العبسي: بالصلاة والتأمل نتذكر تاريخ استعادة كنيستنا
تاريخ النشر: 21st, April 2024 GMT
ترأس بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي، قداسا احتفاليا بمناسبة سنة اليوبيل، وذكرى 300 سنة على إعادة الوحدة مع الكرسي الرسولي، في كنيسة راهبات الخدمة الصالحة في دير جبولة في البقاع الشمالي، بحضور عضو كتلة "لبنان القوي" النائب سامر التوم، رئيس بلدية القاع بشير مطر، مختار جديدة الفاكهة يوسف خوري، المدبر البطريركي لابرشية بعلبك الهرمل المطران ادوار ضاهر، رئيس أساقفة الفرزل وزحلة المطران ابراهيم ابراهيم، راعي أبرشية بعلبك ودير الاحمر المارونية المطران حنا رحمة، مطران حمص وحماة ويبرود يوحنا عربش ، المطران الياس شكور، النائب العام لأبرشية بعلبك الكاثوليكية الإرشمندريت يوسف شاهين، رئيس جهاز مخابرات البقاع الشمالي العميد ملحم حدشيتي، قائد فوج اللواء التاسع في الجيش اللبناني العميد الركن سامر منصور، عضو المجلس الأعلى لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك طلال مقدسي، منسق بعلبك الهرمل في "التيار الوطني الحر" جان بولس ولفيف من الكهنة وفاعليات البقاع الشمالي.
بداية كلمة ترحيبية لضاهر أكد فيها "محبة الناس ، وتآخي الأديان وطيبة إلانسان، وقد أتيت الى دير سيدة الخدمة الصالحة، لنبشر بالسلام المنشود بالصلاة والدعاء". وقال: "قيامة المسيح، أمدتنا بطاقة رجاء، ووثبة حياة، أمام المحن والصعاب والاضطهاد التي نعيشها اليوم، في وطننا الحبيب لبنان، وفي العالم العربي. إنها طاقة نور، تتوهج في قلب كل محب: لكنيسته، ولعمله، ورسالته في هذا العالم. إنها طاقة النعمة، التي تملأ حياة آبائنا وأمهاتنا، وأولادنا وشبابنا، وحياة كل فقير ومحتاج. ونحن في المئوية الثالثة للشراكة مع كنيسة روما، نطلب منكم يا صاحب الغبطة، أن تكرس كنيستنا الرومية الملكية للمعزي الروح القدس، كي تكون منارة للصلاة والحوار والتلاقي بين أبناء المسيح، في الكنيسة الجامعة، فتكون الصوت الصارخ في وجه الباطل والظلم، والقهر والحرمان. وكلنا على يقين، يا صاحب الغبطة، بأن الصعوبات والمشقات والصلبان، ولا بد منها في الحياة، لا ولن تثني من عزمكم ومضيكم في العمل والجهاد، بعونه تعالى، وبشفاعة أمنا العذراء مريم، سيدة الخدمة الصالحة".
أضاف: "نرفع صلاتنا بالشكر والحمد لله، من يفيض نعمه علينا غزيرة، ونتطلع، إلى أن يكون لنا في هذه الأبرشية المحروسة من الله، مطرانا أصيلا، في القريب العاجل، يظهر خادما وراعيا أمينا على قلب الله".
وختم: "باسمي، وباسم آباء وأبناء الأبرشية، وباسم العمدة الرهبانية وجميع الأخوات الراهبات، وباسم هذا الحفل الكريم، نرحب بكم، ونهنئ أنفسنا بقدومكم، راجيا غبطتكم أن ترفعوا يمينكم الطاهرة، وتباركوني مع إخوتي الكهنة وأخواتي الراهبات وجميع المشتركين معنا في هذا اللقاء العائلي التاريخي، فزيارتكم هذه، بركة وشرف، وعز وفخر لنا، وإنها صفحة ذهبية جديدة، تسجل في تاريخ هذا الدير".
