منذ قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بحل الأحزاب السياسية بعد ثورة 1952، والشعب المصرى يكافح من أجل الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية. وبعد هذه السنوات الطويلة من الزمن، تبين أن أكبر خطأ وقعت فيه ثورة 1952، هو ارتكاب جريمة فى حق الحياة السياسية، عندما تم حل الأحزاب، وأن أكبر ضرر للبلاد هو اتباع سياسة الحزب الواحد والفكر الواحد، لأن ذلك يفصل الناس عن واقع الحكم، كما تسبب ذلك فى وقوع الكثير من الكوارث للبلاد، ما جعل أى إنجاز حققته ثورة 1952، محل ريبة وشك.
وبسبب الانتكاسات الكثيرة التى تعرضت لها تلك الفترة، أدرك «عبدالناصر» فى عام 1968، أهمية التعددية الحزبية، بديلاً للحزب والرأى الواحد، وهذا ما دفعه، كما سمعت من الزعيم خالد الذكر فؤاد سراج الدين، أنه كان يعتزم عودة الحياة السياسية القائمة على التعددية، لكن المنية وافته قبل أن يبدأ هذه الخطوة التى كانت ستنقل مصر نقلة مهمة فى تاريخ الديمقراطية. وهذا يؤكد أن «عبدالناصر» كانت لديه قناعة تامة بأن حزب الرئيس المتفرد وحده بالسلطة لا يكفى لتحقيق الحياة السياسية السليمة التى تتمناها الجماهير. وعندما قرر الرئيس الراحل أنور السادات بعد نصر أكتوبر العظيم، تبنى فكر المنابر والأحزاب الثلاثة المعروفة باليمين واليسار والوسط إنما كان يفكر جدياً فى التعددية الحزبية، لكنها كانت على نطاق محدود جداً، بهدف إقامة حياة ديمقراطية قائمة على التعددية، وجاء أسوأ ما فيها، هو تبنى الرئيس أو رئاسته لحزب بعينه والمسمى بالوسط، والذى يعد النواة للحزب الوطنى المنحل. واستمر كفاح المصريين من أجل الديمقراطية فى عهد الرئيس محمد حسنى مبارك، بعد ما سيطر الحزب الوطنى على مقاليد كل شىء، وبدأت الحرب الضروس على جميع الأحزاب الأخرى، بل سعى النظام بكل قوته إلى تشويه هذه الأحزاب، وأصبحت فكرة الديمقراطية شكلية. نحن الآن نؤسس لدولة ديمقراطية عصرية حديثة قوامها الأحزاب السياسية القوية الفاعلة، ما يستوجب علينا أن نستلهم العبرة من الماضى، فى ظل أن المرحلة القادمة ستشهد تطورات مختلفة بشأن تفعيل الحياة السياسية والحزبية تفعيلاً للمادة الخامسة من الدستور التى تقضى بأن النظام السياسى فى البلاد قائم على أساس التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة واحترام حقو ق الإنسان وحرياته.. والعبرة هنا تقتضى ألا نكون أمام حزب واحد «حزب السلطة» الذى يجمع فى يده كل السلطات والمزايا، سواء كان هذا ظاهراً ومعلناً أو غير معلن، لأن ذلك يدفع الناس إلى الهرولة إليه لتحقيق مصالحها، وهذا يكرس أيضاً مشهد الحزب الوطنى والحزب الأوحد، المحفور فى عقلهم الباطن.. هذا المشهد يجب ألا يتكرر، فحزب واحد للسلطة وتهميش باقى الأحزاب أو الحرب عليها، فكرة مرفوضة جملة وتفصيلاً.. ونذكر بأنه فى يوم «8 أغسطس عام 2010» دعا حزب الوفد الأحزاب والقوى السياسية، لبحث تفعيل التعددية الحزبية، ورفض سيطرة الحزب الوطنى.
والآن مع بداية السعى أمام التعددية الحزبية، نرجو ألا يتكرر ذات المشهد. والآن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، ولا تسمح الدولة بالمزايدة، أو المتاجرة باسمها على النحو الذى يعيد المشهد القديم الراسخ فى الأذهان والذاكرة عن الحزب الوطنى أو حزب السلطة أياً كانت التسمية، فهذا يحرك فى النفوس معاناة الشعب من كوارث حزب السلطة أو الحزب الوطنى المنحل، والذى تسبب فى معاناة شديدة للجماهير طوال عقود زمنية مضت. آن الأوان أن يجنى الشعب ثمار ثورة 30 بونيو خالصة نقية مبرأة، وهذا هو موقف حزب الوفد منذ ثورة 1919، وكفاحه الدائم من أجل الدستور والديمقراطية والحياة السياسية السليمة الخالية من كل ما يعكر صفوها، وتحقيق الحياة الكريمة للمواطنين الذين يحلمون بها من زمن طويل، ومن إيماننا الشديد بدعم الدولة الوطنية العصرية والوقوف سنداً لها فى كل المواقف الوطنية، هذا ما يدفعنا إلى الحديث بصراحة شديدة عن الخوف على مستقبل الديمقراطية فى مصر. وأعتقد أن الانتخابات الرئاسية الماضية بددت كل المخاوف بشأن الديمقراطية وإصرار الدولة على تحقيقها فى ظل الجمهورية الجديدة.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الديمقراطية حكاوى الأحزاب السياسية والشعب المصرى التعددیة الحزبیة الحیاة السیاسیة الحزب الوطنى
إقرأ أيضاً:
من المضايف إلى المكاتب الإنتخابية.. كيف تحولت العشائر إلى أدوات سياسية؟
بغداد اليوم - بغداد
في تحول لافت شهدته الدورات الانتخابية الأخيرة أصبحت العديد من المضايف في مختلف المناطق تتحول إلى مكاتب انتخابية تحت رعاية ما يُعرف بـ "المشيخة الجدد"، في خطوة تهدف إلى كسب أصوات العشائر، لجأت بعض الأحزاب إلى ترشيح أفراد من العشائر المؤثرة أو أبناء الشيوخ أنفسهم، مما يعكس تحالفات سياسية تعتمد بشكل أساسي على دعم الزعامات العشائرية.
