غياب الثقافة الانسانية في السياسة العراقية
تاريخ النشر: 16th, April 2024 GMT
آخر تحديث: 16 أبريل 2024 - 9:40 صبقلم:عبد الخالق الفلاح السياسيون في العراق اليوم في أمس الحاجة الى قراءة للثقافة السياسية وتطابقها مع الحالة الانسانية في ادارة العملية بالصورة الصحيحة لأن الثقافة السياسية تتحكم في جميع مفاصل الحياة في الدولة ، والبحث في السياسة، وتحليل أحداثها،( بالمناسبة هذه الحالة لا تنعكس على الكل إنما على الاغلبية السياسية ) من الأمور المهمة التي تبني شخصية السياسي ولايمكن تجاوزها، فلذلك تتطلب أولا، الإلمام بما هي اللعبة السياسية ومعرفة دهاليزها المعتمة، والدلالات والتعابير السياسية الحديثة، واستخدامها في حل للكثير من الصراعات والأزمات، وجدليات السياسية، التي تعطي مجالا اوسع، لاستخدام اوسع للرموز وأكثر فهم المعنى والدلالات ، في تمرير وتغطية الكثير من الغموض، والالتباسات، في دهاليز وأروقة الحروب، والنزاعات، والمؤامرات و في كشف أساليب القمع،والتجريح والتسقيط ، والغبن السياسي.
لابد ان نعرف ان القراءة المنتجة هي التي تساهم في بناء الإنسان، بأهميته الوجودية وإمكاناته ودوره في التغيير، وبضرورة أن تخلق فرداً منتجاً مبدعاً ولا يكون إمّعة “الرجل الذي يقول لأي أحد أنا معك” دوما في دنيا الناس و تثقف المواطن بضرورة نبذ الأفكار الإرهابية الرسمية وغير الرسمية، والوقوف ضد التطرف الطائفي والعرقي والمذهبي، والتكاتف مع المظلومين والضعفاء وعدم انطلاء الأكاذيب السياسية على المواطنين التي ستقود إلى مزيد من الخراب والدم. ولاشك من قراءة تاريخ ما بعد عام 2003بفطنة لنجد ان كثيرا من الإرهاصات موجودة، وأن النار لا تزال تحت الرماد ولو طبقوا الجزء اليسير من ثقافة السياسية لاستطاعوا حل الكثير من المشكلات والعقد وتجاوز الكثير من السلبيات التي يمر بها بلدهم، وهم مدعوون اليوم لدراسته بحس وطني وديني كي يعبروا بالعراق نحو الأمن والازدهار والاستقرار . ولكن ان العديد من السیاسیین و الذين أطلق عليهم زورا وبهتانا هذا الوصف لا يعرفون التعامل مع شعبهم وتطغى عليهم روح السلطة والتعالي والفساد ولا يعرفون إلا سبيل التهديد والارهاب لإسكات أفواه أصحاب الحق ،هؤلاء هم أخطر أضعافا مضاعفة من كل عدو حين يبرزون استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية الخاصة بهم بعيدا عن الأطر الحضارية الانسانية التي تعتمد على القيم الثقافية الصحيحة . ووصل الحد بالبعض إلى التآمر لقتل رفاقهم وإخونهم و على كل ما ومن هو شريف بناءاً على حسابات القوة والسلطة والمصلحة التي تحميهم و عدم خضوع الطرف الآخر للواقع الذي هم فيه بعيدا عن مقاييس الشرف والثقافة السياسية التي تهتم بطبيعة العلاقة بين الأفراد من ناحية القيم والمعايير السلوكية مع السلطة السياسيّة في مجتمع ما، كما يمكن تعريف الثقافة السياسيّة بأنها جُملة من المعارف الخلقية والآراء والاتجاهات السائدة نحو شئون الادارة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة. وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم. معنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية، وينقل كل مجتمع مجموعة رموزه وقيمه وأعرافها الأساسية إلى أفراد شعبه، ويشكل الأفراد مجموعة من القناعات بخصوص أدوار النظام السياسي بشتى مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، وحقوقهم وواجباتهم نحو ذلك النظام السياسي. ولما كانت الثقافة السياسية للمجتمع جزءاً من ثقافته العامة، وتشمل مجموعة من الثقافات الفرعية واهمها اختيار النخبة الحاكمة، باشتراك المواطنين متمثلة من طبقات الشعب والثقافة السياسية هي مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تعطی نظاماً ومعنى للعملية السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التي تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسي، وبذلك فهي تنصب على المثل والمعايير السياسية التي يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسي، والتي تحدد الإطار الذي يحدث التصرف في نطاقه والثقافية السياسية لا تعرف الثبات المطلق، ويتوقف حجم ومدى التغير على عدة عوامل من بينها مدى ومعدل التغير في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ودرجة اهتمام النخبة الحاكمة بقضية التغير الثقافي، وحجم الاهتمام الذي توليه تخصصات الدولة لإحداث هذا التغيير في ثقافة المجتمع، ومدى رسوخ هذه القيم في نفوس الأفراد والتعامل معهم .والتي يفتقر أكثر السياسيين اليوم لها. لكن من الذي يستطيع استخدام العقل والفكر السياسي الذي يركز على التنمية والتطور غير الملم بالفكر السياسي البنوي لا الذي يهدم ويكون لديه الوقت ليفكر في إرباك العملية السياسية المريضة وهذا ما شهدنا منذ سقوط النظام البائد للبعث ، ان العمل الجماعي ً من أجل قراءة صحيحة مليئة بقيم الحب والتكاتف والسلام والعطاء والتوقف بوجه الأفكار المليئة بالكراهية والتناحر والحروب والتدمير، هي التي في حينها يمكن أن نجعل من القراءة اللبنة الأساسية لإعادة بناء العراق بكسر معاول التهديم التي لازالة تنخر بعصب المجتمع ، و بأقلام وأيدي وعقول متجردة خبيثة واقفة ضد دعاة القراءة الصحيحة للسياسة في زمن الحقد والدمار والجهل.
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: الثقافة السیاسیة الثقافة السیاسی
إقرأ أيضاً:
السياسة.. فن إدارة التوقيت والتقاط الإشارات
أنجبت الثورات جيلا من السياسيين يمكن أن نطلق عليهم "ساسة الضرورة"، فهم لم يختاروا السياسة، بل وجدوها قد اختارتهم في لحظة فارقة. هؤلاء عاشوا في ظلال أنظمة أغلقت الأبواب والنوافذ، فلم يختبروا العمل السياسي، ناهيك عن دراسته أو إتقانه.. والنتيجة؟ قرارات متعثرة، ومواقف متخبطة، وأخطاء تثير الدهشة أحيانا والابتسامة أحيانا أخرى. ومع ذلك، لا لوم عليهم، فقد أُلقي بهم في معترك السياسة دون بوصلة. لكن حان الوقت ليضعوا المرآة أمام أنفسهم، ويطرحوا السؤال الصعب: "كيف نصبح ساسة عن جدارة، لا عن ضرورة؟".
الجرأة ضرورة أحيانا
هناك مواقف يكون فيها الصمت بمثابة تواطؤ، والتردد ضعفا، مما يجعل الجرأة ضرورة لا خيارا. عندما يكون هناك تهديد مباشر للحياة أو الحقوق الأساسية، لا يمكن للسياسي أن يقف متفرجا. اتخاذ موقف واضح في هذه الحالات ليس مجرد قرار سياسي، بل واجب أخلاقي. كذلك عندما يكون هناك زخم شعبي أو سياسي داعم، يصبح اتخاذ موقف جريء أكثر فاعلية. السياسي الذكي لا يعاند الواقع، لكنه يعرف متى يستغل اللحظة ليحقق أكبر تأثير ممكن.
المصداقية واتخاذ القرار الجريء
المصداقية تلعب دورا حاسما في تحديد الحاجة إلى الجرأة، السياسي الذي يبني صورته على المبادئ الواضحة يجب أن يكون مستعدا للدفاع عنها، لأن التراجع عن موقف أساسي قد يكلفه أكثر مما يكلفه اتخاذه. ومع ذلك، الجرأة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون مدعومة برؤية وخطة واضحة للتعامل مع تداعياتها. السياسي الناجح لا يقفز في المجهول، بل يتحرك وفق استراتيجية محسوبة. كما أن هناك لحظات مفصلية لا تتكرر، وإذا لم يستغلها السياسي، فقد يفقد فرصة تغيير مسار الأحداث إلى الأبد.
متى يكون الانتظار أكثر حكمة؟
هناك حالات يكون فيها الانتظار أو العمل بصمت أكثر حكمة من المواجهة المباشرة. أحيانا تكون الظروف غير ناضجة لاتخاذ موقف، والتحرك في توقيت خاطئ قد يؤدي إلى فشل محقق. في أوقات أخرى، يكون رد الفعل المتوقع لموقف جريء أسوأ من الفعل نفسه، مما يجعل الانتظار حتى تهدأ الأوضاع خيارا أكثر ذكاء. لا يعني ذلك التراجع عن المبادئ، بل اختيار اللحظة المناسبة للدفاع عنها بأقصى قدر من الفاعلية.
خطورة الانسياق وراء العاطفة
من أكبر المخاطر التي يقع فيها السياسي هي التحرك وفق العاطفة مع محاولة خداع النفس بأن القرار مبني على تحليل سياسي عقلاني. كثير من السياسيين يقعون في هذا الفخ، حيث تدفعهم مشاعر الغضب، أو التعاطف، أو حتى الإحساس بالذنب إلى اتخاذ مواقف متسرعة، ثم يحاولون لاحقا تقديم تبريرات عقلانية لها. المشكلة هنا أن التبرير لا يحول القرار العاطفي إلى قرار سياسي حكيم، بل يجعله أكثر خطورة، لأنه قد يمنح صاحبه شعورا زائفا بالصواب، ويمنعه من التراجع حتى عندما تصبح العواقب واضحة. السياسي الناضج هو من يدرك هذه الفخاخ النفسية ويتعلم كيف يميز بين التحليل الموضوعي والرغبة في الدفاع عن النفس أو إثبات صحة موقفه بأي ثمن.
الفرق بين السياسي والناشط الاحتجاجي
وهنا يجب التفريق بين الناشط الاحتجاجي والسياسي المسؤول. الناشط الاحتجاجي يتحرك وفق منطق التصعيد المستمر، حيث يمارس الرفض والمشاغبة على مدار الساعة لتجييش الرأي العام حول قضيته، وهو يرى أن مهمته الأساسية هي إحداث أكبر قدر من الضجيج والضغط دون اعتبار للتوقيت أو العواقب. أما السياسي، فيعمل وفق رؤية واستراتيجية لتحقيق أهداف سياسية تخدم الصالح العام، وليس مجرد تسجيل المواقف أو تأجيج المشاعر. السياسي الحقيقي لا يمارس السياسة وكأنها شجار في المقاهي والأحياء الشعبية، بل يتعامل معها كفن إدارة الصراعات وتحقيق المكاسب الواقعية للمجتمع، لديه مسؤولية أخلاقية تجاه الناس، فهو لا يخدعهم بشعارات رنانة ولا يورطهم في معارك خاسرة، بل يسعى إلى تحقيق التغيير الحقيقي الذي ينعكس على حياتهم بشكل إيجابي ومستدام.
اختيار المعارك بذكاء
السياسي الناجح هو أيضا من يختار معاركه بعناية، ويعرف خصومه جيدا وقادر على فرزهم وتصنيفهم بدقة وفق مستوى التنافر والخصومة. ليس كل الخصوم يشكلون تهديدا، ولا يتساوون في درجة العداء. بعض المواقف قد تكون اضطرارية وليست اختيارية، وأحيانا تكون نوعا من المناورة وليست تعبيرا عن قناعة راسخة. لذلك، لا يمكن الحكم على خصم أو منافس بناء على موقف واحد، بل يجب قراءة مواقفه في ضوء مدى زمني ممتد يسمح بفهم توجهاته الحقيقية. من الخطأ أن يخوض السياسي كل المعارك مع كل الخصوم على مدار الساعة بنفس الحماسة والأهمية، لأن ذلك يؤدي إلى استنزاف طاقته وتبديد موارده في صراعات قد لا تستحق المواجهة.
السياسة فن تقدير الأولويات
السياسي الناجح ليس من يختار دائما الجرأة، ولا من يفضل دائما الانتظار، بل هو من يعرف متى يستخدم كل منهما في الوقت المناسب. ليست كل مواجهة بطولة، وليست كل مهادنة ضعفا. والفرق بين القائد الحقيقي والسياسي العابر هو القدرة على قراءة اللحظة السياسية بدقة، واتخاذ القرار الذي يخدم المصلحة العامة بأقصى قدر من الفاعلية. في النهاية، السياسة ليست مجرد لعبة مواقف، بل فن تقدير الأولويات، والنجاح فيها لا يكون لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يتحرك بكل قوته ليغير مسار الأحداث.
ختاما: السياسة ليست حلبة ملاكمة، وليست مسرحا للخطابات النارية، ولا جلسة فضفضة عاطفية، إنها فن إدارة التوقيت، والتقاط الإشارات، ومعرفة متى تتحرك، ومتى تتراجع، ومتى ترفع الصوت، ومتى تكتفي بنظرة ذات مغزى. السياسي الناجح ليس من يخوض كل المعارك، ولا من يختبئ في كل الأزمات، بل من يفهم أن بعض المواقف تحتاج إلى هدوء لاعب الشطرنج، بينما أخرى تتطلب اندفاع المحارب.
الذين يصرخون طوال الوقت ينتهون إلى أن لا أحد يسمعهم، والذين يلتزمون الصمت دائما يُنسون مع الزمن. النجاح ليس في أن تكون الأكثر شراسة، ولا في أن تكون الأكثر تحفظا، بل في أن تعرف متى تتحول من هذا إلى ذاك دون أن تفقد توازنك أو هويتك.