العبسي
وألقى العبسي كلمة أكد فيها "وحدة الكنيسة". وقال: "بالصلاة والتأمل والتفكر نتذكر تاريخ استعادة كنيستنا الشركة مع الكرسي الرسولي الروماني في العام 1724، على أن نؤم هذا الدير المبارك الغالي على قلبنا، بصحبة لفيف كريم من الإخوة السادة الأساقفة ومن الأبناء الكهنة والرهبان والراهبات، بعد انتظار طال إنما من دون أن يخفف الشوق أو يضعف التمني. ثم الشكر لكن أيتها الأخوات الفاضلات على الاستقبال البنوي القلبي الصادق الذي صنعتنه لنا مع جميع من عاونكن ويسر لكن وشارككن وأظهر معكن ما في قلوبكن من محبة كبيرة نقية راهنة للكنيسة. هوذا نحن إذن الآن هنا في أرض طيبة مباركة لنقدم لكن أطيب الأماني وصادق المحبة ولنحتفل معكن بالسيد المسيح القائم من بين الأموات في التاريخ الذي تأسستن فيه، في هذا الأحد الثالث بعد القيامة حيث تذكرنا الكنيسة بالمعجزة الكبيرة التي صنعها لمخلع بيت حسدا، لمقعد كان ينتظر الشفاء منذ ثمان وثلاثين سنة من دون فائدة، فشفاه وأوقفه على رجليه وأرسله طليقا إلى بيته".
أضاف: "لا شك أن مشكلة هذا المخلع الأساسية كانت أنه كان مخلعا. بيد أننا من قراءتنا للحادثة نرى أنه كان لديه مشكلة أكبر هي غياب من يلقيه في البركة. كان في مستطاعه أن يشفى. يكفي لذلك أن ينزل إلى البركة. غير أنه لم يكن بقادر على الحصول على هذا الشفاء لأنه لم يجد أحدا في ثمانية وثلاثين عاما ليلقيه في البركة: "ليس لي أحد". كان الشفاء قريبا جدا منه. البركة على بعد سنتيمترات. لكن الناس من حوله كانوا على بعد كيلومترات منه. "ليس لي إنسان إذا تحرك الماء يلقيني في البركة".نتصور ما هي حالة المرء حين يتفوه بمثل هذه العبارة، حين تخرج هذه الصرخة، هذه الحسرة، من صدره. "ليس لي أحد": يعني أنه ليس معي أحد، ليس إلى جانبي أحد، ليس أحد ينصرني. "ليس لي أحد": إنها العزلة، آفة العصر التي غالبا ما تولد اليأس القاتل: ليس من يواسيني أو يفرح معي أو يشعر معي أو من يراني وكأنني غير موجود لا اعتبار لي ولا قيمة. كم يدل هذا الواقع على الأنانية البشرية، إذ كل إنسان يسعى إلى مصلحته أولا من غير أن يفكر بغيره. كثيرون من الذين كانوا يرتادون تلك البركة كانوا يشفون غير أنه ما فكر واحد منهم أن يساعد بعد شفائه المخلع لينزل إلى البركة، بل كان ينصرف مكتفيا بأنه نال هو الشفاء، وسواء عنده من بعد أنال غيره الشفاء أم لا".
وتابع: "نعاني اليوم من بين ما نعانيه أزمة ثقة. أبناؤنا يفقد بعضهم الثقة بنا ولكل سببه أو أسبابه وصاروا لذلك بعيدين عنا. إنجيل اليوم يعلمنا كيف يمكن أن نعيد الثقة إليهم أو بعضا من هذه الثقة وأن لا يبتعدوا بالتالي عنا. أن نكون نحن قريبين منهم، أن نذهب نحن إليهم، أن نبادرهم، كما فعل الرب يسوع مع المخلع: "أتريد أن تشفى؟". أشياء كثيرة قد تحول دون أن يأتي أبناؤنا إلينا، أن يتقربوا منا، من يسوع، أن يرتاحوا إلينا، وقد تكون هذه الأشياء ليست كلها وجيهة وصحيحة ومقنعة. بالرغم من ذلك علينا نحن نبادرهم أولا وأن نذهب إليهم وأن نكتشف شيئا فشيئا ما الذي يمنعهم من المجيء إلينا. ما نريد، ما يجب أن نقول لهم قبل كل شيء هو أن لهم من يفكر بهم ويريد الخير لهم والسعادة: إنه يسوع ونحن أيضا، نحن تلاميذ يسوع الذين اختارهم ليكونوا على مثاله".
