السابع من أكتوبر. كتبت «شنايدر»: «فى معظم الأحيان، كانت السياسة الإسرائيلية تقوم على التعامل مع السلطة الفلسطينية كعبء وحماس كرصيد». هذا ما عبر عنه صراحة بتسلئيل سموتريش، السياسى اليمينى المتطرف الذى يشغل الآن منصب وزير مالية «نتنياهو»، فى عام ٢٠١٥، وهو العام الذى تم فيه انتخابه لعضوية البرلمان. قال «سموتريش»: «إن السلطة الفلسطينية تشكل عبئاً بينما تشكل حماس رصيداً».لسنوات، كان يتم إرسال ملايين الدولارات شهرياً إلى قطاع غزة، وهى أموال ساعدت فى دعم حكومة «حماس» هناك. ولم يتسامح رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو مع هذه المدفوعات فحسب، بل شجعها، على حد وصف صحيفة نيويورك تايمز فى مقال بعنوان «داخل الخطة الإسرائيلية التى دعمت حماس».حسب المقال، راهن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن وجود «حماس» قوية (لكن ليست قوية للغاية) من شأنه أن يحافظ على السلام ويقلل الضغوط المفروضة على إقامة دولة فلسطينية.خلال اجتماعاته فى سبتمبر لمناقشة تمويل «حماس»، وفقاً لعدد من الأشخاص المطلعين على المناقشات السرية، سُئل رئيس الموساد، ديفيد بارنيا، سؤالاً لم يكن مدرجاً على جدول الأعمال: هل تريد إسرائيل أن تستمر المدفوعات؟ وكانت حكومة «نتنياهو» قد قررت مؤخراً مواصلة هذه السياسة، لذلك قال «بارنيا»: نعم.وفى مقابلات مع أكثر من عشرين مسئولاً إسرائيلياً وأمريكياً حاليين وسابقين، ومسئولين من حكومات شرق أوسطية أخرى، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تفاصيل جديدة حول أصول هذه السياسة.كانت هذه المدفوعات جزءاً من سلسلة من القرارات التى اتخذها القادة السياسيون الإسرائيليون، وضباط الجيش ومسئولو المخابرات، وكلها تستند إلى تقييم خاطئ بشكل أساسى مفاده أن «حماس» لم تكن مهتمة أو قادرة على شن هجوم واسع النطاق.وحتى عندما حصل الجيش الإسرائيلى على خطط قتالية لغزو «حماس»، ولاحظ المحللون تدريبات كبيرة على الحدود فى غزة، استمرت المدفوعات.لسنوات، شارك ضباط المخابرات الإسرائيلية فى توزيع الأموال من حقائب مليئة بملايين الدولارات، كما تؤكد «نيويورك تايمز».كتب أفيجدور ليبرمان، بعد أشهر من توليه منصب وزير الدفاع فى عام ٢٠١٦، مذكرة سرية إلى «نتنياهو» ورئيس أركان الجيش الإسرائيلى. وقال إن «حماس» تعمل ببطء على بناء قدراتها العسكرية لمهاجمة إسرائيل، وقال إن إسرائيل يجب أن تضرب أولاً. وكتب فى المذكرة المؤرخة بتاريخ ٢١ ديسمبر ٢٠١٦، التى اطلعت صحيفة التايمز على نسخة منها، أن هدف إسرائيل هو «التأكد من أن المواجهة القادمة بين إسرائيل وحماس ستكون المواجهة النهائية». وقال إن ضربة استباقية يمكن أن تزيل معظم «قيادة الجناح العسكرى حماس». وقد رفض «نتنياهو» الخطة، مفضلاً دعم «حماس».يوسى كوهين، الذى أدار ملف تمويل «حماس» لسنوات عديدة كرئيس للموساد، جاء ليشكك فى سياسة إسرائيل تجاه أموال غزة. خلال سنته الأخيرة فى إدارة جهاز التجسس، كان يعتقد أن هناك القليل من الرقابة على أين تذهب الأموال. وفى يونيو ٢٠٢١، ألقى «كوهين» أول خطاب علنى له بعد تقاعده من جهاز التجسس. وقال إن الأموال الموجهة إلى قطاع غزة «خرجت عن السيطرة».