ثمة أربعة أوضاع مستجدة، وثلاثة أوضاع أخرى مستهدفة، يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتثبيتها على الأرض، قبل الإعلان عن وقف الحرب على قطاع غزة.

ربما لم يَحْظَ السؤال حول أوضاع اليوم السابق لانتهاء الحرب باهتمام كبير، كما حظي السؤال حول اليوم التالي للحرب؛ والذي يُركِّز على الترتيبات المتعلقة بمستقبل حكم قطاع غزة، ومحاولة إيجاد بدائل عن حكم حماس وقوى المقاومة.

وثمة تداخل بين ترتيبات اليوم السابق، وبين اليوم التالي للحرب، غير أن وضوح الصورة لإجراءات الاحتلال في اليوم السابق، هو أمر ضروري للعمل على قطع الطريق عليه لفرض أي تصورات متعلقة باليوم التالي.

أربعة أوضاع مستجدة

ففي ضوء فشل الكيان الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الأساسية المعلنة في حربه على قطاع غزة، بعد أكثر من ستة أشهر من العدوان، بما في ذلك القضاء على حماس، وتحرير أسراه، وضمان أمن مناطق غلاف غزة؛ وبالرغم من أنه سيضطر في النهاية للنزول عن السُّلَّم، إلا أنه سيقوم بنزول تدريجي، وسيسعى للحفاظ على بعض الدرجات، بحسب ما تتيحه قدرته على التحمُّل، وبحسب ما تتيحه موازين القوى والحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية المختلفة؛ واستخدام ذلك كأدوات تفاوضية في فرض رؤيته لمستقبل القطاع.

"الحقائق" التي شرع الاحتلال في فرضها على الأرض يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولًا: فصل شمال قطاع غزة عن وسطه وجنوبه، والسيطرة على مداخله، وشقّ طريق فاصل انتهى عمليًا من تنفيذه؛ وهو الطريق الذي يبدأ من شرق القطاع قرب معبر المنطار، القريب من منطقة غزة الصناعية، ويسير غربًا باتجاه شاطئ البحر قرب ميناء غزة سابقًا، ويسمى طريق 749، أو طريق عابر غزة. ثانيًا: منع عودة النازحين من شمال قطاع غزة إلى مساكنِهم، خدمة لمشروعه في التهجير، أو لاستخدام مسألة عودتهم كورقة ضغط على حماس والمقاومة. ثالثًا: السيطرة على شريط أمني داخل قطاع غزة بعرض كيلومتر تقريبًا شمال وشرق القطاع. رابعًا: التعاون مع الولايات المتحدة في إنشاء رصيف على ميناء غزة، للتّحكُّم في حركة استيراد البضائع ودخول المساعدات، وكذلك متطلبات الإعمار مستقبلًا؛ سعيًا للإشراف المباشر على احتياجات الناس اليومية، والتخلص من منظومة حماس، وإحلال عملاء أو وكلاء يقومون بهذه المهام وفق معاييره، بالإضافة إلى تيسير سبل تهجير الفلسطينيين عبر هذا الميناء.

والنقاط الأربعة السابقة نفذها أو قطع شوطًا في تنفيذها على الأرض.

ثلاثة أوضاع مستهدَفة

في الأيام القادمة، من المتوقّع أن يسعى الاحتلال لمسابقة الزمن لتحقيق ثلاثة أمور:

الأول: محاولة السيطرة على معبر رفح، ومحور فيلادلفيا الفاصل بين مصر وقطاع غزة؛ لإحكام الحصار على القطاع من الجهات كافة. الثاني: بذل جهود استثنائية؛ لمحاولة قتل واغتيال قيادات حماس في قطاع غزة، وتفكيك ما أمكن من البنية العسكرية لكتائب القسام وقوى المقاومة. الثالث: تشكيل منظومة محلية بديلة عن المنظومة التي تسيطر عليها حماس، من زعماء عشائر أو محسوبين على سلطة رام الله، لإدارة المناطق الواقعة تحت الاحتلال وفق معاييره وأهدافه، ولتجهيز البيئة لملء الفراغ الناتج عن إسقاط حماس وفق تصوره، لما بعد انتهاء الحرب.

وهذه أمور ما زالت بعيدة المنال، حيث تواجه حملته العسكرية على رفح (حتى قبل إطلاقها) مصاعب كبيرة، واعتراضات عالمية حتى من حلفائه الغربيين، كما أن احتمالات فشلها كبيرة.

كما أن فشله في الوصول إلى الهرم القيادي السياسي والعسكري لحماس طوال الستة أشهر الماضية، لا يعطي آمالًا حقيقية في تحقيق ما يريد. أما السعي لتشكيل منظومة القيادة البديلة، فقد قام الاحتلال بجهود كبيرة خصوصًا في شمال غزة، غير أنه فشل في ذلك، حيث رفض زعماء العشائر التعاون مع الاحتلال، حتى ولو في الإطار الإنساني المتعلق بتوزيع المساعدات. كما أن محاولات سلطة رام الله في تجهيز قوة شرطية في القطاع، قد باءت بالفشل أيضًا.