هذه الظاهرة تثير تساؤلات حول تأثير النفوذ العشائري على العملية السياسية، وتثير الجدل حول مدى تأثير هذه التكتلات في توجيه النتائج الانتخابية لصالح أطراف معينة.
المحلل السياسي عدنان التميمي أوضح ، اليوم السبت (5 نيسان 2025)، أن بعض المضايف تحولت إلى مكاتب انتخابية تحت رعاية "المشيخة الجدد"، مشيرًا إلى أن الأحزاب تستخدم أفراد العشائر أو أبناء الشيوخ لكسب أصوات العشيرة ودعمهم السياسي، مما يعزز تكتلات سياسية معينة.
وقال التميمي لـ"بغداد اليوم"، إن "الدورات الانتخابية الأخيرة كشفت أن من أهم عوامل بقاء القوى السياسية في المشهد الانتخابي والحفاظ على مكتسباتها هي اعتماد كل الوسائل المتاحة لكسب الأصوات، والحفاظ على وجودها داخل مجلس النواب، وبالتالي في الحكومة".
وأضاف أن "البُعد العشائري له تأثير كبير، وهو يمثل عاملاً مهماً في كسب الأصوات. لذا، لجأت القوى السياسية، خاصة الكبيرة منها، إلى ما يسمى بـ'المشيخة الجدد'، وهم شخصيات بدأت تظهر بشكل لافت، مستفيدة من المال السياسي وتأثيرها على المناطق الفقيرة والعشوائيات لتوجيه الناخبين نحو مرشحيهم وتكريس سيطرة سياسية محددة".
وأشار التميمي إلى أن "المشيخة الجدد هم في الغالب أشخاص عاديون يدعون المشيخة دون أي دلائل واضحة على ذلك، ويكثُر وجودهم في بعض المحافظات. هؤلاء استغلوا حاجة الأحزاب السياسية للأصوات وتوجهاتهم نحو الكسب المالي، وهو ما يفسر تحوّل البعض منهم إلى أطراف فاعلة، يتلقون أموالاً ضخمة مقابل أصواتهم في الانتخابات".
وأوضح أن "هذه العملية تعد بمثابة سمسرة سياسية ذات عوائد مالية كبيرة، فضلاً عن أنها تمنحهم نفوذًا متزايدًا في مناطقهم نتيجة قربهم من الأحزاب التي تمتلك أدواتها وسلطتها داخل مؤسسات الدولة. الأمر الذي يخلق مصلحة مشتركة".
وأكد أن "العديد من المضايف تحولت إلى مكاتب انتخابية خلال الدورات الانتخابية الأخيرة، تحت رعاية هؤلاء 'المشيخة الجدد'. مشيرًا إلى أن بعض الأحزاب لجأت إلى ترشيح أفراد من العشائر المؤثرة أو حتى أبناء الشيوخ أنفسهم، من أجل كسب أصوات العشيرة وتوجيه الدعم السياسي لهم، وهو ما يخلق مبررات لتأييد هذا التكتل السياسي".
وختم التميمي بالقول إن "القوى السياسية لا تتحرج في استخدام أي خطوة أو أداة من أجل كسب الأصوات، لأن الهدف النهائي هو الحصول على أكبر عدد من الأصوات في الصندوق الانتخابي، بعيدًا عن البرامج أو الرؤى الحقيقية التي من المفترض أن تضع حلولًا لملفات الأمن والاقتصاد والخدمات".
وتشكل العشيرة في العراق عقداً اجتماعياً ذا وظيفتين، اقتصادية ونفسية والعشيرة هي في أساسها الأول بنية بيولوجية تقوم على رابطة الدم والنسَب، وتعيد هذه الوظيفة إنتاج نفسها بشكل أحكام وأعراف وتقاليد وسلوكيات قائمة على التجانس العصبوي ضد العناصر الخارجية.
وشكّلت النزاعات العشائرية في العراق إحدى أهم المشكلات التي واجهت حكام البلاد على مدى تاريخ الدولة العراقية، ما شجع الحكومات المتعاقبة، على ضم العشائر إلى العملية السياسية وإشراكها في القرار السياسي، وسُمح لها في ما بعد بالتسلح والمشاركة في الأحزاب والسلطة وامتلاك النفوذ السياسي.