وقال: "في الآحاد التي تلي أحد القيامة، ومن بينها أحد اليوم الذي نحن فيه، تتلو الكنيسة علينا أناجيل من يوحنا يظهر فيها يسوع آتيا بنفسه إلى الناس المعذبين المتألمين المضايقين اليائسين المخذولين الحائرين الضائعين: إلى المخلع، إلى السامرية، إلى الأعمى من مولده، إلى توما والرسل، إلى تلميذي عماوس... ذلك لكي ترينا الكنيسة أن الذي قام من بين الأموات وصعد إلى السماوات ما زال معنا بالقرب منا يتفقدنا كما وعد: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر". الرسالة التي تقوم بها راهبات الخدمة الصالحة هي هذه: أن نخفف من وحدة الناس، من شعور الناس بأنهم مهمشون متروكون ليس من يكترث لهم لأنهم ضعفاء وفقراء. بالخدمة التي يخدمن بها يجعلن الناس يشعرون بأن لهم كرامة في عيوننا وفي عين يسوع. هكذا يعدن إليهم الثقة أو يمنحن لهم الثقة فيعود الناس إليهن، إلى يسوع".
أضاف: "في رسالة اليوم يقول سفر أعمال الرسل إن الصبية ظبية التي أقامها بطرس من بين الأموات "كانت غنية بالأعمال الصالحة". على مثالها، انطلقت هذه الرهبنة عام 1954 على يد المثلث الرحمة المطران يوسف المعلوف راعي أبرشية بعلبك للروم الملكيين الكاثوليك، للقيام بالأعمال الصالحة فسميت "رهبنة سيدة الخدمة الصالحة". ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، على مدى سبعين عاما، انبرت الراهبات بتفان وتواضع وصمت وتعب لخدمة من طلب منهن الخدمة في الإكليريكيات والأديار والمطرانيات والبطريركية والمياتم والمدارس والمشافي، موجهات عنايتهن بنوع خاص للفقراء والمحرومين في لبنان وسورية من دون تمييز في الدين وفي المنشأ. على هذا النحو كانت خدمتهن أعمالا صالحة من تلك الأعمال الصالحة التي طلب السيد المسيح ومن بعده الرسل أن نتحلى بها نحن المسيحيين بنوع خاص: "هكذا فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة. ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 5: 16)، يقول لنا الرب يسوع في الإنجيل، ويضيف بولس قائلا إننا نحن المسيحيين قد "خلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة" (أف 2: 10) وإن يسوع قد "بذل نفسه لأجلنا ليفتدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعبا خاصا غيورا على الأعمال الصالحة" (تي 2: 14)، ويردف الرسول بطرس قائلا: "اسلكوا بين الأمم مسلكا حميدا، حتى إنهم فيما يفترون عليكم كأنكم أشرار، يلاحظون أعمالكم الصالحة فيمجدون الله في يوم الافتقاد" (1بط 2: 12).
وتابع: "أجل ما يميز بناتنا وأخواتنا الفاضلات اللواتي نحتفل معهن بهذا العيد المقدس هو أن خدمتهن هي صالحة، مستقاة من السيد المسيح الراعي الصالح والمعلم الصالح الذي علمنا كيف تكون الخدمة صالحة. في العالم خدمات كثيرة ومتنوعة وأناس كثيرون يعملون في هذه الخدمات. خدمات تقوم على تتميم الواجب، وفي أفضل الحالات على القيام بالعمل المطلوب خير قيام. غير أن الخدمة الصالحة التي وضع الرب يسوع أساسها مختلفة. إنها خدمة المحبة التي لا ترتبط بوظيفة أو بواجب بل تنبع رأسا من القلب وتأتي من الكبير إلى الصغير، من القوي إلى الضعيف، من الكامل إلى الناقص، من المكتفي إلى المحتاج. هذه هي الخدمة الصالحة التي تخدم بها راهبات هذا الدير المقدس منذ سبعين عاما، خدمة مخالفة للخدمة المعهودة في العالم من مرؤوس إلى رئيس، من ضعيف إلى قوي، من محتاج إلى غني، خدمة أوضحها المعلم الصالح بقوله: "لم يأت ابن الإنسان ليخدم بل ليخدم" (متى 20: 28)، "وإذا كنت أنا الرب والمعلم قد غسلت أقدامكم كان عليكم أنتم أيضا أن تغسلوا بعضكم أقدام بعض[...] ليس العبد أعظم من سيده [...] فإذا علمتم ذلك فطوبى لكم إذا عملتم به" (يوحنا 13: 14-17). وإلا يقول لنا السيد "فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أنفسهم يفعلون ذلك؟ أليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟" (متى 5: 46-48). الخدمة الصالحة، خدمة المحبة، أجل، "فالإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصالحات" (متى 6: 45)، يقول يسوع الراعي الصالح".
