طائرات إيران المسيرة.. سلاح الضرورة الذي تحول إلى ورقة رابحة
تاريخ النشر: 18th, April 2024 GMT
في فجر 14 أبريل/نيسان دوت صافرات الإنذار في تل أبيب، وعموم إسرائيل. وظهرت على شاشات أجهزة المراقبة الموزعة في أرجائها أسرابا من المسيّرات والصواريخ ،خرجت مباشرة من إيران لتتخذ مسارًا واضحًا ومعلنا، نحو دولة الاحتلال.
جاء ذلك ردًّا على الهجوم على القنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق مطلع الشهر الجاري ما اعتبر حينها تغيرا مُعلنًا في قواعد الاشتباك بين الطرفين، وتوترا عاليَ المستوى في المنطقة، جعل العالم يترقب طبيعة الرد الإيراني.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي تنطلق فيها ضربة مباشرة من إيران اتجاه إسرائيل وليس عبر وكلاء، كما اتضح من خلال محدوديتها أن إيران لا تريد حربًا شاملة، بل تسعى لأن تنقل الصراع مع إسرائيل إلى درجة من درجات توازن الردع، دون التورط في صراع طويل غير مأمون العواقب، خاصة إذا ما قاد الهجوم إلى تدخل الولايات المتحدة الأميركية طرفًا مباشرًا، وتضيّق في ذات الوقت من خيارات الرد أمام دولة الاحتلال.
فما يهم إيران في الدرجة الأولى هو الحفاظ على مشروعها القائم حاليًّا، سواء عبر الانتشار جغرافيًّا في المنطقة، أو من خلال تطوير ترسانتها العسكرية.
وعلى الرغم من أن المشروع النووي الإيراني كان دائمًا خاطفا للنظر ومثيرا للجدل على صعيد الصناعات العسكرية، فإن ما حققه الإيرانيون في نطاقات أخرى يستحق اهتمامًا أكبر، وبشكل خاص إذا ما تأملنا سلاح المسيّرات إضافةً إلى برنامجهم الصاروخي.
فيما يتصل بالمسيّرات تمتاك إيران عددًا من المسيّرات بمدى يصل بها إلى حدود إسرائيل بل ويتخطاها، أشهرها "فطرس" التي تعمل ضمن نطاق الاستطلاع والمراقبة والقتال، وقد تم الكشف عنها في نوفمبر/تشرين أول عام 2013 ،ويتراوح مدى تشغيل تلك المسيرة ما بين 1700 و2000 كيلومتر
أما مسيّرة "مهاجر-10" فتم الكشف عنها عام 2023 ويبلغ مداها التشغيلي 2000 كم، مما أنها تتخدم عددا من المسيرات الأخرى، وربما استخدمت جميعها في الرد الإيراني على دولة الاحتلال، لكن تحليل الصور الواردة والمعلومات القليلة المعلنة، يكشفان عددا محدودا من الطائرات المستخدمة.
من العلامات الفارقة في صناعة المسيرات الإيرانية، طائرة "شاهد-136" التي ظهرت في عدد من الصور وهي تنطلق من إيران إلى إسرائيل في الهجوم الأخير.
اكتسبت هذه الطائرة شهرة واسعة قبل هذا التاريخ، حيث استُخدمت خلال الأعوام الماضية (إلى جانب مسيّرات إيرانية أخرى) ضمن ترسانة القوات الروسية في الحرب على أوكرانيا ، وأدت دورا بارزا في مساعدة الروس على استعادة زمام السيطرة داخل عدة مناطق اشتباك.
وخلال السنة الأولى من الحرب، اعتمد سلاح المسيّرات الروسي بشكل أساسي على طائرات خفيفة وصغيرة، منخفضة المدى وقدرة محدودة طيران محدودة، حيث وضع جنرالات الحرب أهمية محدودة للمسيّرات.
ولكن مع استخدامها ببراعة من قبل الأوكرانيين في المراقبة، والاستطلاع ، وضرب الدفاعات ، وقوات المشاة الروسية في مقتل، إلى جانب استخدام الأوكرانيين راجمات الصواريخ الأميركية هيمارس، ومدافع الهاوتزر الغربية، تبيّن للروس الذين كانوا يخوضون حربا تقليدية تماما خطؤُهم، فكانوا يتقدمون ببطء، بل وخسروا بعض المناطق التي كانوا قد سيطروا عليها.
تكيّف الروس مع تلك النتائج الصادمة بشكل ذكي ومرن، فأعادوا تشكيل تكتيكاتهم للتماشي مع الواقع الجديد؛ وفي هذا السياق طلبت روسيا من الصين مسيّرات متقدمة، ولكن الأخيرة تباطأت في الاستجابة نظرا لما يمكن أن يثيره ذلك من أزمة في العلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة.
عند هذه اللحظة الفارقة من الحرب ظهرت إيران، التي كانت بحلول نهاية 2022 قد صنعت فئات متنوعة المدى والقوة والاستخدام من المسيّرات المسلحة، ووجدت فرصة مواتية لإرسال مسيّراتها لاختبارها في حرب فعلية، فضلًا عن أن ذلك سيقوّي علاقتها مع روسيا، في معسكر مضاد للولايات المتحدة.
بحلول الأشهر الأولى من عام 2023 كانت "شاهد-136″ جزءا رئيسيا من ترسانة الروس، دل على ذلك تصاعد وتيرة وشدة الهجمات في جميع أنحاء أوكرانيا، التي استطاعت شاهد من خلالها أن تُثبت جدارة واضحة في مهماتها لدرجة أن الروس عملوا على تطويرها إلى نسخة أخرى هي" شاهد-238″.
ومن أهم ما يميزها أنها رخيصة الثمن نسبيًّا، ففي عام 2022 تم توقيع عقد بقيمة 1.75 مليار دولار لشراء 6000 مسيّرة من "شاهد-136" إلى جانب الأجهزة والبرمجيات الخاصة بها. إذ عادة ما يصل سعر الواحدة منها إلى 50 ألف دولار كحد أقصى، كما أنها تعمل في ذات الوقت على استنزاف موارد الطرف الآخر، إذ تضطر شاهد الأوكرانيين إلى استخدام أنظمة دفاعية متطورة لإيقافها، ويكلفهم ذلك أكثر بكثير من تكلفة المسيّرات، وهذه نقطة تفوق هامة لهذه الأسلحة الطائرة.
وتصنف "شاهد-136″، مسيرة الانتحارية، تنطلق من قاعدة أرضية ثم تستمر في الطيران حتى تصل إلى مسافة محددة من الهدف، ثم تبدأ التسكع أعلى منطقة الهدف وقتًا ربما يصل إلى ساعات، وحين تحدده تلقي بنفسها عليه كصاروخ. فالدور الرئيسي لهذه المسيّرة هو مهاجمة الأهداف الأرضية الثابتة التي عادة ما تكون إحداثياتها معروفة، لكنها ليست فعالة في ضرب الأهداف المتحركة.
ومن حيث مواصفاتها التقنية، تتسم مقدمة المسيرة برأس حربي شديد الانفجار يتراوح وزنه ما بين 36 و50 كغ، وتتفوق قدرتها الانفجارية على قذيفة مدفعية عيار 155 ملم.
وتُطلَق شاهد عادة في صورة سرب من الطائرات، وبذلك فإنها تتمكن من مراوغة منظومات الدفاع الجوي لتصل إلى الهدف، أو على الأقل تضطر تلك المنظومة إلى استخدام صواريخ اعتراضية أغلى ثمنًا من المسيّرات، وغالبا ما تنجو مجموعة من الطائرات لتحقق الهدف النهائي المرجوّ.
تعود كلمة السر وراء تطوير صناعة المسيّرات الإيرانية، إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث فُرضت على إيران حزمة من العقوبات الدولية أثرت بقوة على جيشها، فلم يعد بإمكانه تطوير ترسانته العسكرية ومن هنا سعت طهران للاستفادة من البدائل الرخيصة التي يمكن تصنيعها محليًّا.
طوّر الجيش الإيراني قدرةً بحرية تعتمد على بناء عدد كبير من القوارب الصغيرة المسلحة ببنادق وصواريخ دقيقة -قدر الإمكان- ليجد موطئ قدم في مواجهة البحرية الأميركية ذات السفن السطحية الكبيرة، وهي ذات الإستراتيجية التي تتبعها روسيا الآن مع قواتها البحرية، خاصة في ظل قدرة موسكو على تطوير صواريخ عالية الدقة، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية، التي تسعى إيران لامتلاك التكنولوجيا الخاصة بها حاليًّا.
وفي هذا السياق، بدأت إيران الاستثمار في المسيّرات الحربية. ففي عام 1985 انطلقت المسيرة "مهاجر-1″، بعد تفعيل برنامج هندسي بحثي انطلق من الجامعات الإيرانية، كان لها جسم أسطواني ضيق، وأذرع خلفية مزدوجة، وأجنحة مستقيمة مثبتة عاليًا في الجزء الخلفي من جسم المسيّرة، وحملت كاميرا ثابتة مع فيلم فوتوغرافي. حاولت إيران تسليحها بصواريخ من طراز "آر جي بي" لكن لا توجد دلائل على نجاح هذه المحاولات.
وفي حرب الخليج الأولى، استخدمت "مهاجر-1" للتصوير بشكل أساسي، بغرض التصوير الفوتوغرافي لتصحيح توجيه أنظمة المدفعية وضربات الطيران، وكان من السهل التشويش عليها. بعد ذلك بدأت تجربة المسيّرة "أبابيل-1" في العام التالي، وقد استُخدمت للتجسس على التحركات والمواقع العراقية.
وفي عام 1988، تمكنت البحرية الأميركية من إلحاق أضرار بالغة بالترسانة الأساسية للقوات الجوية والبحرية الإيرانية، فيما عد وقتها أكبر اشتباك بحري سطحي منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تطور الأمر إلى تطبيق عقوبات اقتصادية كبيرة، أصبحت المسيّرات معها أفضل فرصة للمهندسين الإيرانيين، خاصة أن تهريب القطع العسكرية الكبيرة أمر يمكن رصده.
ولكن تهريب مكونات إلكترونية أصغر للمسيّرات أسهل بكثير، والأهم من ذلك أن عددا من المكونات التي تدخل في صناعة المسيّرات ليست عسكرية أصلًا، بل يمكن أن تجدها في عالم الأجهزة الإلكترونية، من الألعاب إلى الهواتف الذكية، ولذا يسهل الحصول عليها.
وفي عام 1990 خضعت "أبابيل" لإعادة تصميم جوهرية، ويتم حاليًّا تصنيع النموذج الأوّليّ منها بواسطة الشركة الإيرانية لصناعة الطائرات، وهي شركة يتولى الحرس الثوري الإيراني إدارتها.
في البداية، كانت أبابيل تعمل ضمن خط الرؤية الخاص بمحطتها الأرضية، الذي يصل عادة إلى بضع عشرات من الكيلومترات. أما اليوم، فيصل مدى طائرة "أبابيل-5" التي كُشف عنها في أبريل/نيسان 2022، إلى 480 كيلومترًا.
وإضافة إلى ذلك، يمكنها حمل أربعة صواريخ موجهة مضادة للدبابات من سلسلة "الماس"، التي يصل مداها إلى 8 كيلومترات، أو ست قنابل دقيقة التوجيه من سلسلة "القائم"، ويصل مداها إلى 6 كيلومترات. وتستخدم هذه النسخة في مهام الاستطلاع والمراقبة، وفي الأنشطة القتالية ذات المدى المتوسط.
على مدى أكثر من 20 عاما، كان الاستثمار البحثي الإيراني يدور فقط حول الطرازين السابقين، ثم شهد عام 2009 تطورا مهما على مستوى صناعة الطائرات المسيّرة، إذ طورت إيران نموذج "كرار" الأوّليّ، وهي مقاتلة بمدى يصل إلى ألف كيلومتر، قادرة على إطلاق صاروخَي كروز من طراز "سي-705" أو حمل قنابل موجهة بوزن 250 كيلوغراما، ثم أصبحت إيران بعد ذلك تُصدر فئات المسيّرات بوتيرة متصاعدة حتى وصلت الآن إلى قرابة 15 فئة (بحسب الإيرانيين)، بعضها صدرت منه نماذج عدة وبعض آخر استمر في نموذج رئيسي واحد.
تنوعت تلك الفئات في الارتفاع والمدى والدقة وطبيعة المهام المنوطة بها، فبعضها صُمم للاستطلاع والمراقبة وبعضها للقتال كالطائرات الحربية، وهناك المسيّرات التي تعمل في نطاق التشويش الراداري، والمسيّرات الانتحارية، وتلك المتعددة المهام، التي تعمل في المراقبة والاستطلاع إلى جانب المهام القتالية.
في هذا السياق أعلنت الحكومة الإيرانية في أبريل/نيسان 2016 أنها قامت بتحديث طائراتها المسيّرة للاستفادة من تقنية نظام تحديد المواقع العالمي، ومع استخدام مثل هذه الأنظمة، لا يتمكن القادة العسكريون فقط من الحصول على رؤية أفضل بكثير في مجريات المعارك بالمسيّرات، بل يصبحون أيضًا قادرين على التواصل بشكل أفضل مع المسيّرات وتوجيهها بدقة أكبر إلى أهدافها.
خلال تلك السنوات تبين للإيرانيين أن هناك فائدة مهمة للمسيّرات داخليا، فبسبب الطبيعة الجبلية الوعرة في إيران، وبالتبعية صعوبة تنقل القوات الأمنية، ومع وجود اضطرابات في بعض المناطق الحدودية مثل إقليم بَلُوشِستان الجاف الممتد بين إيران وباكستان وأفغانستان، كانت للمسيّرات أهمية كبيرة داخليًّا في نطاق المراقبة والاستطلاع.
بالطبع فإن قدرات المسيرات الإيرانية لا تقارن حتى الآن بمنتجات الولايات المتحدة الأميركية في نفس النطاق، ولا تزال لديها أخطاء في الدقة. لذا، فعادة ما تنطلق الطائرات المسيّرة الإيرانية في صورة أسراب لتقليل احتمال الخطأ -قدر الإمكان- في مواجهة أنظمة دفاع جوي متقدمة، كما أنها لا تزال غير قادرة على الدفاع عن نفسها، مع صعوبات تواجهها في ظل تقلب الأحوال الجوية.
لكن من المؤكد أنها تتطور يومًا بعد آخر وبتسارع مناسب، والمهم في هذا السياق بالنسبة للإيرانيين أنها أصبحت بالفعل تساعدهم في خطتهم الكبرى، وهي بناء منظومة عسكرية يمكنها خوض حرب غير متكافئة مع عدو متقدم عسكريا.
إستراتيجية طهرانتعرف الحرب غير المتكافئة بأنها تلك التي تقع بين متحاربين تختلف قوتهما العسكرية أو إستراتيجيتهما أو تكتيكاتهما بشكل كبير؛ مما يؤدي بكل طرف منهما إلى استغلال نقاط الضعف لدى الآخر، وعادة ما يشتمل هذا النوع من الحروب على تفاوت في القوة بين الجهات المتحاربة، وهنا تختار الجهات الأضعف محاربة الجهات الأقوى عبر إستراتيجيات غير مباشرة، أو تستخدم تقنيات عسكرية مختلفة، أسهل في التنفيذ بالنسبة لها، وأعظم في الأثر في سياق مهمات محددة.
وإلى جانب السعر، فالمسيّرات -خاصة مع التنويع الذي تضفيه إيران إلى فئات مسيراتها- سلاح مرن وديناميكي إلى حد كبير، فهو متعدد الاستخدامات وقادر على التكيف مع مجموعة من السيناريوهات والأهداف، ويمكن توظيفه لابتكار تكتيكات غير مسبوقة عظيمة الأثر في سياق معارك بعينها، إذ تتمكن من أداء مهام المراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية عن تحركات القوات والبنية التحتية والأهداف المحتملة في الوقت الحقيقي، كما يمكنها أن تحمل صواريخ أو قنابل لاستهداف أفراد العدو أو أصوله ذات القيمة العالية، وفي مستوى متقدم (وبقيمة سعرية تنافسية) يمكنها توجيه ضربات جوية دقيقة جدا.
ويكون لذلك أهمية خاصة حينما تعمل المسيّرات معًا في أسراب تكتيكية يمكن أن تُشبع قدرات أنظمة الدفاع الجوي فتتجاوز حدود قدرتها على الصدّ، وتعطل الاتصالات والخدمات اللوجستية.
وعلى سبيل المثال، فإنه في سيناريو الحرب، سيكون الدور الرئيسي لمسيّرات مثل "مهاجر 6" هو تدمير أنظمة الدفاع الجوي وتمهيد الطريق لسلسلة "شاهد" للتوغل في أراضي العدو، في حين تقوم فرقة ثالثة من المسيّرات بالاستطلاع ودراسة الضربة. كل ذلك على مسافة تزيد على 2000 كيلومتر عن موقع الإطلاق.
في الواقع، يتدرب الحرس الثوري الإيراني بشكل متزايد على تكتيكات الأسراب والعمليات المتزامنة، وفي تدريب تم في مارس 2019 على سبيل المثال، أطلقت المسيّرات في سرب لضرب 50 هدفًا في وقت واحد.
في أثناء حرب مرتفعات إقليم ناغورني قره باغ عام 2020 اختلف الخبراء حول حرب المسيّرات؛ هل تمثل ثورة حقيقية في أرض المعركة أم أنها مجرد سلاح جديد انضم إلى الحرب؟ لكن في عام 2022 ومع الحرب الروسية ـ الأوكرانية كان للمسيّرات دور كبير للدرجة التي جعلت معظم خبراء هذا النطاق يتفقون على أن العالم يتجهز لتغيرات جذرية في الحروب بدخول المسيّرات إليها، إلى جانب قدرات الذكاء الاصطناعي التي تمثل مع المسيّرات تحديدا تحالفًا قويا ومرعبا.
ثالوث إيران الجديدفي مقال بحثي نشر عام 1994، قال بيتر زيمرمان أستاذ الفيزياء النووية من معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن إن دولًا مثل إيران لا تحتاج إلى "ميدالية ذهبية" من ناحية التكنولوجيا العسكرية لتكون فعالة وجاهزة للمواجهة، ولكن في كثير من الأحيان، تكون تكنولوجيا "الميدالية البرونزية" أكثر من كافية.
يقصد زيمرمان هنا أنه في بعض الأحيان يمكن للأساليب العسكرية غير المتكافئة أن تحقق أفضل استجابة من جانب الطرف الأضعف لخصم أقوى، خاصة عندما يكون هناك تباين ملحوظ في المصالح الإستراتيجية، حيث تعد "مشكلة إيران" في إستراتيجية الولايات المتحدة أقل أهمية من الصين أو روسيا وربما من كوريا الشمالية، وبالتالي فإن سلوك الولايات المتحدة اتجاه إيران سيختلف عن سلوك الأخيرة اتجاه الولايات المتحدة، نظرا لاختلاف الدوافع والأهداف لدى كل طرف.
في هذا السياق، يعتقد الباحث أن تضافر تلك العوامل الثلاثة؛ أي تباين المصالح، إلى جانب تكنولوجيا الميدالية البرونزية، واستخدام كل ذلك في إدارة حرب غير متكافئة، لم يكن أكثر اتساقا ونجاحا مثلما هو في حالة سلاح المسيّرات، مقارنة مثلا بعنصرين فاعلين آخرين في منظومة الحرب اللامتكافئة التي تديرها إيران وهما الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى أي مكان في الشرق، الأوسط، وصواريخ كروز الهجومية الأرضية التي تحلّق على ارتفاع منخفض وتتمكن من مراوغة الرادار.
حرب الأسلحة المشتركة، هو أسلوب قتالي يسعى إلى دمج الأسلحة القتالية المختلفة للجيش لتحقيق تأثيرات تكاملية متبادلة، حيث تضرب الأسلحة المشتركة العدو بعدة أذرع في وقت واحد. يترتب على ذلك أن الإجراءات التي يجب على العدو القيام بها للدفاع عن نفسه في مواجهة إحدى الضربات تجعله أكثر عرضة للإصابة بأخرى.
ويمكن استخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية لمهاجمة رادارات باتريوت الأميركية في المراحل الأولى من هجوم شامل، هنا ستتحول قدرات الدفاع الجوي الأخرى لصد هجوم المسيّرات، لكن تليها ضربات صاروخية باليستية وأخرى بصواريخ كروز فلا تتمكن الدفاعات من صدها جميعا، خاصة مع اختلاف تكتيكات عمل كل منها.
ظهر ذلك في الهجوم الأخير على إسرائيل، الذي ربما كان كذلك اختبارًا لفاعلية هذه النوعية من الضربات المشتركة، حيث يعتقد أن إيران أطلقت مسيّرات وصواريخ كروز وصواريخ باليستية معًا باتجاه إسرائيل،
وبحسب مصادر أميركية فإن 9 صواريخ فقط نجحت في المرور بشكل غير دقيق كليا إلى أهدافها من ضمن قرابة 300 مسيّرة وصاروخ، لكن لاحظ أن هذا العدد المعلن يُعدّ محدودا في حال حرب حقيقية، يكون استخدام أسلحة وتكتيكات وأساليب فيها أكثر تركيبا وتعقيدا.
وتشيرعدة تحليلات إلى أن إيران استكشفت من خلال هذه الضربة مواقع الأنظمة الدفاعية وأساليبها، خاصة أنها لم تستخدم أسلحة جديدة غير معلن عنها في الضربة بحسب ما يرد من معلومات، وهو ما يعني أن طهران قادرة على تطوير خطط وأساليب هجومية جديدة في حال اندلاع أي مواجهة مستقبلا.
دفاع أماميعلى الإيرانيين بالطبع إذا ما أرادوا تحقيق سيطرة حقيقية في هذه الحرب الممتدة، تطوير قدراتهم في النطاقات الثلاثة إلى مستوى أدق، وهم يعملون على ذلك، إلى جانب تحقيق نجاحات في نطاقات أخرى، فنجاح شاهد وغيرها من المسيّرات في روسيا ساعد الإيرانيين على فتح باب للحصول على واحدة من تحف الحرب الروسية.
وعن هذا قال نائب وزير الدفاع مهدي فرحي في نهاية 2023 إن إيران وروسيا اتفقتا على الترتيبات النهائية لتسليم مقاتلات من طراز سوخوي سو-35، وطائرات مروحية روسية الصنع، حتى تلك اللحظة فإن القوات الجوية الإيرانية لم تمتلك سوى بضع عشرات من الطائرات الهجومية، القديمة الطراز. ستعمل مسيّرات إيران إلى جانب السوخوي بتوافق متميز، يعزز من قدراتها العسكرية في المنطقة.
والواقع أن الإيرانيين أصبحوا جزءًا ولو صغيرا من سوق السلاح العالمي، وتقدمت عدة دول بالفعل للحصول على دفعات من المسيّرات الإيرانية.
كما أنشأت إيران مصنعًا لإنتاج المسيّرات في طاجيكستان، مما عزز مكانة البلاد في المنطقة، ومكنها من تلبية احتياجات العملاء، ويمكن لتطور صناعة السلاح الإيرانية أن يساعد البلاد المأزومة اقتصاديا على تجاوز العديد من عقبات التصنيع وتطوير التقنيات العسكرية، ويكسبها نفوذا سياسيا في المنطقة، فيما يُعرف بدبلوماسية السلاح.
وتتبع إيران نهجا يدعى "الدفاع الأمامي"، وتعمل من خلاله على نقل المواجهة بعيدا عن العمق الإيراني، حيث قامت ببناء محور مواجهة يُعلن رفضه للهيمنة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة يتبع طائفيا لإيران؛ مما مكنّها من إيجاد حضور واضح ومؤثر عبر حلفاء في دول مثل اليمن ولبنان وسوريا.
وفي هذا السياق تؤدّي المسيّرات والصواريخ الإيرانية التي تتطور تقنيًّا دورا مهما يومًا بعد يوم ، فحينما تصدر إيران تكنولوجيا مسيّراتها وصواريخها إلى حلفائها فإنها تعزز العلاقة معهم، كما أنها تحسن من قدراتهم على مواجهة "أعداء إيران".
ورغم أن إيران لم تكن تاريخيًّا حاضنة للتكنولوجيا الجديدة، فإنها كانت دائمًا سريعة في تبنيها، يظهر ذلك بوضوح في نمط تطور مشروعها للمسيّرات، وفي سياق مشاريع الصواريخ التي تخدم جميعها حرب إيران غير المتكافئة. لكن حتى اللحظة، لا تزال قدرات تلك التقنيات بحاجة إلى تطوير للوصول إلى قدرات المنافسين.
إلا أن تسارع الخطوات الإيرانية في سياق ضغط اقتصادي امتد لعقود يعطي انطباعًا بأن المستقبل ليس محسومًا كما يظن بعض المخططون الإستراتيجيون الغربيون، الذين ظنوا أن المسيّرات ليست إلا بديل إيران الرخيص عن أسطول طائراتها القديمة الطراز ،أو المدمرة، ثم تبين فيما بعد أنها تخوض حربا بإستراتيجية مختلفة كليًّا عما عهده العالم، توجد المسيّرات في صدارتها.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: ترجمات حريات الولایات المتحدة ا من المسی رات رات الإیرانیة فی هذا السیاق رات الإیرانی الإیرانیة فی الدفاع الجوی المسی رات فی من الطائرات فی المنطقة للمسی رات إلى جانب أن إیران فی سیاق من خلال عادة ما شاهد 136 فی عام
إقرأ أيضاً:
القدس المنسية: المدينة التي تُسرق في ظل دخان الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة
في الوقت الذي تشتعل فيه المواجهة في القطاع وتحتل صدارة المشهد الإعلامي والدبلوماسي، تنزوي القدس في الظل، كمدينة تُسرق بهدوء وتُغيَّب عن الواجهة تحت غطاء النسيان والانشغال. يعيش الفلسطينيون في القدس واقعا قاسيا لا يقل عنفا، لكنه غالبا ما يُختزل إلى الهامش في السردية الفلسطينية العامة.
تفرض السلطات الإسرائيلية قيودا مشددة على حركة المقدسيين، خاصة خلال شهر رمضان، ما يعيق وصولهم إلى المسجد الأقصى، ويحوّل ممارسة العبادة إلى معاناة يومية تتخللها الإهانات والمنع. فهل تُمارس هذه القيود بدافع أمني حقيقي، أم أن وراءها بُعدا دينيا وسياسيا مقصودا؟ ولماذا تستهدف القدس بشكل متكرر بينما يُسمح للمستوطنين باقتحام ساحاتها بكل حرية؟
ومنذ احتلالها عام 1967، تبنّت إسرائيل نهجا ممنهجا لتغيير الطابع الديمغرافي للقدس الشرقية، من خلال سحب الهويات، وهدم المنازل، وتوسيع المستوطنات على حساب الأحياء الفلسطينية. فهل هي مجرد إجراءات إدارية وأمنية؟ أم أنها جزء من مشروع استراتيجي طويل الأمد لطمس الهوية الفلسطينية في المدينة؟
ما يُنفَّذ اليوم ليس سوى تسريع لهذه السياسات، بقيادة حكومة تُعد من الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، وتضم شخصيات يمينية تتبنى خطابا إقصائيا لا يعترف بحقوق الفلسطينيين. وقد ترافق هذا التصعيد مع الحرب الإسرائيلية الشاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ما وفّر بيئة مثالية لتكثيف مشاريع التهويد، في ظل انشغال العالم بساحات الصراع المفتوحة وغياب الاهتمام الدولي بما يجري في المدينة المقدسة
وما يُنفَّذ اليوم ليس سوى تسريع لهذه السياسات، بقيادة حكومة تُعد من الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، وتضم شخصيات يمينية تتبنى خطابا إقصائيا لا يعترف بحقوق الفلسطينيين. وقد ترافق هذا التصعيد مع الحرب الإسرائيلية الشاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ما وفّر بيئة مثالية لتكثيف مشاريع التهويد، في ظل انشغال العالم بساحات الصراع المفتوحة وغياب الاهتمام الدولي بما يجري في المدينة المقدسة.
سياسة المنع من الوصول إلى المسجد الأقصى: بين التضييق الديني والتأثير الاقتصادي
إن إحدى أخطر السياسات الإسرائيلية المستمرة في القدس هي إعاقة حرية العبادة للفلسطينيين، لا سيما في المسجد الأقصى، الذي يمثل أمرا عظيما بالنسبة للمسلمين. تُفرض قيود صارمة على دخول المصلين من الضفة الغربية، عبر نظام تصاريح تعجيزي، غالبا ما يُستخدم كأداة للعقاب الجماعي، ويُرفض دون أسباب واضحة، خاصة لفئات الشباب والنساء والنشطاء.
ولا يقتصر المنع على حرمان الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية، بل يتعداه إلى تمييز واضح على أساس العمر والجغرافيا. فكثيرا ما يُمنع الشبان تحت سن الأربعين من دخول المسجد، حتى في المناسبات الدينية الكبرى، فيما يُسمح للمستوطنين اليهود من أقاصي البلاد باقتحام ساحاته، بحماية الشرطة الإسرائيلية.
أما سكان القدس أنفسهم، فلا يسلمون من التضييق اليومي، إذ تُغلق بوابات المسجد الأقصى بشكل مفاجئ، وتُمارس بحقهم إجراءات تفتيش مهينة على المداخل، وتقتحم قوات الاحتلال باحاته بشكل متكرر، مما يحوّل الحرم القدسي إلى ساحة أمنية تُقيّد فيها حرية العبادة وتسلب السكينة من المصلّين. وتصل هذه الانتهاكات إلى حدّ مصادرة وجبات السحور أو الإفطار من المصلّين، كما حصل قبل عدة أيام، حين داهمت القوات باحات المسجد، وصادرت الطعام من المعتكفين، في مشهد يمسّ بكرامتهم ويُنغّص عليهم أجواء الشهر الفضيل.
وإلى جانب الأبعاد الدينية والوطنية، ينعكس هذا الحصار سلبا على الحركة الاقتصادية في القدس. فعدم السماح لسكان الضفة الغربية بدخول المدينة يُعطّل النشاط التجاري والأسواق، ويؤثر بشكل مباشر على دخل مئات العائلات المقدسية التي تعتمد على الزوار والمصلين من خارج المدينة، خاصة خلال شهر رمضان والمواسم الدينية.
الوضع الاقتصادي في القدس
الوضع الاقتصادي في القدس ليس أقل مأساوية من الوضع السياسي، إذ يعيش السكان في حالة حصار اقتصادي دائم، تتجلى في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية. ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغت نسبة البطالة في القدس الشرقية نحو 5.2 في المئة في عام 2024، مقارنة بـ4.4 في المئة في عام 2021. وقد فاقمت جائحة كورونا، إلى جانب الحرب الشاملة على غزة والضفة الغربية، من حدة الأزمة، إذ أدت إلى فقدان نحو 35 ألف عامل لوظائفهم خلال عام 2024. كما أُغلق ما يقارب 450 محلا تجاريا، ما ساهم في تفاقم التدهور الاقتصادي وضاعف من معاناة السكان.
الاقتصاد في القدس يعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات والسياحة، حيث يشكل أكثر من 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف قطاع الخدمات 41 في المئة من العاملين. ومع ذلك، تستمر السلطات الإسرائيلية في عرقلة أي نشاط اقتصادي فلسطيني داخل المدينة، من خلال فرض الضرائب الباهظة وإغلاق المحال التجارية بشكل متكرر.
النقص في الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء ليس عرضا طارئا، بل جزء من سياسة ممنهجة لتقليص الوجود الفلسطيني وإضعاف قدرة السكان على البقاء. يعيش في محافظة القدس حوالي 451 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 9.1 في المئة من سكان فلسطين، ويعاني السكان من نقص حاد في الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والبنية التحتية، مما يؤثر سلبا على جودة حياتهم اليومية. ويحاول الاحتلال، عبر هذه السياسات، أن يجعل من مدينة القدس بيئة طاردة لأهلها وليست جاذبة، في إطار مساعيه المستمرة لتفريغ المدينة من سكانها الفلسطينيين وتغيير طابعها الديمغرافي.
حين تعود إدارة ترامب.. تُفتح شهية التهويد من جديد
ولا يمكن الحديث عن واقع القدس دون الإشارة إلى عودة دونالد ترامب إلى السلطة، وهو الرئيس الأمريكي الذي منح إسرائيل خلال ولايته الأولى دعما غير مشروط، بدءا من اعترافه بالقدس عاصمة لها، وصولا إلى نقل السفارة الأمريكية إليها في خطوة غير مسبوقة. هذه السياسات لم تكن رمزية فحسب، بل أسهمت فعليا في تغيير ميزان القوى على الأرض، وتعزيز قبضة الاحتلال على المدينة.
عودة ترامب اليوم تمثّل رسالة طمأنة للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل، لا سيما في حكومة بنيامين نتنياهو التي تضم شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ومما يعزز هذا التوجه أن الفريق المحيط بترامب لا يزال يضم وجوها بارزة من أشد المؤيدين لإسرائيل واليمين الديني القومي.
ويعزز هذا التوجه اليميني المتطرف المحيطون بترامب، الذين ما زال لهم تأثير واضح على ملامح السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. من أبرزهم: مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق، المعروف بدعمه المطلق للمستوطنات ورفضه لحل الدولتين؛ وديفيد فريدمان، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، الذي نسّق بشكل مباشر مع قادة المستوطنين وساند ضم الأراضي الفلسطينية. ويبرز أيضا جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأسبق، الذي لطالما دعا إلى الحسم العسكري والتوسع الإسرائيلي، إلى جانب رون ديرمر، أحد أبرز مهندسي العلاقات بين نتنياهو والجمهوريين، والذي سبق أن وصف الضفة الغربية بأنها "أرض متنازع عليها". أما جاريد كوشنر، صهر ترامب ومهندس "صفقة القرن"،عودة ترامب اليوم تمثّل رسالة طمأنة للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل، لا سيما في حكومة بنيامين نتنياهو التي تضم شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ومما يعزز هذا التوجه أن الفريق المحيط بترامب لا يزال يضم وجوها بارزة من أشد المؤيدين لإسرائيل واليمين الديني القومي فرغم غيابه عن الفريق الرسمي الحالي، إلا أن رؤيته لا تزال تترك أثرا عميقا في توجهات الحزب الجمهوري تجاه إسرائيل. هذا الطاقم المتماهي مع توجهات اليمين الإسرائيلي لا يبشر إلا بمزيد من الانحياز، ما يعني أن الفلسطينيين في القدس سيواجهون موجة جديدة من التضييق والتطهير الصامت، تحت غطاء أمريكي رسمي.
هشاشة المواقف العربية والإسلامية
وعلى الرغم من الدعم الذي يلقاه الشعب الفلسطيني من قبل الجماهير العربية والإسلامية، إلا أن المواقف الرسمية لبعض الحكومات العربية والإسلامية تظل هشة ولا ترتقي إلى مستوى التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في القدس وغزة. وفي حين تستمر بعض الحكومات في تقديم الدعم السياسي والإنساني، فإن الخطوات الفعلية مثل اتخاذ مواقف قوية ضد السياسات الإسرائيلية أو اتخاذ إجراءات ملموسة مثل سحب السفراء أو إلغاء اتفاقيات التطبيع، ما تزال غائبة.
تساهم هذه الهشاشة الدبلوماسية في إضعاف الضغط الدولي على إسرائيل، مما يقلل من فاعلية التحركات الدولية في محاسبتها على انتهاكاتها المتواصلة. ورغم التحركات الشعبية المستمرة في بعض الدول، والتي تعكس رغبة حقيقية في الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية، فإن غياب التنسيق العربي والإسلامي الفعّال يؤثر على مصير القدس، ويترك الفلسطينيين في مواجهة احتلال متزايد. إن الحاجة إلى توحيد المواقف وتعزيز التعاون بين الدول العربية والإسلامية من أجل الضغط الفعّال على المجتمع الدولي تبقى ضرورية لحماية القدس من عملية تهويد شاملة.
القدس لا تنزف فقط من جراح الاحتلال، بل من صمت العالم، وتردد الشقيق، وغياب القرار. تُسرَق المدينة في وضح النهار، لكنها تُهمَّش في ليل الأخبار، وتذوب في زحمة عناوين الحروب. ومن حق القدس علينا أن نعيدها إلى الواجهة، لا كرمز ديني فحسب، بل كقضية سياسية وشعبية حيّة تستحق أن تكون حاضرة في الضمير العربي والدولي.
فلماذا تغيب القدس عن أولويات الإعلام، وتتراجع على أجندة الدبلوماسية؟ ولماذا تُترك وحدها في معركتها الوجودية؟ إن إعادة الاعتبار للقدس، إعلاميا ودبلوماسيا، لم تعد ترفا ولا خيارا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية أمام مشروع الاحتلال الصامت، الذي لا يستهدف الأرض فقط، بل الذاكرة والهوية والإنسان.