لجريدة عمان:
2025-04-03@03:54:12 GMT

كيف نعيد التفكير الواعي في الديمقراطية ؟

تاريخ النشر: 17th, April 2024 GMT

لا يزال الحديث عن قضية الديمقراطية في الكثير من دول العالم تشوبه الكثير من الارتباكات الفكرية والسياسية، بحسب التوجهات الفكرية والأيديولوجية لكل نظام سياسي قائم، فأصحاب التوجهات الشمولية اليسارية والماركسية، التي كانت تتبع النظام الاشتراكي آنذاك، كانت ترى الديمقراطي في تقدم للشعوب من الكفاية من العيش الكريم بحسب رأيهم، دون النظر لمسألة الحرية السياسية والحياة الحزبية، أو إتاحة الفرص لحرية التعبير أو إعطاء المجال للصحف الفردية بالعمل الحر، كما هو قائم في الغرب الليبرالي الرأسمالي، من حرية التعبير والصحافة الحرة، وغيرها من الحريات الممنوحة بحسب الدساتير القائمة.

لكن التحولات السياسية في المعسكر الاشتراكي، بعد سقوط هذا المعسكر عام 1991، بدأت أغلب دول هذا المعسكر في الدخول في النظام الليبرالي من قيام الأحزاب، والصحافة الحرة، وفي المقابل فإن النظام الليبرالي بدأ يتأزم، وبدأت حركات مناهضة للرأسمالية ونقد النظام الحزبي الذي يقوم على المال وشراء الأصوات، ومن هذه الحركات ما يسمى بـ(الحركة الشعبوية)، وهي أقرب للحركات اليسارية التي كانت في القرن الماضي.

وفي البلدان العربية، فإن التفكير في الديمقراطية، بدأ متأخرًا، بالمقارنة في العالم الغربي، لاختلاف الثقافة التي يراها البعض تجانب قضية الديمقراطية في بعض رؤيتها الفكرية، لكن البعض من الدول تمسكت بالمصطلح الإسلامي المقابل للديمقراطية الغربية، وهو الشورى، والبعض الآخر تماشى مع مصطلح الديمقراطية دون أن يلتزم بما كانت عليه هذه الديمقراطية في الغرب، مع الالتزام بالانتخابات من خلال التصويت، دون أن تكون هذه الممارسة بتلك الرؤية الديمقراطية فيما سار عليه الغرب الليبرالي، وينظر لها نظرة أخرى من حيث إن الفكرة تخضع لكل ثقافة ورؤية ذاتية دون أن نكون نسخة من الغرب في ممارساته لفكرة الديمقراطية.

ولذلك يرى البعض أن القبول بالديمقراطية ونتائجها عبر طريق صناديق الاقتراع، تحتاج إلى تدرج محسوب، وإلى وعي بالممارسة الديمقراطية، والغرب نفسه وهو الذي سبق العديد من الأمم والثقافات من أكثر من قرن ونصف القرن، في إرساء هذه الوسيلة وتفاعلاتها السياسية والفكرية، لم تأت دفعة واحدة في كل الدول، بل إن الديمقراطيات في الغرب، مرت بمراحل وخطوات، وتطبيقات متدرجة، حتى استطاعت المجتمعات أن تتقبل نتائجها بالصيغة التي نعرفها الآن. لذلك فإن فرص تطبيق الديمقراطية في المشهد العربي تواجه صعوبات عدة، علمًا أن هذا الأمر ليس سمة مقتصرة على المنطقة العربية وحدها؛ فللديمقراطية صعوباتها وإخفاقاتها في دول كثيرة كما نجاحاتها.

قد يقول البعض الاهتمام بتطبيق الديمقراطية في الوطن العربي مسألة مهمة للإصلاح السياسي، وإيجاد المناخ السلمي للتعبير، وإبعاد الاحتقان السياسي المتمثل في العنف والإرهاب والتوتر وعدم الاستقرار الذي تعانيه الكثير من المجتمعات العربية بسبب هذه الأزمة وتوابعها العديدة، لكننا نعتقد أن مشروعية تعميم الديمقراطية -مع أهميته- قد لا نجد له تلك الأرضية الحاضنة بسبب رواسب كثيرة، وتمددات عديدة جعلت الديمقراطية تتراجع كثيرا عما شهدته الدولة العربية التقليدية قبل الاستقلال من انفتاح سياسي وتعددية حزبية.