وختم: "بهذه الغاية، بهذه الرؤية، بهذه الفضيلة، أراد المؤسس أن تتميز الرهبنة الذي كان مزمعا أن يطلقها. ولكي تكون هذه الميزة مترسخة وحاضرة دوما في أذهان الراهبات لم يبن لهن الدير في مدينة أو بلدة أو حتى قرية، أو بالقرب منه أو من رعيته بل في مكان منعزل فقير يكاد يشبه المزرعة، كل شيء فيه وكل حي في حاجة إلى خدمة، إلى محبة، إلى حنان، فيه خصوصا أناس طيبون استطاعت الراهبات أن ينشئن معهم علاقات صافية نقية من الود والصداقة والأخلاق الدمثة والتعاون البناء، وأن يتقاسمن معهم ما في السراء وما في الضراء، فكن وكانوا مثالا في كيف يعيش المرء منفتحا متقبلا مفتخرا فرحا بمن يريه وجها آخر من الأشياء والحياة، وكن نموذجا حيا رائعا من نماذج كنيستنا الرومية الملكية الكاثوليكية التي لا تعرف الانكماش والفئوية والاستئثار والتقوقع وما إلى ذلك".
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: لی أحد لیس لی من بین غیر أن
إقرأ أيضاً:
هل تعب أهل غزة؟!
تابع الناس ما يجري لأهل غزة على مدار عام ونصف، ورأوا بطولات لم تكن تذكر سوى في مخيلة الناس التاريخية، عن جيل الصحابة، وجيل العظماء في حضارة الإسلام، وظلت الصورة ماثلة لنماذج الصمود والثبات، وكيف رسخت كلمات خرجت عفوية من أفواه أصحابها لكنها صارت مثلا وحكما تردد، وأصبح هناك قاموس خاص بأهل غزة.
وعندما خرجت بعض الفيديوهات التي تعبر عن ضجر وضيق بعض الناس من الحرب، أو سخطها على المقاومة، تم استغلال هذه الفيديوهات بشكل مغرض، وبغض النظر عن هذا التوظيف المغرض، والمتصهين، لكن النظر إليه، وإلى حال أهل غزة، وما نالهم من التعب، أو الإحباط واليأس، فهو موقف يحتاج لتأمل منصف، وموقف ينطلق من صحيح الدين والواقع.
من حق أهل غزة التعبير عما بداخلهم، وعما يعانون منه، ويلوم بعضهم بعضا، هذا حق مشروع خالص لهم، لكن ليس من حق الطابور الخامس في غزة، أو فلسطين، ولا الصهاينة العرب، الذين يخرجون بألسنة ووجوه عربية، ولكن القلب والعقل والنطق صهيوني بامتياز، والفرق بينهم وبين أفيخاي أدرعي هو الجنسية الإسرائيلية فقط!! إن ما يجري في أرض غزة أمر محبط للمشاهد الذي له قلب يحس بآلام الناس، وبخاصة في ظل هذا الضعف والخذلان غير المسبوق من الأمة العربية والإسلامية على مستوى حكامها خاصة، وكثيرا ما يتساءل الناس: ما دورنا؟ هل نكتفي فقط بالدعاء؟ ألم يوجب الله علينا نصرة هؤلاء المظلومين بحكم أخوة الدين، والعروبة واللغة، والجغرافيا والتاريخ؟!
ولذا كان من المنطقي جدا أن يصيب أهل غزة ما يصيب البشر في كل زمان ومكان، فليس أصعب ولا أشق على النفس من الشعور بالخذلان، والتواطؤ والخيانة، أكثر من الشعور بالظلم ومرارته، وهو ما جرى كسنة من سنن الله في الأمم السابقة، حتى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى قال خباب بن الأرت رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ وسجل القرآن الكريم هذه الحالات التي هي من طبيعة البشر، وتصيب الجميع، فقال تعالى: (حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ) يوسف: 110.
فهي حالة تصيب الناس، وسجل القرآن الكريم لنا هذه اللحظات حتى لا نحبط، أو نظن أن ما يحدث ينافي الإيمان بالله، أو يصيب المؤمنين بقضيتهم بالشك في عدالتها، فقد روت لنا كتب السنة والسيرة النبوية نماذج لذلك، وأن هذا الضعف أو الحالة التي تعتري الناس هي دلالة على إيمانهم، وباب من أبواب عفو الله عنهم، وليست من باب المؤاخذة، خاصة لو كانت حالة تمر بهم، ثم سرعان ما يؤوب الناس إلى رشدهم.
فقد جاء رجل من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، أرأيت أشياء يوسوس بها الشيطان في صدورنا، لأن يخر أحدنا من الثريا أحب إليه من أن يبوح به، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوقد وجدتم ذلك؟ إن الشيطان يريد العبد فيما دون ذلك، فإذا عصم منه ألقاه فيما هنالك، وذلك صريح الإيمان" فقد وصل الشك هنا بأن يشك في إيمانه بربه، وتأتيه وساوس من الشيطان تتعلق بذلك، ومع ذلك كان رد النبي صلى الله عليه وسلم قاطعا، بأن ذلك صريح الإيمان بالله، ليغلق باب الشيطان.
وروت السنة النبوية أن صحابيا انتحر لعدم تحمله أجواء المدينية، فقد ورد: أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ (قال: حصن كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فراه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم وليديه فاغفر".
هذا عن الموقف لمن تعب، أو أصابه اليأس العارض، وهو طبيعي ومقدر، ولا يلام فيما يعبر به عن موقفه، فما يحدث لغزة ليس قليلا، بل هو كارثة بكل المقاييس.
إن ما يجري في أرض غزة أمر محبط للمشاهد الذي له قلب يحس بآلام الناس، وبخاصة في ظل هذا الضعف والخذلان غير المسبوق من الأمة العربية والإسلامية على مستوى حكامها خاصة، وكثيرا ما يتساءل الناس: ما دورنا؟ هل نكتفي فقط بالدعاء؟ ألم يوجب الله علينا نصرة هؤلاء المظلومين بحكم أخوة الدين، والعروبة واللغة، والجغرافيا والتاريخ؟! لكن علينا أن نفرق بين موقف المتعبين المخذولين من أهل غزة، وتعبيرهم عن ذلك، وبين موقف المتصهينين العرب وغير العرب، الذين يصطادون في الماء العكر، أو يعكرون الماء ليصطادوا، والذين هم جزء من معاناة أهل غزة، والذين لم يتركوا وسيلة لإرهاقهم، وتشريدهم، إلا مارسوها، والذين يريدون تفخيخ الداخل الغزاوي، ليكون قنبلة داخلية تفجر الأوضاع، وتضع المقاومة في ضيق وحرج، بغية تحقيق التهجير وإنهاء قضية غزة والمقاومة بهذه الممارسات التي تجمع القاصي والداني لتحقيقها.
ولا يقل عن هؤلاء في خسة الموقف، موقف المتخاذلين المخذلين، الذين هللوا وفرحوا بمثل هذه العبارات التي خرجت في لحظات الحرج والضيق، وبدل أن يناقشوا لماذا وصل الناس لهذه المرحلة، وما دور الأنظمة التي تحكمهم من العرب في خلق هذه المعاناة، والتحريض الدائم على المقاومة، بل مد يد العون المادي والمعنوي للمحتل.
من حق أهل غزة التعبير عما بداخلهم، وعما يعانون منه، ويلوم بعضهم بعضا، هذا حق مشروع خالص لهم، لكن ليس من حق الطابور الخامس في غزة، أو فلسطين، ولا الصهاينة العرب، الذين يخرجون بألسنة ووجوه عربية، ولكن القلب والعقل والنطق صهيوني بامتياز، والفرق بينهم وبين أفيخاي أدرعي هو الجنسية الإسرائيلية فقط!!
[email protected]