استثمار الأوراق في المفاوضات

إذا كانت الحرب قد دخلت "الوقت الضائع"، ولم يعد بإمكان الاحتلال تحقيق أهدافه الأساسية، وإذا كانت الحرب فقدت عمليًا جدواها ومبرراتها، مع تزايد العوامل الضاغطة لإنهاء الحرب، وتحوُّل الحرب إلى عبء على الاحتلال، الذي سيضطر عاجلًا أم آجلًا للتراجع وتغيير حساباته (كما ذكرنا في مقال سابق)، فإن العدو الإسرائيلي، سيلجأ إلى تراجعات مرحلية أو تكتيكية، باتجاه نهاية الحرب مستثمرًا "الحقائق" التي أنشأها على الأرض كعناصر ضغط تفاوضية؛ لتحقيق ما يرى أنه الحد الأدنى الذي قد يقبله، ويتلخص ذلك في ثلاث نقاط:

الأولى: تحقيق صفقة تبادل أسرى مناسبة، حيث سيستمر في السعي إلى ربط الصفقة بعقد هدنة، وليس بإنهاء الحرب؛ غير أنه سيرضخ في النهاية لشرط المقاومة في وقف الحرب، ما دام لم يتمكن من "تحريرهم". الثانية: ضمان ألا يشكل قطاع غزة مستقبلًا خطرًا أو مصدر تهديد للكيان الإسرائيلي. الثالثة: ألا تحكم حماس أو قوى المقاومة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب. وأن يوكل ذلك لسلطة فلسطينية مُعدَّلة حسب المعايير الإسرائيلية، وربما يسبق ذلك مرحلة انتقالية بوجود قوات عربية أو متعددة الجنسيات.

وبالرغم من أن سلطة رام الله أخذت تُكيّف نفسها وتُجهّز أوراق اعتمادها بما يتناسب مع المعايير الإسرائيلية الأميركية، من خلال استقالة حكومة اشتية وتشكيل حكومة محمد مصطفى، واتصالاتها الإقليمية والدولية، ومحاولة إحياء تشكيلاتها الأمنية والإدارية في القطاع؛ فإنه ما زال أمامها شوطٌ بعيد؛ نظرًا لقوة المقاومة، واتساع شعبيتها، في مقابل ضعف شعبية السلطة وقياداتها.

إدارة التدافع بين المقاومة والاحتلال

في المقابل، فإن الأداء المتميِّز للمقاومة، وفاعليتها الكبيرة على الأرض، واحتفاظها بمنظومة تحكّم وسيطرة واسعة في قطاع غزة، بما في ذلك مناطقه الشمالية؛ وكذلك، سرعة سيطرة المنظومات المدنية التابعة للمقاومة على المناطق التي ينسحب منها الاحتلال، والمباشرة الفعالة في إدارة شؤون الناس، وثقة الجماهير بها؛ كل ذلك يعطي أوراق قوة للمقاومة في اليوم السابق لإنهاء الحرب.

وبشكل عام، فإن قدرةَ المقاومة على الاستمرار وأداءَها العسكري القوي، سيكون ذلك العامل الأكثر أهمية في إضعاف وإفشال "الحقائق" التي يسعى الاحتلال لإيجادها على الأرض؛ كما أن التفاف الحاضنة الشعبية حول المقاومة، سيكون عاملًا حاسمًا في قطع الطريق على أي تصورات يسعى العدو لفرضها على قطاع غزة.

لذلك، على المقاومة أن تتمسك بمطالبها، في الوقت الذي تدرك فيه أن العدوان دخل في "الوقت الضائع" وأنه يعيش أزماته، وأن التضحيات الهائلة التي بذلها القطاع يجب أن تُترجم من خلال وقف العدوان، والانسحاب الإسرائيلي الكامل غير المشروط، واحتفاظ المقاومة بسلاحها، وعودة النازحين، وفتح المعابر ودخول كافة الاحتياجات وإعادة الإعمار، وفي التأكيد على أن مستقبل قطاع غزة هو شأن فلسطيني داخلي، يقرره أبناء الشعب الفلسطيني وقواه الحيَّة الفاعلة على الأرض، وفق الثوابت والمصالح العليا للشعب الفلسطيني.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2024 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: ترجمات حريات الیوم السابق على الأرض قطاع غزة کما أن

إقرأ أيضاً:

ضمن سياسة تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وضغطًا على «حماس».. إسرائيل تمحو رفح من الخريطة وتحولها لمنطقة عازلة

