عام على الحرب: «أرقام صادمة للخسائر الاقتصادية بالسودان»
تاريخ النشر: 18th, April 2024 GMT
تقرير: التغيير
عام كامل انقضى منذ اندلاع حرب الـ 15 من أبريل 2023 في السودان، التي وصفها طرفا النزاع “الجيش السوداني وقوات الدعم السريع” بـ”الحرب العبثية”.
عام انصرم تعرض خلاله الاقتصاد السوداني لخسائر كبيرة وفقًا لإحصائيات نشرتها جهات إقليمية ومحلية وعالمية، ولا يزال النزيف مستمرا.
أرقامبحسب المختصين، فإن الحرب الدائرة في السودان تسببت في تدمير (65%) من قطاع الزراعة، في حين دُمّر القطاع الصناعي بنسبة (75%)، والقطاع الخدمي بنسبة (70%)، فيما تقدر الغرفة التجارية الخسائر المالية المباشرة لمنسوبيها بـ(5) مليار دولار.
لا توجد إحصائيات رسمية لمجمل الخسائر لكن وزير المالية د. جبريل إبراهيم سبق وأن قدر نهاية العام الماضي حجم الخسائر بأنها قد تصل إلى (200) مليار دولار دون حساب خسائر الفرص الاقتصادية الضائعة للبلاد.
انكماشفيما توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد السوداني بنسبة (18.3%) خلال العام 2023 وفقد أكثر من (3) ملايين وظائفهم.
دماروبحسب البنك الدولي فإن الحرب دمرت القوة الشرائية للمواطنين، نتيجة انخفاض قيمة العملة الوطنية، والارتفاع الشديد في أسعار السلع.
قطاع النفطالخسائر في قطاع النفط كبيرة جدا، فالسودان فقد حوالي (210) آلاف برميل من الخام، نتيجة تخريب مستودع الخام بمصفاة الجيلي في الخرطوم، وقدّر وزير النفط السوداني، محيي الدين نعيم محمد سعيد، في حديث لوكالة السودان للأنباء “سونا”، حجم الدمار الذي لحق بقطاع الطاقة والنفط بـ5 مليارات دولار.
ويُنتج السودان نحو 60 ألف برميل نفط يومياً، تمثل 40% من احتياجاته.
خسائر صناعيةأقرت وزارة الصناعة، بتأثر القطاع بالحرب الدائرة في البلاد بصورة كبيرة جداً، مما أدى لتدمير حوالي 90% من المصانع القائمة بولاية الخرطوم وبعض الولايات الأخرى.
ووفقا للغرفة الصناعية تم تدمير أكثر من (400) مصنع بشكل شبه كامل.
انهيارالباحث والمحلل الاقتصادي الدكتور على الله عبد الرازق أبدى في حديثة لـ«التغيير» أسفه للخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب بعد عام كامل من اندلاعها.
ووصف على الله ما حدث بأنه انهيار شامل، وتدمير ممنهج لقطاعات كبيرة من البنية التحتية، مشيرا إلى أن بعض التقديرات والتقارير الصادرة من منظمات دولية، أشارت إلى أن تكاليف هذه الحرب فاقت أكثر من (100) مليار دولار، وأوقفت أكثر من (75%) حجم النشاط الاقتصادي،
تراجعوأوضح عبدالرازق أن الحرب الكارثية، أدت لتراجع حجم النشاط الاقتصادي بنحو (50،60%)، بجانب حدوث انكماش اقتصادي بنسبة أكثر من (18%)، وهي أكبر نسبة تراجع يشهدها الاقتصاد السوداني طوال تاريخه.
ويواصل عبد الرازق سرده للأرقام والخسائر خلال فترة الحرب قائلا: تراجعت الصادرات إلى مبلغ لا يتجاوز (10_12%) مليون دولار في الشهر، فضلا عن فقدان (6.4) مليار دولار من المساعدات الانمائية المقدمة للسودان من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية، كانت مخصصة لتطوير بعض المشاريع الحيوية. كما علقت مجموعة نادي باريس إعفاء ديون السودان والمتأخرات المالية.
عدم مسؤوليةوقال عبد الرازق إن موازنة العام 2024 التي خصصت للحرب وتمويل الجهود العسكرية والعمليات الأمنية، في ظل فقدان الموازنة العامه لـ(80%) من إيراداتها، لا مكان فيها للإنتاج والخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وتحسين معيشة المواطنين وغيرها مما سيفاقم من الأحوال المعيشية المتردية أصلا.
وأضاف: هذا من وجهة نظري بمثابة إعلان من الحكومة بالتخلي عن مسؤوليتها تجاه المواطنين، الذين أصبحوا غير قادرين على مواجهة الازمات التي خلفتها ومازالت تحدثها الحرب.
القطاع الزراعيوفيما يتعلق بتأثير الحرب على القطاع الزراعي يصنف الباحث الاقتصادي أحمد بن عمر في حديثه لـ «التغيير» ما حدث في القطاع في خانة التردي الكبير جدا.
ويضرب ابن عمر مثالا بمحصول الذرة الذي كانت إنتاجيته (3) ملايين طن في المواسم السابقة لكنه تراجع هذا العام بنسبة (43%) مقارنة بالعام 2022. فيما بلغ إنتاج الدخن خلال العام 2023 حوالي (683) ألف طن وهو رقم أقل بنسبة (64%) عن إنتاج العام 2022 وفيما يتعلق بإنتاج القمح الذي يحصد دائما في مارس فكان (377) ألف طن وهو أقل بنسبة (20%) تقريبًا عن العام السابق.
مشروع الجزيرةوحذر ابن عمر من تأثير الحرب علي أكبر مشروع زراعي في المنطقة. قائلا: الرقعة الزراعية في مشروع الجزيرة تأثرت بالحرب فهناك تقليص للمساحات المزروعة بنسبة (50%) هذا العام خاصة لمحصولات الفول السوداني والذرة.
وأضاف: أيضا هنالك غياب للمنتجين وكبار التجار، حيث لا يوجد سوق كبير لبيع المحاصيل، أما بالنسبة للخضروات والموالح فانعدام الأمن والوقود وارتفاع أسعار البذور ساهم في عدم إنجاح الموسم الزراعي.
نهاية الزراعةيقول أحمد القطاع الزراعي ضعيف وتأثيرات الحرب ستعجل بنهايته، مشيرا إلى أن الزراعة كانت تساهم بـ (32.7%) في الناتج الإجمالي والآن لا تتعدى مساهمتها النصف بعد خروج ولايات دارفور والجزيرة والخرطوم من دائرة الإنتاج القومي.
ارتفاع التكاليفويختتم أحمد بن عمر حديثه مؤكدا تأثر بقية الولايات بانعدام الإمداد وارتفاع التكاليف وشح الإمكانيات الاقتصادية، كما تراجعت المساحات الزراعية في البلاد لتغطي المحاصيل المزروعة مساحة (37 %) فقط من إجمالي الأراضي المهيأة للزراعة.
مصفاة الذهبمن جانبة يصف المصرفي أبوعبيدة سعيد في حديثه لـ«التغيير» الخسائر في قطاع البنوك بالكبيرة نتيجة للسرقات مما أدى لإغلاق البنوك في الخرطوم شأنها شأن المصانع والأعيان المدنية، مشيرا إلى أن تأثير سرقة مصفاة الذهب سيكون كبيرا لجهة أنها تمثل احتياطيات بنك السودان من المعدن الأصفر وذات الشيء ينطبق على مطابع السودان للعملة وصك النقود إذ تعرضت جميعها للنهب.
وقال: لكل هذه الأسباب ستتعثر عمليات التمويل المصرفي، وسيكون من الصعب إيفاء البنوك بالتزاماتها في موعدها وبالتالي تعرض المصارف لهزات مالية نتيجة لزيادة نسبة التعثر.
تآكلويشير سعيد لتدهور قيمة الجنيه السوداني بنسبة تفوق (150%) منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وحتى الآن مما أدى إلى تآكل رؤوس أموال البنوك السودانية وبالتالي فقدان قدرتها على تلبية احتياجات عملائها من النقد الأجنبي والتمويل، حيث تم إغلاق (70%) من فروع البنوك السودانية وتسريح جزء كبير من العاملين.
تعثروقال إن عدم سداد أقساط العمليات الاستثمارية بسبب الحرب أثر على أرباح البنوك وحركة تدوير رؤوس أموالها في عملية التنمية، ومعلوم أن رؤوس أموال البنوك السودانية ضعيف جدا ومتطلبات كفاءة رأس المال وفقا لمنشورات بنك السودان والمعايير الدولية يجعل ممارسة البنوك لأعمالها ودورها الاقتصادي ضعيف ويعرضها لمخاطر تعثر وافلاس بصورة كبيره.
احتياطيات بنك السودان للبنوك التي تقدر بنسبة (20%) لمقابلة المخاطر تحد من نشاط البنوك وفي نفس الوقت الخسائر التي تعرضت لها المصارف تفوق نسبة (20%)، بالإضافة إلى أن الخسائر تشمل جميع البنوك التي تتركز معظم فروعها في ولايتي الخرطوم والجزيرة.
تزويروبحسب سعيد فإن زيادة التحويل عبر الموبايل المصرفي بعد الحرب ساعد في تحقيق جزء من الشمول المصرفي إلا أن انقطاع شبكات الاتصالات والكهرباء ومنشورات بنك السودان بتحديد سقف لعمليات التحويل عبر الموبايل قلل من الدور الإيجابي لعمليات التحويل بالموبايل خاصة في ظل انتشار ظاهرة تزييف العملة السودانية وبفئات كبيرة نتيجة لعدم الرقابة والسيولة الأمنية في البلاد.
هيمنةوشدد أبوعبيدة على ضرورة أن يكون بنك السودان ذو شخصية قانونية منفصلة بعيدا عن هيمنة وزارة المالية، أو رئاسة الجمهورية، وأن تكون قوانين ولوائح البنك المركزي هي الحاكمة في عملية إدارة ورقابة المصارف.
واتهم سعيد الجهات المختصة بعدم تطبيق معايير الإفلاس بصورة دقيقة. وقال: الكثير من البنوك الحالية يمكن إدراجها تحت طائلة الإفلاس ولكن رغم ذلك تظل تعمل برأس مال ضعيف وليس لها دور كبير في التنمية لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
واعتبر أبوعبيدة سعيد أن بنك السودان المركزي يمثل صمام الأمان والمقرض الأخير للمصارف السودانية لذلك يجب إصلاحه باستقلاليته المالية والقانونية بما يضمن إصلاح النظام المصرفي بعد الحرب.
فيما اجمع معظم الخبراء والمختصين أن الحل الناجع يكمن أولا في إيقاف الحرب ومن ثم بدء عملية الإصلاح الاقتصادي.
الوسومالجيش الجيش السوداني الدعم السريع السودان انهيار اقتصاد السودان حرب الـ 15 من أبريل دمار الاقتصاد السوداني عام على الحرب قطاع النفط
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الجيش الجيش السوداني الدعم السريع السودان عام على الحرب قطاع النفط الاقتصاد السودانی ملیار دولار بنک السودان أکثر من إلى أن
إقرأ أيضاً:
بعد القصر.. إجابات حاضرة لأسئلة غائبة
فتحي الضَّو
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا…وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه. قال النُقاد إن هذا أعجب بيت شعر قيل في وصف معركة في حرب حامية الوطيس، في حين قال عنه آخرون بأنه أكذب بيت شعر صادق، هذا وذاك لسبب بسيط هو أن قائله بشار بن برد كان أعمى، ومع ذلك برع في استخدام تلك الصورة البصرية الرائعة بذلك التشبيه البليغ. وبما أن الشيء بالشيء يذكر فقد انتهت (معركة القصر) دون أن يكون بشار بن برد أحد حاضريها. ولكن كانت هناك التقنية الحديثة التي تصور دبيب النمل في الأجحار وبالطبع لن يكذبِّها أحد. وطبقاً لذلك يمكن القول أيضاً إنها خلقت وخلَّفت وراءها العديد من الأسئلة االغائبة في توصيف معركة حاضرة قبل أن ينجلي غبارها. واقع الأمر ذلك ما ينبغي الوقوف عنده طويلاً، لعله يكون فاتحة لمنهج المساءلة القادمً متى ما وضعت حرب البلهاء أوزارها، خاصةً وأنها تُعد الأكثر مأساوية منذ تأسيس الدولة السودانية، وقد صاحبتها كثير من البلايا والرزايا وتعددت فيها الأخطاء والخطايا ثمَّ طوت أعز ما يملكه السودانيون في أعرافهم أي ما عُرف بمنهج (التسامح السياسي). ولهذا فنحن نعلم وهم يعلمون كذلك بأنه لن يعود السودان الذي كان: ولكن سيعود لمن أوتي كتابه بيمنه بصفحاته الناصعة البياض من غير سوء. وعندئذٍ تبت يد الجلاد وتب.. لهذا ليس من المنظور أن يذهب درساً قاسياً كهذا أدراج الرياح. يردد كثير من (الببغاوات) عبارة مضللة ويقولون عن القصر الذي بناه غردون (رمز السيادة) ولا يدري المرء أية سيادة يقصدها المرابون؟ فهل يمكن أن تكون هناك سيادة في وطنٍ انتهكها العسكر على مدى تسعة وستين عاماً ولم ينعم فيها الصابرون الكاظمون الغيظ إلا بنحو عشر سنوات لم تزد منذ الاستقلال؟ وأية سيادة هذه التي انتهك البرهان وثيقتها الدستورية بانقلاب ضلالي مزقها شر ممزق، لا لعوج في ثورتها المجيدة ولا لخللٍ في مسيرتها الديمقراطية الواعدة، ولكن لأنه أراد فقط أن يحقق حلم والده؟ وأية سيادة تلك التي يهرف فيها ياسر العطا بما لا يعلم؟ وأية سيادة تلك التي يرفع علمها جهلول يظن أن تاريخ السودان يصنعه أزلام الهوس الديني والمؤلفة قلوبهم؟ لكن على أية حال إذا أسلمنا جدلاً أن (القصر) الذي بناه غردون هو رمز السيادة، كما يقولون، وأن الطامحين لورثته كثر فنقول نحن: إن للسيادة استحقاقاتها. وللسيادة مطلوباتها وللسيادة دين مستحق. عندئذِ فليقل لنا الجنرالات الثلاثة ورابعهم الذي يكيد كيداً من وراء حجاب. ماذا أعددتم ليوم تشخص فيه الأبصار وترتعد فيه الفرائص. فأنتم المسؤولون أمام الله ومن ثم أمام أهل السودان عن كل نقطة دم أهرقت، وماذا تقولون لأرواح بريئة بأي ذنب قتلت؟ سيسائلكم الذين تشردوا من منازلهم والذين انتهكت عروضهم والذين توسدوا الأرض والتحفوا السماء لن نقول لكم حكموا ضمائركم لأنكم قبرتوموها مع ضحاياكم. نحن نعلم أن للعسكرية شرفاً فهي ليست نياشين ترصع الصدور ولا نجوم تزين الاكتاف، العسكرية شجاعة وبسالة والانحياز للشعب وللقيم الإنسانية النبيلة، فليقف من يجسدها في باحة هذا القصر ويعلن استعداده للمحاكمة العادلة. فليس الحديث عن القصر واسترداده إنما الحديث ابتداءً عن من الذي فرط في احتلاله وليكن هذا فاتحة البداية في المحاسبة. ما كان منظوراً أن تجد مثل تلك الأسئلة اهتماماً يذكر من قبل الجنرالات الثلاثة، الذين التفوا عليها وباتوا يشيعون أن هدف الوصول إلى القصر يُعد في صدارة أهدافهم، ليس من أجل السيادة المزعومة ولكن لأن ذلك يجعلهم يروجون بأن (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ويحقق هدفاً استراتيجيا وهو تغييب الأسئئة الموضوعية التي ينبغي أن تشغل فكر الناس واهتماماتهم الوطنية. عوضاً عن ذلك راجت أسئلة الدعاية الرخيصة دون اكتراث لآلة الحرب التي تحصد في البشر ورافقتها البروبوجاندا المُضللة التي تقول بأن الوصول إلى القصر هو خاتمة المطاف وتمادياً في الخداع يقولون الوصول للقصر هو نهاية الحرب وهم يعلمون أنهم لكاذبون. بالمقابل زادت مليشيا الدعم السريع من وتيرة الحرب النفسية بالقول المخادع أيضاً بأنهم يسيطرون على القصر ومحيطه، وعندما يستمرئون الكذب يدعون بأن لا أحد يستطيع اقتحام القصر، ويزيدون بالقول إنها متحصنة بعتاد عسكري ولوجستي تنوء بحمله الجبال. وتمادت في إطلاق مزيد من الحرب النفسية بأنها تحتجز ما يفوق الثلاثمائة ضابط في سراديب القيادة العامة التي تقع على مقربة من القصر. الغريب في الأمر أنه في زمن التكنلوجيا والتقنية العالية، صعُب على جنرالات الحيرة التأكد من صحة معلومات القيادة والقصر معاً. وفي غياب مثل تلك المعلومات شطح الخيال الشعبي وطفق يتلذذ باستعراض الأرقام كافة. وكان ذلك يعني أن الجيش يحارب عدواً من الجن. جغرافياً يعلم أهل السودان أن قصر غردون ذاك يشغل حيزاً صغيراً على النيل واستبعد المنظرون حدوث الهروب/ الانسحاب التيكتيكي باعتبار أنه محاط من جهاته الثلاث ورابعها نهر النيل. ولم يفطن جنرالات تنابلة السطان بأن المليشيا غادرت القصر منذ زمن وحملت معها كل أغراضها ولم تترك وراءها سوى ذكريات منقوشة على الجدران فيما تركت القصر خالياً ينعق فيه البوم. اللهم أجرنا في مصيبتنا. تلك يقول عنها المكلومون: ميتة وخراب ديار!
آخر الكلام: لا بد من الديمقراطية وإن طال السفر!!
الوسومفتحي الضو