تهريب الأسلحةإذا كانت الحكومة الإسرائيلية غضت الطرف عن الدعم المالى المقدم لـ«حماس» كوسيلة لمنع إقامة دولة فلسطينية، فالسؤال الصعب هو: هل كانت إسرائيل مسئولة عن تسليح «حماس»؟ إجابة هذا السؤال لا تحتاج سوى إلقاء نظرة خاطفة على تقرير صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: (من أين تحصل «حماس» على أسلحتها؟ على نحو متزايد، من إسرائيل) بتاريخ ٢٩ يناير ٢٠٢٤.حسب تقرير «التايمز»، خلص مسئولون عسكريون واستخباراتيون إسرائيليون إلى أن عدداً كبيراً من الأسلحة التى استخدمتها «حماس» فى هجمات ٧ أكتوبر وفى الحرب فى غزة جاءت من مصدر غير متوقع: الجيش الإسرائيلى نفسه.لسنوات، أشار المحللون إلى طرق التهريب السرية لتفسير كيف بقيت «حماس» مدججة بالسلاح على الرغم من الحصار العسكرى الإسرائيلى لقطاع غزة، إلا أن المعلومات الاستخباراتية الأخيرة أظهرت مدى قدرة «حماس» على بناء العديد من صواريخها وأسلحتها المضادة للدبابات من آلاف الذخائر التى لم تنفجر عندما قامت إسرائيل بقذفها على غزة، وذلك وفقاً لخبراء الأسلحة ومسئولى الاستخبارات الإسرائيلية والغربية. كما تسلح «حماس» مقاتليها بأسلحة مسروقة من القواعد العسكرية الإسرائيلية.وكشفت المعلومات الاستخبارية التى تم جمعها خلال أشهر من القتال أنه مثلما أساءت السلطات الإسرائيلية تقدير نوايا «حماس» قبل السابع من أكتوبر، فقد أساءت أيضاً تقدير قدرتها على الحصول على الأسلحة.ما هو واضح الآن هو أن الأسلحة ذاتها التى استخدمتها القوات الإسرائيلية لفرض الحصار على غزة على مدى السنوات الـ١٧ الماضية تستخدم الآن ضدها. لقد مكّنت المتفجرات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية «حماس» من إمطار إسرائيل بالصواريخ، ولأول مرة غزو البلدات الإسرائيلية من غزة.وقال مايكل كاردش، النائب السابق لرئيس قسم إبطال المتفجرات فى الشرطة الوطنية الإسرائيلية ومستشار الشرطة الإسرائيلية: «الذخائر غير المنفجرة هى المصدر الرئيسى للمتفجرات بالنسبة لـ«حماس». إنهم يقومون بتقطيع القنابل من إسرائيل، وقنابل المدفعية من إسرائيل، ويتم استخدام الكثير منها بالطبع، وإعادة استخدامها فى متفجراتهم وصواريخهم».يتباهى الجناح العسكرى لحركة «حماس»، كتائب القسام، بقدراته التصنيعية منذ سنوات. فبعد حرب عام ٢٠١٤ مع إسرائيل، أنشأت فرقاً هندسية لجمع الذخائر غير المنفجرة مثل قذائف الهاوتزر الأمريكية الصنع.وقال أحد قادة كتائب القسام لقناة الجزيرة فى عام ٢٠٢٠: «تهدف استراتيجيتنا إلى إعادة استخدام هذه القطع، وتحويل هذه الأزمة إلى فرصة».كما أضاف تقرير «التايمز» أن السلطات الإسرائيلية اعترفت أيضاً أن مستودعات أسلحتها كانت عرضة للسرقة. فقد أشار تقرير عسكرى صدر فى أوائل العام الماضى إلى أن آلاف الرصاصات ومئات البنادق والقنابل اليدوية قد سُرقت من قواعد ضعيفة الحراسة. جاء فى أحد سطور التقرير الذى اطلعت عليه صحيفة نيويورك تايمز: «نحن نغذى أعداءنا بأسلحتنا».ولكن المعلومة الأكثر أهمية يقدمها بحث بعنوان (الأسلحة والمخدرات والمهربون: التحدى المتزايد الأخير على حدود إسرائيل مع الأردن ومصر) من إعداد مركز مكافحة الإرهاب فى واشنطن بالولايات المتحدة، المنشور بتاريخ يوليو ٢٠٢٣. يؤكد البحث الأمريكى أن الحدود المصرية الإسرائيلية لا تشهد عمليات تهريب واسعة للأسلحة.عن مجمل عمليات التهريب، أشار البحث: «من بين ٥٢ محاولة تهريب تم الإبلاغ عنها عبر الحدود المصرية الإسرائيلية، كان هناك ٤٩ محاولة تهريب مخدرات، بينما شملت الحالات المتبقية أسلحة».قد تتفهم مصر غضب إسرائيل من تدفق المخدرات عبر الحدود، وقد تحاول السلطات المصرية مساعدة «تل أبيب» فى حل مشكلة المخدرات التى يبدو أنها منتشرة على نطاق واسع هناك، ولكن من غير المفهوم الحديث عن تهريب الأسلحة، بينما يؤكد تقرير أمريكى حديث أن الأسلحة المهربة عبر الحدود المصرية مع إسرائيل لا تمثل نسبة تذكر.كما تحتاج إسرائيل إلى مراجعة تقاريرها الرسمية التى أشارت إليها الورقة البحثية الأمريكية. وفقاً للبيانات الموجزة الواردة فى تقرير البيانات السنوى للجيش الإسرائيلى لعام ٢٠٢٢، أى قبل عام واحد من أحداث السابع من أكتوبر، قفز عدد الأسلحة المهربة التى تم ضبطها على الحدود الأردنية أو بالقرب منها إلى نحو ٥٧٠ قطعة سلاح، وهى كمية كبيرة مقارنة بـ٢٣٩ قطعة سلاح تم ضبطها على حدود إسرائيل مع لبنان وسوريا، وما يقدر بصفر قطعة سلاح تم تهريبها من مصر فى العام نفسه. قد يحتاج المسئولون فى «تل أبيب» لقراءة الرقم مرة أخرى لكى يتأكدوا من تقييمات الجيش الإسرائيلى نفسه الذى قال نصاً: «صفر قطعة سلاح تم تهريبها من مصر».الأمن المصرىفى مقابل هذه الإخفاقات الإسرائيلية، سواء الأمنية أو العسكرية، نجحت مصر فى استعادة الاستقرار فى شبه جزيرة سيناء فى وقت كانت تعانى فيه المنطقة بأكملها من تصاعد التهديد الإرهابى.ومن جديد على ضابط المخابرات الإسرائيلى أن يلقى نظرة سريعة على الشهادات الغربية، وليست المصرية، التى تثنى على نجاح مصر فى القضاء الإرهاب فى شبه جزيرة سيناء واستعادة الاستقرار والأمن.كتبت سيمون ليدين، المسئولة السابقة فى البنتاجون والزميلة الزائرة فى معهد الأمن القومى بجامعة جورج ماسون، أن «الدولة المصرية والرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى يمثلان حصناً حاسماً ضد الجماعات المتطرفة».وفى شهادة بالكونجرس الأمريكى عام ٢٠١٨، أشار النائب الأمريكى تيد دوتش: «فى عالم الإرهاب، كانت مصر قوة قتالية مكرسة ضد خلايا داعش فى جميع أنحاء البلاد، خاصة فى سيناء».وأضاف: «يعكس تفانى مصر فى محاربة هذه المجموعة الإرهابية الخطيرة أرضية مشتركة مع الولايات المتحدة ونحن فى غاية الامتنان لذلك».وفى الجهة الأخرى من المحيط الأطلسى، قالت فلورنس بارلى، وزيرة الدفاع الفرنسية السابقة، فى حوار مع محطة فرانس إنفو: «لدينا أيضاً علاقة خاصة مع مصر، فهى دولة شاركت لفترة طويلة جداً فى مكافحة الإرهاب إلى جانبنا، وهى دولة التى تلعب دوراً مهماً فى منطقة غير مستقرة للغاية، وهى الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط».هذه الأمثلة هى غيض من فيض للعديد من التقارير الدولية التى ترد على ادعاءات إسرائيل، والتى تحاول إخفاء الحقيقة الواضحة وضوح الشمس وهى أن هجوم 7 أكتوبر هو تجسيد لفشل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.يبقى فى النهاية الإشارة إلى أن «نتنياهو» بتعنته الواضح فى مفاوضات وقف إطلاق النار لا يسعى سوى لتحقيق هدفه الأسمى: البقاء فى الحكومة حتى نهاية عام 2026 ومن ثم الفوز فى الانتخابات.
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: مي سمير إسرائيل إقامة دولة فلسطینیة صحیفة نیویورک تایمز السلطة الفلسطینیة الجیش الإسرائیلى السابع من أکتوبر الحدود المصریة هذه السیاسة قطعة سلاح وقال إن لـ حماس تل أبیب مصر فى فى غزة
إقرأ أيضاً:
لماذا لن يعود نتنياهو لقرار الحرب؟
منذ تم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق المراحل الثلاث لوقف النار وتبادل الأسرى في أواخر عهد إدارة بايدن، وبتشجيع من الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، كان جليًا أن حكومة نتنياهو لا تنوي تنفيذه بالجملة، وإنما "بالقطاعي"!
وكان نتنياهو، الذي سبق أن عرض المقترح نفسه على بايدن قبل إعلان الاتفاق عليه، قد تراجع عن مقترحه بعدما أدرك أن تنفيذه سيؤدي بائتلافه الحكومي إلى الانفراط. ولم يتغير البتة موقفه منذ ذلك الحين وحتى الآن. فتنفيذ الاتفاق، كما كان، مرفوض ليس فقط من وزراء عوتسما يهوديت، الذين انسحبوا بسبب القبول بتنفيذ المرحلة الأولى، ولا من وزراء الصهيونية الدينية، الذين ربطوا بقاءهم برفض البدء بتنفيذ المرحلة الثانية، وإنما أيضًا برفض الكثيرين من وزراء الليكود. ومعروف أن نتنياهو وافق على صفقة المراحل كنوع من الاضطرار وبهدف نسف الاتفاق في أول فرصة.
كان نتنياهو يعلم أنه، وبقدر ما لديه من هامش مناورة لدى إدارة بايدن، فإنه لا يملك أي هامش من هذا النوع مع إدارة ترامب، التي يتعامل معها وكأنها نوع من كوارث الطبيعة المستحسن تجنب الصدام معها.
وقد انطلقت إدارة ترامب في البداية من أن اتفاق المراحل جيد لإنهاء هذه الأزمة، لكنها، وبقدر ما كان الوقت يمر، صارت تتقرب من الموقف الإسرائيلي. تشهد على ذلك إنذارات ترامب وتهديداته المتكررة لحماس، ليس فقط بشأن الأسرى، وإنما أيضًا بشأن وجودها.
إعلانوبديهي أنه عندما لاحظ اليمين الإسرائيلي المتطرف أن ترامب يلتف على نتنياهو من جهة اليمين ويشجعه، خصوصًا بعدما عرض خطة تهجير غزة، صار وضع نتنياهو أضعف. صحيح أن نتنياهو ارتاح في وقت ما إلى حقيقة أنه صار أقرب إلى الوسط بين أغلبية شعبية ومؤسسة أمنية وعسكرية تطالب بتنفيذ اتفاق المراحل، وأغلبية يمينية تلح عليه برفضها. فقد بدا أنه مع انتهاء المرحلة الأولى، عاد نتنياهو إلى موقعه المفضل كزعيم أيديولوجي لليمين المتطرف.
وجاء ذلك القرار الإسرائيلي، بعد جلسة أمنية ترأسها نتنياهو، بمشاركة وزير الحرب وكبار المسؤولين الأمنيين وفريق التفاوض، اعتمدوا خلالها الخطوط العريضة التي اقترحها مبعوث الرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، لوقف مؤقت لإطلاق النار خلال شهر رمضان وعيد الفِصح.
ويتضمن إطلاق سراح نصف الأسرى الإسرائيليين، أحياءً وأمواتًا، في اليوم الأول من الاتفاق، وفي النهاية إطلاق سراح الأسرى المتبقين، أحياءً وأمواتًا، إذا تم التوصل إلى اتفاق على وقف دائم لإطلاق النار.
وليس صدفة أن مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، وبعد تصريحاته القوية والمتكررة بشأن وجوب تنفيذ المرحلة الثانية، حتى مع اعترافه بأنها أصعب من المرحلة الأولى، عاد ليعرض مقترح نتنياهو.
وهكذا كانت المحاولة الإسرائيلية الفاشلة لمواصلة تبادل الأسرى وفق مفاتيح التبادل التي كان متفقًا عليها لـ "المرحلة الإنسانية". وربما لتشجيع حماس على القبول بهذه اللعبة، جرى الحديث عن استعداد لمنح عدد أكبر من الأسرى الفلسطينيين مقابل كل أسير حي إسرائيلي.