البلاد – رام الله
يمضي الاحتلال الإسرائيلي في خطواته لابتلاع مزيد من أراضي قطاع غزة، إذ كشفت مصادر عبرية أن جيش الاحتلال يستعد لتحويل مدينة رفح والأحياء المحيطة بها إلى منطقة عازلة يُمنع السكان من العودة إليها، مع تسوية المباني بالأرض بالكامل، ما يعني فعليًا محو المدينة الفلسطينية من الوجود.
وتقع المنطقة التي تبلغ مساحتها 75 كيلومترًا مربعًا بين محوري فيلادلفيا وموراج، وكانت قبل الحرب موطنًا لحوالي 200 ألف فلسطيني. لكن العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة، خاصة بعد انتهاء وقف إطلاق النار الأخير، دفعت ما تبقى من السكان إلى النزوح قسرًا، بعد تلقيهم إنذارات بالإخلاء نحو مناطق تُوصف بـ “الإنسانية” في خان يونس والمواصي. وتشير شهادات ميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية دمّرت خلال الأسابيع الماضية أعدادًا كبيرة من المنازل والبنى التحتية، ما يجعل العودة شبه مستحيلة.

اللافت أن هذه هي المرة الأولى التي يتجه فيها الجيش الإسرائيلي إلى ضم مدينة فلسطينية كاملة إلى “المنطقة العازلة” التي بدأت تتشكل على طول حدود غزة منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023. وتشير مصادر أمنية إسرائيلية إلى أن القرار يستند إلى توجيهات سياسية عليا باستمرار الحرب، وتعزيز السيطرة على “مناطق واسعة” من القطاع، في محاولة لفرض واقع جديد يخدم مصالح الاحتلال ويقلّص قدرة الفصائل الفلسطينية خاصة حركة حماس على إعادة تنظيم صفوفها.
وبحسب تقارير استخباراتية أوردتها “هآرتس”، يعمل جيش الاحتلال على توسيع محور موراج وتدمير المباني المحيطة به، ليصل عرض المنطقة العازلة في بعض المواقع إلى أكثر من كيلومتر واحد. ويجري النظر في إبقاء رفح بأكملها منطقة محظورة على المدنيين، أو تدميرها بالكامل، في سيناريو يعكس ما جرى في مناطق واسعة من شمال القطاع.
ومع بداية الحرب في أكتوبر 2023، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن نيته إنشاء منطقة عازلة على طول حدود قطاع غزة من شأنها إبعاد التهديدات عن المستوطنات المحيطة إلى مسافة تتراوح بين 800 متر إلى 1.5 كيلومتر. هذه منطقة تبلغ مساحتها نحو 60 كيلومترا مربعا، أي أكثر من 16% من أراضي قطاع غزة، والتي كان يعيش فيها نحو ربع مليون غزي حتى السابع من أكتوبر. وكشف تقرير لمركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة، نُشر في أبريل من العام الماضي، أن نحو 90% من المباني في المنطقة العازلة قد دمرت أو تضررت.
هذا التوسع في رقعة المناطق العازلة يحمل تداعيات خطيرة، ليس فقط لكونه يبتلع نحو خمس مساحة القطاع عبر رفح وحدها، بل لأنه، مضافًا إلى المناطق المحيطة بمحوري موراج وفيلادلفيا، والمنطقة الشرقية القريبة من مستوطنات الغلاف، يضع إسرائيل فعليًا في موقع السيطرة على أكثر من نصف أراضي غزة.
النتيجة المباشرة لهذا المخطط هي تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويل القطاع إلى جزر معزولة أو “كنتونات” لا يمكن العيش فيها بكرامة. كما أن إغلاق رفح، بوصفها المعبر البري الوحيد مع مصر، يرسّخ خنق القطاع وحرمانه من أي أفق للتنفس.
في ظل صمت دولي مريب، تتواصل عملية محو رفح وتهجير سكانها، في خطوة يرى فيها محللون تصعيدًا غير مسبوق، يهدد مستقبل القطاع بكامله، ويقوّض أي إمكانية لحل سياسي عادل في الأفق.

مقالات مشابهة

  • قادة في جيش الاحتلال: القضاء على حماس يحتاج إلى سنوات
  • قادة بجيش الاحتلال: القضاء على حماس يحتاج إلى سنوات
  • الاحتلال الإسرائيلي يطلق سراح 80 أسيرًا من قطاع غزة
  • استمرار المجازر الإسرائيلية على غزة.. و"حماس" تدعو للضغط على الاحتلال
  • وزير الحرب الإسرائيلي يقول إن جيشه يقّطع أوصال غزة وينفذ مخطط التهجير
  • ضمن سياسة تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وضغطًا على «حماس».. إسرائيل تمحو رفح من الخريطة وتحولها لمنطقة عازلة
  • في عام ونصف.. تقرير: الاحتلال دمر 25% فقط من أنفاق المقاومة في قطاع غزة
  • الحرب الخفية في غزة: الحسابات على الأرض والحسابات الإقليمية
  • وزير الخارجية الإسرائيلي: الحرب ستتوقف إذا سلمت حماس سلاحها
  • 50.810 شهيدا حصيلة ضحايا القصف الإسرائيلي على القطاع