فالممارسة التراكمية للديمقراطية السليمة، هي الضمان من أي تعثرات جانبية، وهي التي ستكسب المجتمع الخبرات والتراكم المعرفي للأسس الصحيحة للحراك الديمقراطي السلمي في الوطن العربي، ومن هذه المنطلقات فإن المشاركة بأي وسيلة من وسائل التعبير تعتبر مجالًا حيويًا للتفاعل -كما يقول د. هادي نعمان- في التأثير: «حيث إن السلوك الفردي يتبادل التأثير مع السلوك الجماعي، وقد يوجه أحدهما الآخر تبعًا لعوامل وظروف متعددة. وفي الأحوال كلها يراد للمشاركة أن تكون فعّالة، والتي يمكن أن تجد لها تحقيقًا في عملية اتخاذ القرارات الاجتماعية عبر فرص متكافئة في التعبير عن الاختيارات.

وهكذا فإن المشاركة، مع أنها تتضمن إشراكا للمواطن إلا أنها تتسع لتشكل منظورًا أو منهجًا في تهيئة الأفراد للتعامل مع الحاضر ومواجهة احتمالات المستقبل بكفاءة، وهذا المنظور يؤلف ما يطلق عليه منهاج العملية الذي يقوم على تمكين المواطن من فهم المشكلات وأسبابها، وإشراكهم في التعامل مع تلك المشكلات التي يحسون بها».

ولا شك أن الحديث عن الديمقراطية وضروراتها الملحة للاستقرار السياسي، يعد من الأحاديث الذي يهتم له الكثير من الباحثين والمهتمين بالفكر السياسي الحديث بمتغيراته الكثيرة، ذلك أن فكرة الديمقراطية، كما طبّقت في الغرب، ومن خلال ما أسهمت فيه من توافقات من الفرقاء، سواء من الدول العربية أو النخب السياسية ورغبة الشعوب في ذلك، كان لها الأثر الإيجابي في جعلها تسهم في الاستقرار، وفي التداول السلمي للسلطة في الغرب، مما قلل من الصراعات والتوترات السياسية التي حصلت في القارة الأوروبية في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، وهذا ما جعل فكرة الديمقراطية تلقى رواجًا كبيرًا لدى العديد من الشعوب الأخرى، التي عانت من التوترات والصراعات الداخلية من خارج القارة الغربية، من جراء الحكم الشمولي، وفي غياب التعددية والرؤية التي تفتح المجال لاختلاف الآراء وتنوعها.

والبعض من الشعوب الأخرى يرى أن فكرة الديمقراطية، فكرة بعيدة عن الواقع الفكري لدى الثقافات الأخرى، فلماذا يتم استيراد هذه الوسيلة من خارج نطاق الجغرافيا؟ لكن هذا القول تبريره ليس واقعًا بصورة عامة، ذلك أن حركة الحياة فيها الأخذ والعطاء، من كل الثقافات والحضارات واقعًا في سنن الحياة البشرية، ففي العصر الإسلامي الأول، أخذ الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الكثير من النظم الإدارية من الحضارات الأخرى التي سبقت حضارة الإسلام في نظمها الإدارية والعسكرية، ذلك أن هذه طرق ووسائل، لا تقترب من الدين أو قيمه وإرثه الفكري، وهذا يتوافق مع الحديث الذي نسب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء فيه: (الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها).