وتلبي خطة ويتكوف مطالب إسرائيل بالكامل، حيث تسمح بالإفراج عن الأسرى على دفعتين، وتؤجل الحاجة إلى إعلان إسرائيل عن وقف إطلاق نار دائم بضمانة أميركية.
يمنح هذا نتنياهو فرصة سياسية، إذ تؤجل الخطة المواجهة مع بتسلئيل سموتريتش في الائتلاف، وتسمح بالموافقة على ميزانية الحكومة هذا الشهر (إذا لم تتم الموافقة على الميزانية هذا الشهر، فإن الحكومة، وفقًا للقانون، ستسقط وسيتم الإعلان عن انتخابات مبكرة).
إعلانلكن القصة عند حماس ليست فقط تبادل أسرى، بوجود ضلعين آخرين لمثلث صفقة التبادل، وهما إنهاء الحرب وإعادة الإعمار. وإسرائيل لا تريد البتة الدخول في أي مناقشة لإنهاء الحرب أو إعادة الإعمار من دون أن تحقق "أهداف الحرب".
وبكلمات أخرى، فإن إسرائيل تريد أن تحقق بالمفاوضات ما فشلت في تحقيقه بالحرب: تدمير حماس، وإنهاء سلطتها، ونزع سلاح قطاع غزة، ومنعه من أن يشكل أي خطر مستقبلي عليها. ولهذا السبب، رفضت أيضًا المقترحات العربية لإعادة إعمار غزة، والصيغة المصرية لإدارة شؤون الحكم في غزة.
وما إن رفضت حماس الاقتراح الأميركي الذي عرضه ويتكوف عن بعد، حتى بدا لنتنياهو أن فرصته للانقلاب على اتفاق المراحل الثلاث رسميًا قد حانت. وهكذا، بدلًا من عرض اقتراحات جديدة، استغل التأييد الأميركي، وأعلن إغلاق جميع المعابر التي تنقل عبرها المساعدات الإنسانية ووقف إمدادات الوقود والغاز. ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن عن قرار حكومي بتجنيد قوات احتياطية قد يصل عددها إلى 400 ألف جندي.
وهكذا، فإن إسرائيل، بدعم أميركي، "تنسف" بشكل أحادي الجانب اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى عبر رفضها تنفيذ خطوتين مركزيتين: إخلاء محور فيلادلفيا، والبدء بمفاوضات المرحلة الثانية.
وهنا بدأت لعبة بوكر بكل الوسائل التهديدية والاحتيالية. فحماس، التي سبق أن أعلنت رغبتها في التفاوض دفعة واحدة لإنهاء الحرب وتبادل كل الأسرى وإعادة الإعمار، اضطرت للرد على اقتراحات مفاتيح التبادل بالمطالبة بما بين 500 إلى 1000 أسير فلسطيني مقابل كل أسير إسرائيلي، وفقًا لمكانته ورتبته. وأدرك كل من في رأسه عقل أن الطرفين يتجهان إلى مسار تصادمي.
حماس، من جهتها، ليست متعجلة للذهاب إلى القتال، خصوصًا أنها عمدت إلى احتواء أغلب الانتهاكات الإسرائيلية التي تمت منذ بدء المرحلة الأولى. وأيضًا، إسرائيل، التي تلوح بالعودة إلى الحرب، تدرك صعوبة ذلك، على الأقل حاليًا، لاعتبارات داخلية وإقليمية ودولية.
إعلانفموقف نتنياهو بالذهاب للحرب ضعيف أمام أغلبية الشارع الإسرائيلي، التي ترى أن الأولوية هي للإفراج عن الأسرى عبر التفاوض ودفع الثمن. كما أنه، ورغم تهديدات ترامب لحماس وإعلانه أنه سيؤيد كل قرار تتخذه إسرائيل، يحاول أن يرسم لنفسه صورة الزعيم الذي ينهي الحروب وليس من يشعلها.
وإضافة لذلك فإن استئناف الحرب يضع الدول العربية أمام خيارات صعبة، خصوصًا أنها وجدت اعتراضًا من إسرائيل وليس من حماس على مخططاتها لغزة.
وربما لهذه الأسباب، تحاول إسرائيل استغلال عدة روافع ضغط تمتلكها حاليًا بدل العودة للحرب التي لن تقف عند حدود غزة. وهناك من داخل الجيش والمؤسسة الأمنية من يرى أنه ينبغي وضع علامة استفهام على مواقف ترامب، لأن من المستحيل معرفة متى "سيغير" مساره ويوقف دعمه.
والسبب الثاني هو أن الإمدادات العسكرية الجديدة، خصوصًا من القنابل مخترقة الملاجئ يراد بها في المقام الأول أن تكون وسيلة تكتيكية ذات تداعيات إستراتيجية، تفكر إسرائيل من خلالها في مهاجمة إيران في مرحلة ما.
صحيح أن إسرائيل توحي بأن العودة للحرب على غزة على الأبواب، أو أن الضغوط العسكرية سوف تتصاعد في الأيام القريبة، وهو أمر ليس مستحيلًا في ظل حكومة نتنياهو اليمينية.
ولكنّ هناك أمورًا لا يمكن تجاهلها، مثل تغيير رئيس الأركان الإسرائيلي وما يستتبع ذلك من إقرار خطط جديدة، ثم الخلافات داخل الائتلاف الحكومي بسبب قانون تجنيد الحريديم والتصويت في الكنيست على الميزانية العامة.
عمومًا، ثمة ثقة في إسرائيل بأن ويتكوف، سيحاول إتمام الصفقة بروح الخطوط العريضة التي وضعها.
وتحاول إسرائيل، التي أعلنت رسميًا بالفعل موافقتها على الخطوط العريضة لمقترحه، مساعدته من خلال إستراتيجية تفاوضية قائمة على سياسة حافة الهاوية والتشدد في المواقف، وكل ذلك بأمل أن يكون قادرًا على إخراج عربة المفاوضات من الوحل الذي هندس نتنياهو الأمور كي تصل إليه.
إعلانوكتب المعلق العسكري في يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي: "في الوقت الحالي، كل الكرات في الهواء، ولا توجد علامة واضحة على المكان الذي ستسقط فيه. ويعمل الوسطاء حاليًا على إقناع حماس بقبول خطة ويتكوف الجديدة. وقد وافقت عليها إسرائيل بالفعل. ولذلك فإن عائلات الأسرى ستستمر في المعاناة، وأعصاب الشعب الإسرائيلي ستستمر في الإرهاق، وستواصل حماس شن حرب نفسية تزداد قذارة وقسوة، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمتلكها للتأثير على صناع القرار في إسرائيل". وذلك لحين انتهاء المفاوضات.
في كل حال، حذر المحامي أورئيل لين في معاريف من أنه: "لم يعد هناك مجال أو مكان للادعاءات، والشروحات والتفسيرات. صفقة التبادل، المرحلة الثانية، يجب إنهاؤهما بسرعة، في فترة زمنية لا تتجاوز بضعة أسابيع، وإلا، فستكون هناك هزة أرضية قومية لم يسبق أن كان لها مثيل حتى اليوم، ولا حتى بعد حرب يوم الغفران. صدع قومي عميق، لم نشهده من قبل. من الصعب التقدير إذا كان سيكون ممكنًا رأبه في عشرات السنين المقبلة. خجل وعار سيحلان إلى الأبد على حكومة تعيق استكمال المرحلة الثانية في صفقة تحرير المخطوفين، ولا يهم ما هي الذرائع لذلك".
كما أن زعيم المعارضة، يائير لبيد، انتقد بشدة قرار حكومة نتنياهو، قائلًا:"لقد تم إيقاف صفقة الأسرى. تم إيقاف المساعدات إلى غزة. وافقت الحكومة على تعبئة 400 ألف جندي احتياطي. ما هو الهدف؟ ما هو الهدف الذي وضعه نتنياهو لنفسه؟ هل قررت الحكومة التخلي عن الأسرى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ من أجل أي هدف وطني هو الأهم؟ إذا عدنا للحرب، ما هو هدف الحرب؟ من سيحل محل حماس في النهاية؟ مرة أخرى، تتحرك الحكومة الإسرائيلية دون خطة، ودون رؤية. نأمل أن يكون الأمر على ما يرام، فهذا هو أقصى ما تمكنوا من التخطيط له".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إعلان aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline