لجريدة عمان:
2025-03-29@11:14:19 GMT

الترحيب بأقدار الله

تاريخ النشر: 18th, April 2024 GMT

الترحيب بأقدار الله

تتأثر النفس البشرية بما يقع عليها من مجريات الزمان من محن وابتلاءات ومصائب وكوارث، ويكون تأثير ذلك عليها على حسب قدرتها على الصبر والتحمل، وبما آتاها الله من إمكانات على التكيف والتجاوز والنسيان.

ولكن لنفس المؤمن قدرة مختلفة، فهي تعلم يقينا أن ما يقع عليها يقع تحت المشيئة الإلهية، وأن هذا الأمر الذي سمح الله به أن يصيبنا يراه الله كما أنه يرى ردة فعلنا تجاه هذا الأمر، فكل حركة أو سكون في هذا الكون يقع بمشيئة الله في ملكه وعلى خلقه، فلو راقب الإنسان تلك الأقدار مع يقينه المطلق أن كل ذلك من أمر الله، فإنه حينها تسكن نفسه وتطمئن، ولن يحملها ألم الابتلاء وهول المصيبة إلى القنوط واليأس، وإنما يكون الحال بالاحتساب والتسليم والصبر والتجلد، وانتظار الفرج، ومد يد الضراعة إلى الله عز وجل.

ركن الإيمان

وهذا ما يقتضيه الإيمان، فإن أحد أركانه التي لا يكتمل بناء الإيمان إلا بها هو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، ولو تأملنا هذا الركن لوجدنا أن الإيمان به هو إيقان بقدرة الخالق وتصرفه بأمور خلقه، فكل ما خطه القلم في اللوح المحفوظ من قضاء يتعلق بأعمال العباد أو ما سيجري عليهم في حياتهم الدنيا، وهو في علم الغيب الذي يعلمه الله، وكل ما أذن الله لوقوعه وحان أجل تحققه من الأقدار التي أجراها الله في هذه الحياة إنما هي من عند الله وحده، وبهذا يكون المؤمن إلى التسليم والرضا والاحتساب أقرب.

المراقبة

كما أنه ينبغي على المؤمن أن يراقب الأحداث والمجريات التي تقع عليه من منظور أوسع، فهو يجب عليه أن ينظر من فوق لتلك الأحداث ويشاهد لا بعقلية المشارك الذي وقع عليه الحدث، وأضعفه واستحوذ عليه شعور الحزن واليأس، وإنما عليه أن ينظر للأمور بعقلية المشاهد للحدث من الأعلى، لكي تكون نظرته شاملة مراقبة فاحصة متأملة، فبهذه التقنية يستطيع أن يدرك الأحداث ويعزلها ولو بقدر بسيط عن المشاعر والأحاسيس الناجمة عنها، فيكون صبره حاضرا عند الصدمة الأولى للمصيبة الواقعة.

الصبر

في قصة المرأة التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي: «تبكي صبيًا فنصحها فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، فلما أخبرت أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ذهبت إليه في بيته فلم تجد عند بابه بوابًا، فاستأذنت عليه وأخبرته أنها لم تعرفه، فقال لها صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى». ففي هذا الحديث تبيان على أن مقام الصبر يكون بالترحيب بأقدار الله عند الصدمة الأولى من وقوع تلك المصائب، وإن لم يكن ترحيبا فلا أقل من أن يكون استقبالا لتلك الأقدار بالرضا.

كله خير

وأمر المؤمن عجيب كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل حالاته، سواء أصابته أقدار تسره أو أقدار تسوءه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». فيجب أن يكون حال المؤمن متقلبا بين الصبر والشكر، في العسر واليسر، وهذا تحقيق لمقصد الإيمان بالقدر خيره وشره، وتفاعل إيجابي يقصد الخيرية في الحالات جميعها.

العاقبة

وتبقى نظرة الإنسان قاصرة، فهو لا يدرك عواقب الأمور، هل تصير إلى خير أم تؤدي إلى شر؟ فقد يكون الخير مروعا في رحم الشر، وقد يكون شرا ونهايته الخير، والله وحده أعلم بمآلات الأمور وعواقبها، فقد يكون هلاك الإنسان فيما يحب، وتكون نجاته فيما يكره، وهذا مصداق لقول الله تعالى في سورة البقرة: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

سرعة زوال الدنيا

الأمر الآخر الذي يهوّن من المصاعب والمحن ويجعل المؤمن يرحب بأقدار الله هو علمه اليقيني بقصر الدنيا وسرعة زوالها، فالله لم يرضها من أن تكون ثوابا للمؤمن أو عقابا للجاحد، وإنما هي دار اختبار سريعة، وإذا ما تأملنا في زمن الدنيا مقارنة بالزمن عند الله عند خلقه الدنيا لوجدنا الفرق عظيما والبون شاسعا، فقال تعالى في سورة الحج: ( وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) قال المفسرون إن أيام الله هي الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض، فمقدار اليوم الواحد بعدد ألف سنة بحساب البشر، ولو تأملنا عمر الدنيا منذ أن خلق الله السماوات والأرض ومدة مكوث الإنسان في هذه الدنيا لثمانين عاما أو مائة عام لا تعد شيئا في عمر الكون، حتى أن الله تجاوز ذكر فترة مكوث الإنسان في هذه الدنيا في سورة المؤمنون في أطوار خلق الإنسان فبعد أن قال: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) قال مباشرة:( ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ)، وهذا دليل على حقارة هذا الوقت الذي لا يكاد يذكر، فهذا أدعى إلى أن يصبر الإنسان في هذا الوقت الضئيل على ما يلاقيه من مصاعب ومحن، لينال الجزاء الأوفر عند الله تعالى، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر حتى على من ابتلاه الله بالمرض، فتلك امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها». فلأجل أن تحظى بالجنة أمرها أن تصبر لعلمه أن عمر الدنيا سريع وزائل والأحرى بالمؤمن أن يصبر فيه لينال الجزاء الجزيل في الجنة.

الابتلاء للعطاء

ومع أن الأنبياء تم اصطفاؤهم من الله تبارك وتعالى ليبلغوا رسالة الحق إلى الخلق، إلا أنهم لم يسلموا من الابتلاءات، فذاقوا أنواع البلاء وأصنافه، فمنهم من ابتلي بولده، ومنهم من ابتلي بزوجته، ومنهم من ابتلي بإخوانه، ومنهم من ابتلي بأبيه، ومنهم من ابتلي بمرض في جسده، ومنهم من عذب، ومنهم من قتل، وهم صفوة البشر وقد اختارهم الله لدرجة النبوة والرسالة، ولكنه لم يعفهم من الابتلاء، فكيف ببقية البشر هم أولى بالبلاء والمصائب، ولكن مع ذلك يجب على الإنسان أن يسأل الله العافية من البلاء مخافة أن لا يصبر عليه، فنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه هذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك».

والله أعلم بخلقه من أنفسهم، وهو يعلم صبرهم وقدرتهم على تحمل المصائب والابتلاءات، فالله يبتلي المؤمن بقدر إيمانه وذلك ليجزل له الثواب والأجر فقال الرسول صلى الله عليه سلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة؛ شدد عليه في البلاء» وهذا من لطف الله الخفي، وحكمته البالغة، وكرمه العظيم، فيجعل البلاء بما يطيق العباد تحمله، ليرفع لهم درجاتهم في الجنة.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الرسول صلى الله علیه وسلم الإنسان فی

إقرأ أيضاً:

صلاة العيد.. أحكامها وسننها وآدابها في الإسلام

صلاة العيد من الشعائر الإسلامية العظيمة التي تجسد الفرحة والبهجة في قلوب المسلمين، وهي سنة مؤكدة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يؤديها المسلمون مرتين في العام، في عيد الفطر وعيد الأضحى. 

لهذه الصلاة أحكام وسنن وآداب ينبغي مراعاتها، حتى يتحقق المقصود منها كاملاً وفق الهدي النبوي.

حكم صلاة العيد 

صلاة العيد سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، بينما يرى بعض الفقهاء أنها فرض كفاية، أي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين، في حين يرى آخرون أنها واجبة على كل مسلم قادر على أدائها، وقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها وأمر الناس بالخروج لها، رجالاً ونساءً، حتى الحُيَّض منهن ليشهدن الخير ويشاركن المسلمين فرحتهم.

وقت صلاة العيد ومكان أدائها

تُصلى صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، أي بعد شروق الشمس بقرابة 15-20 دقيقة، ويمتد وقتها حتى قبيل أذان الظهر، وتؤدى في المصلى خارج المسجد، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إذا وُجد عذرٌ يمنع ذلك، كالمطر أو ضيق المكان، فيجوز أداؤها في المسجد.

هل زكاة الفطر لا تجب على الذي عليه دين؟.. دار الإفتاء تجيبآخر موعد لإخراج زكاة الفطر.. اعرف أحكامها وقيمتهاهل يجوز إخراج زكاة الفطر عن الغير؟.. الإفتاء توضح الضابط الشرعيمن أجاز إخراج زكاة الفطر مالا من العلماء؟ دار الإفتاء تذكر الأسماءكيفية أداء صلاة العيد

تتكون صلاة العيد من ركعتين، يُكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، ويرفع المصلي يديه مع كل تكبيرة. بعد الفاتحة، يُسن للإمام أن يقرأ سورة "الأعلى" في الركعة الأولى، وسورة "الغاشية" في الثانية، أو يقرأ "ق" و"اقتربت الساعة"، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

بعد الصلاة، يلقي الإمام خطبتين، يُستحب أن يبدأ الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع، ويتناول فيهما مسائل العيد، كأحكام زكاة الفطر في عيد الفطر، وأحكام الأضحية في عيد الأضحى، إضافة إلى الموعظة العامة التي تذكّر المسلمين بتقوى الله وتعزيز الروابط الاجتماعية.

آداب وسنن صلاة العيد

يُستحب للمسلم قبل الخروج إلى صلاة العيد أن يلتزم بمجموعة من الآداب والسنن النبوية، التي تزيد من أجره وتكمل فرحته بهذه المناسبة العظيمة، ومنها:

الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب
من السنة أن يغتسل المسلم قبل صلاة العيد، ويرتدي أجمل ملابسه، ويتعطر بروائح طيبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك يوم العيد، ويحث أصحابه عليه.

التكبير في أيام العيد
التكبير من أعظم شعائر العيد، ويبدأ في عيد الفطر من مغرب ليلة العيد حتى وقت الصلاة، وفي عيد الأضحى يستمر من فجر يوم عرفة حتى غروب شمس آخر أيام التشريق. والصيغة المشهورة للتكبير هي:
"الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد."

تناول الطعام قبل صلاة العيد في الفطر وتأخيره في الأضحى
من السنة في عيد الفطر أن يأكل المسلم شيئًا قبل الخروج للصلاة، ويفضل أن يكون تمرات وترًا، أما في عيد الأضحى فيُستحب تأخير الأكل حتى يعود من المصلى ليأكل من أضحيته.

المشي إلى المصلى واتخاذ طريق مختلف في الذهاب والإياب
يُستحب أن يذهب المسلم إلى صلاة العيد مشيًا على الأقدام إن كان ذلك ممكنًا، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يعود من طريق آخر، لما في ذلك من إعلان الفرح وإظهار الشعائر الإسلامية.

اصطحاب النساء والأطفال
حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على خروج النساء والأطفال لحضور صلاة العيد، حتى الحُيَّض منهن، ليشهدن الخير ويشاركن المسلمين فرحتهم، مع مراعاة الضوابط الشرعية.

التهنئة بالعيد
من العادات الإسلامية الطيبة أن يتبادل المسلمون التهاني يوم العيد بعبارات مثل: "تقبل الله منا ومنكم" أو "عيد مبارك سعيد".

حكم من فاتته صلاة العيد

من فاتته صلاة العيد في جماعة، يُستحب له أن يصليها منفردًا، مع أداء التكبيرات الزائدة كما هي، دون خطبة، لأن الخطبة خاصة بالجماعة.

 

مقالات مشابهة

  • فعل عجيب يحدث فى آخر ساعة من رمضان .. ترقبوا المعجزة
  • صلاة العيد.. أحكامها وسننها وآدابها في الإسلام
  • دعاء ختم القرآن الكريم وفضل التلاوة.. تعرف عليه
  • خطبتا الجمعة بالحرمين: من أمارات قبول العمل الصالح المداومة على الطاعة.. وزكاة الفطر طهرة للصائمين
  • كيف نجَّى المكر الإلهي عيسى عليه السلام؟
  • «التعاون الخليجي»: مستقبل غزة يجب أن يكون في سياق الدولة الفلسطينية المستقلة
  • «الجندي» للمسلمين في ليلة القدر: اهْرَعُوا إِلَى خَلَوَاتِكُمْ وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
  • إفرح بشعائر الله فهي زاد لك أيها المؤمن
  • "التثقيف الرياضي ودوره في بناء الشخصية السوية" ملتقى الفكر الإسلامي بمسجد ناصر الكبير بالفيوم
  • شيخ الأزهر: الدعاء يكون صدقة جارية إذا كان من ولد صالح لوالديه