من هنا فإن الاستفادة من حكم وأفكار خارج من نطاق الدين، لا شيء يمنع من ذلك، وهذا مصداق لهذا الحديث الشريف، وحتى الشيخ الجليل، محمد الغزالي، قال في بعض كتاباته: «إن الديمقراطية وسيلة وطرق لإدارة الاجتماع البشري، وليست دينا يتم مقارنتها به». ولا شك أن الأمة تملك الكثير ما يقابل الديمقراطية في قيمها أو يتفوق عليها، وعبر تاريخها القويم، هناك محطات تستحق الوقوف عليها، لكن الإشكالية أن فكرة الشورى لم تتطور في فترة التراجع والانحطاط من قرون مضت، حيث إن نصوص الشورى عامة، ويمكن تطويرها بما يناسب كل عصر من العصور، وكان بإمكان أهل العقول النيرة من المجتهدين، أن يقوموا باستخراج هذه القيمة العظيمة (الشورى) من مجالها المحدود، إلى آفاق نظم وقوانين، ترتفع بهذه الرؤى الشوروية إلى مستويات ووسائل راقية للتطبيق، بما يحقق للأمة قيمة عظيمة مثل الديمقراطية ووفق قياس هذا المصطلح وأفضل منه، إلى قوانين ولوائح، لكيفية تأسيس شورى تبعد الفردية والاستبداد التي عانت منه الأمة كثيرا، ولا تزال تعاني منه حتى الآن.

والحقيقة أن الكثير من الباحثين العرب والمسلمين، تحدثوا عن هذه القضية وأهمية الديمقراطية لوقف الاحتقان السياسي، بما تتيحه وسيلة الديمقراطية من الاختيار الحر النزيه، لمن يتقدم للعمل العام، وهذه من المسائل التي لاقت قبولا كبيرا من النخب الفكرية والسياسية العربية منذ القرن التاسع عشر؛ لأن ما هو متبع لا يعطي مجالًا رحبًا للانفتاح السياسي، والقبول بالتعددية وفق المناخ الديمقراطي الذي يعكس التوجه المؤسسي للحريات العامة في اختيار من يرشح نفسه -كما أشرنا آنفًا- للعمل العام، والجمهور يختار من هو الأقدر ومن يتم التوسم فيه من القدرات التي تؤهله لهذا الواجب الوطني. فالديمقراطية في كثير من دول العالم لا شك أنها نجحت في أن تتيح المجال للنظم السياسية كما هو في الغرب أن تحقق القبول الكبير من الشعوب؛ لأنها تمس جوهر أحاسيس الناس ورغباتهم واختياراته المتعددة، ولذلك حققت ما كانت تفقده الكثير من الدول في عالم اليوم. صحيح أن الديمقراطية لا تخلو من عيوب ومن سلبيات؛ لأنها منطلقة من نظام سياسي رأسمالي جشع، في بدايات تطبيقها في الغرب، وله خلفية قاسية تجاه حقوق الطبقة الوسطى من حيث الاستئثار بالكثير من الحقوق دون التوازن في التوزيع العادل.

إن بلادنا عُمان بحمد الله سلكت منهج الشورى كنموذج إسلامي، واستفادت من تطورات العصر من حيث الإجراءات التي تتفاعل مع كل التطورات الجديدة، دون أن تخرج عن مواريثها الفكرية، فجمعت من فاعلية التاريخ وقيمه الذاتية، وتفاعلت مع العصر ومستجداته وتحولاته الفكرية.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الدیمقراطیة فی الکثیر من فی الغرب دون أن

إقرأ أيضاً:

متمرد جديد بالكونغو الديمقراطية وخلافات تعرقل تشكيل حكومة موسعة

تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية تطورات متسارعة تنذر بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار بعد إعلان المدان سابقًا بجرائم حرب توماس لوبانغا عن تشكيل حركة متمردة جديدة في إقليم إيتوري بشرقي البلاد.

وفي الوقت ذاته، تعيش الساحة السياسية على وقع انقسامات حادة بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية، مما يعقّد جهود الدولة للخروج من دوامة الأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة.

عودة لوبانغا

في خطوة مفاجئة أثارت موجة من القلق داخليًا وخارجيا، أعلن توماس لوبانغا -أول شخص أدانته المحكمة الجنائية الدولية عام 2012 بتهم تجنيد الأطفال للقتال في صفوف مليشياته- عن تأسيس "الجبهة الشعبية"، وهي حركة مسلحة جديدة تنشط حاليا في إقليم إيتوري شرقي البلاد، حيث لا يزال الصراع الإثني والطائفي محتدمًا منذ سنوات.

وصرّح لوبانغا في تسجيل مصوّر بأن حركته تهدف إلى "الدفاع عن حقوق شعب إيتوري الذي يعاني التهميش، وحماية المجتمعات المحلية من الإهمال والعنف المنظّم".

واتهم الحكومة بعدم الوفاء بوعودها المتعلقة بالأمن والتنمية في المنطقة. وأضاف "نحن لا نحمل السلاح من أجل القتال، بل من أجل الدفاع".

وقد أثار هذا الإعلان استياءً واسعا في الأوساط الحقوقية والدولية، إذ يرى كثيرون أن الإفراج المبكر عن لوبانغا، دون آليات واضحة لإعادة تأهيله أو مراقبته، يشكّل خطرًا جديا على استقرار البلاد.

أعلن توماس لوبانغا، الذي أدانته المحكمة الجنائية الدولية عام 2012 بتهم تجنيد الأطفال، عن تأسيس حركة متمردة جديدة (رويترز) أزمة تشكيل الحكومة

بالتوازي، تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمة سياسية متفاقمة إثر فشل الجهود الرئاسية في تشكيل حكومة وحدة وطنية، بهدف استيعاب المعارضة وضمان تمثيل أوسع بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة.

إعلان

ووفق تقارير صحفية، تنقسم الكتلة الرئاسية نفسها بشأن تشكيل حكومة جامعة؛ إذ ترى بعض الأطراف أن إشراك المعارضة غير ضروري، لا سيما بعد فوز الرئيس فيليكس تشيسيكيدي بولاية جديدة، في حين يعتبر آخرون أن تجاهل المعارضة في هذه المرحلة الحرجة قد يقوّض شرعية الحكومة ويُضعف قدرتها على التصدي للتحديات الأمنية والاقتصادية.

أما المعارضة، فقد عبّرت عن رفضها القاطع لأي صيغة مفروضة من جانب واحد، مشددة على أن "أي حوار حقيقي يجب أن ينطلق أولًا من مراجعة نتائج الانتخابات التي شابتها خروقات"، حسبما صرّح أحد قادة المعارضة لصحيفة "أفريكسوار" (Afriksoir).

يعاني شرق الكونغو الديمقراطية من انتشار الجماعات المسلحة المتمردة (رويترز) الشرق على شفا الانفجار

تعاني المناطق الشرقية، ولا سيما إقليمي إيتوري وكيفو، من تدهور أمني مستمر مع نشاط أكثر من 120 جماعة مسلحة، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتخشى منظمات حقوق الإنسان أن يسفر ظهور لوبانغا مجددًا عن إحياء موجات العنف الإثني، خاصةً أنه يحظى بدعم بعض المجموعات المحلية.

ويرى محللون أن ضعف الحكومة المركزية وتأخر تشكيل حكومة جديدة يفتحان الباب أمام عودة المزيد من المتمردين إلى الساحة، في ظل غياب خطة شاملة لنزع السلاح وإعادة الإدماج.

في ضوء هذه المعطيات المعقدة، تبدو جمهورية الكونغو الديمقراطية أمام مفترق طرق حاسم. فبين أزمة سياسية داخلية لم تُحسم بعد، وتطورات أمنية تنذر بالخطر في الشرق، يزداد الضغط على الرئيس تشيسيكيدي لاتخاذ خطوات حاسمة، سواء من خلال إطلاق حوار سياسي شامل أو بإعادة صياغة إستراتيجية الأمن والمصالحة الوطنية.

مقالات مشابهة

  • ترامب يعلن عن نسب الرسوم التي سيفرضها على دول العربية منها الجزائر
  • ميلوني تحذر: الرسوم الأمريكية تهدد الاقتصاد الأوروبي وتُضعف الغرب
  • «أطباء بلا حدود»: تصاعد العنف في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يعيق تقديم الرعاية الطبية
  • بوقعيقيص: نحن مخدوعون بديمقراطية الغرب
  • متمرد جديد بالكونغو الديمقراطية وخلافات تعرقل تشكيل حكومة موسعة
  • هل إيران في مسار تصادمي مع الغرب؟
  • ماذا يريد الغرب وكياناتنا القُطْرِيَّةُ؟
  • الخرطوم هي العاصمة العربية التي هزمت أعتى مؤامرة
  • يستهلكها الكثير يومياً.. ثلاثة أطعمة شائعة قد تسبب السرطان
  • من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية