الرد الإيراني بين حسابات السياسة والأخلاق
تاريخ النشر: 14th, April 2024 GMT
يترقب العالم باهتمام شديد ردا إيرانيا على الغارة الجوية الإرهابية الإسرائيلية التي استهدفت، في فاتح أبريل، مبنى ملحقا بقنصليتها بجوار سفارتها في دمشق، وأسفرت عن قتل ستة عشر (16) شخصا، من بينهم العميد محمد رضا زاهد القائد في فيلق القدس وضباط آخرين في الحرس الثوري.
اعتادت إيران في مثل هذه الحالات المسارعة بإعلان أن الحادث لن يمر بدون رد وأنها تحتفظ لنفسها بتوقيت الرد ومكانه وشكله، وترفق ذلك في العادة، عبر "محللين" مقربين منها، بأنها لن تنجر إلى ساحة مواجهة ليست من اختيارها وبأنها تتمسك بسياسة الصبر الاستراتيجي.
تكررت الاعتداءات الإسرائيلية على إيران خارج أراضيها، كما تكررت الاعتداءات على "المحسوبين" على محورها مع تزامن التصريحات عن "وحدة الساحات" ومع الحرب على غزة وما تعانيه من هجوم إسرائيلي همجي بدعم أمريكي وغربي غير مسبوق تماهى فيه الغرب مع الكيان الصهيوني وعطل كل الآليات الأممية وأفرغها من جدوى وجودها، والأهم أن كل ما سبق أفرز دينامية عالمية مناصرة للمقاومة في فلسطين بما جعل القضية الفلسطينية تحتل واجهة الحدث وصدارة النشرات وقصاصات الوكالات، وكل ذلك رفع من انتظارات الشعوب، وخاصة العربية والإسلامية، من إيران.
المثير في الحادث الأخير لاستهداف القنصلية في دمشق أن حجم التصريحات الإيرانية كان كثيرا ومن مؤسسات وشخصيات من العيار الثقيل، وعلى رأسهم القائد علي خامنئي، وبلغات مختلفة، وضمنها العبرية، حيث دون خامنئي على حسابه على موقع إكس بالعبرية مباشرة بعد الحادث "بعون الله، سنجعل الصهاينة يأسفون على جريمتهم العدوانية ضد القنصلية الإيرانية في دمشق"، وهو ما أعطى لترقب الرد الإيراني مصداقية لأن المكانة الدينية والاعتبارية لخامنئي تعطي لكلامه جدية تبعده عن التهديد بدون فعل.
دوافع المترقبين للرد الإيراني متعددة ولا يمكن وضعهم في كفة واحدة، فهناك الطرف الصهيوني المنقسم على ذاته بين نتنياهو وأنصاره الذين يرغبون في التسريع بهذا الرد لأنه حبل إنقاذ له يجنبه المحاكمة لتي تنتظره ويعطل الانتخابات السابقة لأوانها التي صار المطالبون بها كثر ويطيل عمره السياسي بعد فشله في تحقيق أهدافه المعلنة من الحرب على غزة وتخوفه من دفع فاتورة الحساب أمام الإسرائيليين بعد أن تضع الحرب أوزارها ولا بد من ذلك بحكم أن الضربات الإسرائيلية لغزة صارت عشوائية ومكلفة للصهاينة وداعميهم على حد سواء، وبين تيارات أخرى في الداخل الإسرائيلي تتخوف من تبعات أي مواجهة مباشرة مع إيران يترتب عنها توسيع جبهة الحرب ودائرة التهديدات لأمنهم. هناك الإدارة الأمريكية التي تنتظرها استحقاقات انتخابية صعبة بعد خمسة أشهر، بالضبط في 5 نوفمبر، وهي كذلك تتخوف من توسيع رقعة الحرب والمستهدفين بها لأنها ترى نفسها معنية بها مباشرة ومستهدفة بها في مجال حيوي تحسبه دائما جزءا من أمنها القومي، ولذلك فهي تتعامل مع هذه التهديدات بجدية جعلتها تعزز قواتها في المنطقة وتكثف تصريحاتها بشأن أمن "إسرائيل" الذي تعتبره جزءا من أمنها؛ وهناك إعلام موالي لدول عربية ترى في إيران عدوا أبديا وترى الفرصة مناسبة لإضعافه ولذلك فهي تتعجل الرد الإيراني لأنها ترى فيه الشرارة الأولى لحرب موسعة ودائمة على إيران ستزيد من إضعافها إقليميا وقد تفتتها من الداخل. لذلك ليس مستغربا هذا الاهتمام المبالغ فيه لهذا الإعلام الذي ينشط في تحليل هذا الموضوع الذي جعله أول أولوياته وأفرز له منذ اندلاعه مساحات واسعة من زمن البث، وهناك طبعا فئات واسعة من المواطنين العرب والمسلمين تنتظر بعواطفها ردا إيرانيا يكون بمثابة إعلان حرب على الكيان الصهيوني ينفس من مأساة الشعب الفلسطيني ويسند المقاومة.
هل يمكن لكل هذه الدوافع أن تؤثر في القرار الإيراني؟ وهل يمكن لهذا الضغط أن يسرع ردها؟ وهل هناك سوابق في هذا الباب؟
كل السوابق تؤكد أن قوة إيران تكمن في تجنب المواجهة المباشرة وإتقانها لتوظيف حلفائها في المنطقة لتخفيف الضغط عنها وإشغال أعدائها. كل السوابق تؤكد كذلك أن إيران تتجنب الأراضي الإيرانية كساحة مواجهة. فهل ستكون الآن في حالة استثناء؟ أم ستدشن قواعد اشتباك جديدة تلغي ما كان متوافقا عليه مع أعدائها، ولو بشكل ضمني؟لا يشكك في مساندة إيران لقوى المقاومة في فلسطين وغيرها إلا من لا دراية له بالواقع لأن الأيدي البيضاء للثورة الإيرانية ودولتها على فلسطين لا يمكن إنكارها، وشهادة كل فصائل المقاومة، باختلاف توجهاتها، تؤكد ذلك، ولكن إيران تدعم المقاومة بالشكل الذي تراه هي وبالحجم الذي تقدره هي وبما يخدم مصالحها، أو لنقل إن أردنا التدقيق أكثر بما لا يلحق بها ضررا مباشرا أكبر من المكاسب التي يمكن أن تجنيها من دعمها للمقاومة. الدعم الإيراني للمقاومة مشروط دائما باعتبارات سياسية وعسكرية وزمنية ومكانية، ولا يخفى على متابع الطريقة التمييزية التي انتهجتها في التعامل مع حماس بعد موقفها من الثورة السورية عام 2011 حيث قطعت الدعم عن الجناح السياسي وأبقته للجناح العسكري.
لا يمكن لوم إيران بهذا الخصوص لأن لكل طرف حساباته، بل يحسب لها أنها، طيلة الأربعة عقود السابقة، كانت صاحبة حسابات دقيقة وتوقعات غير خاطئة ومقاربات ضمنت لها الاستمرار رغم كثرة الأعداء ووحشية وسائل المواجهة والاستهداف المتنوع وغير المتوقف لها في الداخل والخارج. وطبعا لا يمكن التغاضي أنه في بعض الأحيان كانت رهانات إيران السياسية متعارضة مع مبادئها الاخلاقية وشعاراتها الثورية كما كان الشأن في سوريا التي تدخلت في شؤونها الداخلية وعارضت خيارا شعبيا بدعاوي لا يمكن تقبلها.
كل السوابق تؤكد أن قوة إيران تكمن في تجنب المواجهة المباشرة وإتقانها لتوظيف حلفائها في المنطقة لتخفيف الضغط عنها وإشغال أعدائها. كل السوابق تؤكد كذلك أن إيران تتجنب الأراضي الإيرانية كساحة مواجهة. فهل ستكون الآن في حالة استثناء؟ أم ستدشن قواعد اشتباك جديدة تلغي ما كان متوافقا عليه مع أعدائها، ولو بشكل ضمني؟
نتذكر جميعا شهر يناير من سنة 2020 حين استهدف قاسم سليماني في غارة أمريكية قرب مطار بغداد أدت إلى مقتله بأمر من الرئيس الأمريكي ترامب، ونتذكر بالتزامن مع ذلك التهديدات الإيرانية بالرد. لم يتأخر الرد الإيراني حينها، كان الوقت الفاصل ستة أيام، حيث تم استهداف قاعدتين عراقيتين بهما قوات أمريكية، ولكنه لم يسفر عن أي خسائر بشرية، وهو ما أثار حينها أكثر من علامة استفهام حول جدية الرد ومدى تناسب رد الفعل مع الفعل الذي كان ذا ثمن باهظ لأنه كان روح سليماني قائد لواء القدس، وحول قدرات إيران ومدى توفرها على المعلومات والقوة اللازمة لتوجيه ضربات موجعة للقوات الأمريكية كما وعدت وكما تستحق.
كان لزاما انتظار أزيد من أربع سنوات ليصرح الرئيس السابق ترامب على قناة فوكس نيوز تصريحه الشهير، في سياق نقدي لإدارة بايدن التي لم تعد تحظى بالاحترام اللازم لأمريكا كما كانت في عهده، بأن الإيرانيين اتصلوا به لإخباره بأن الأمريكيين لن يتعرضوا للاستهداف وأنهم سيخطئون أهدافهم عمدا. وهذا نص تصريحه "لقد كانت إيران تحت السيطرة. هل تعلم أننا ضربناهم بشدة بسبب شيء فعلوه، وكان عليهم الرد، ويشعرون أن عليهم القيام بذلك وأنا أتفهم ذلك. هل تعلم، لقد اتصلوا بي ليخبروني سنضرب موقعا معينا لكننا لن نصيبه، سيكون خارج المحيط... لقد أبلغونا بذلك، وكنا نعلم أنهم لن يضربونا. والآن كشفت ذلك. لقد وجهوا تلك الصواريخ وقالوا من فضلكم لا تهاجمونا، لن نضربكم. كان هذا احتراما، كان لدينا الاحترام". هل كان ترامب صادقا؟ هل كان مدلسا؟
قد يكون ترامب مبالغا أو حتى كاذبا، وهذا ما عبر عنه الرد الإيراني على لسان علي شمخاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني السابق، في تغريدة على حسابه في منصة إكس "اتصال إيران مع أمريكا قبل الهجوم الصاروخي على عين الأسد محض كذب، ولكن الجهة التي ردت على ترامب ومفردات الرد والأثر المحدود للعملية الإيرانية حينها وعدم تكرارها دليل على أن لا دخان بدون نار، وأن إيران تتفادى المواجهة المباشرة وتتجنب التصعيد، وإن كانت ملزمة بالرد فهي تختار ردا في الحد الأدنى الذي يحفظ لها ماء الوجه أمام الأنصار بينما ترد بشكل أقوى بطريقة غير مباشرة عن طريق قوى أخرى.
طبيعة عملية دمشق وتوقيتها وصدورها عن الكيان الصهيوني في ذروة الحرب على غزة ضاعفت الحرج على إيران التي لم تتفاعل بالشكل المطلوب مع ما تستوجبه هذه اللحظة وهي من أبدعت وحدة الساحات، وهي اليوم في موقع حرج جدا يفرض عليها الرد حفاظا على ماء الوجه، ولكن مع استحضار كلفة الرد وتبعات المواجهة المباشرة والتحذيرات الغربية وتوقع العقوبات الاقتصادية الإضافية واستحضار انعكاسات ذلك على الداخل الإيراني الذي لا شك بأنه ليس كله مع هذه الخيارات وغير مستعد لتحمل كلفتها ولم تعد شعارات الثورة وتحصين أفكار الثورة كافية مع وجود أجيال من الشباب لم تعش أحداثها.
إيران اليوم بين حسابات السياسة التي تفرض عليها الأخذ بعين الاعتبار كل الإكراهات التي تضطرها لتجنب الرد أو جعله في الحد الأدنى الرمزي وبين حسابات الأخلاق التي تجبرها أمام جمهور واسع مساند للمقاومة ينتظر منها ردا في مستوى ما تتطلبه اللحظة ووحشية الكيان الصهيوني والصمود الأسطوري للمقاومة في غزة. والأهم أن عنصر المباغتة، وهو الأهم في الرد كله، صار مفقودا بحكم حالة الترقب واليقظة التي يعرفها من يستشعر أنه معني بالرد.
فهل ستغلب إيران حسابات السياسة أم الأخلاق؟ وهل سيتفهم الجمهور الاعتبارات السياسية لحدود الرد الإيراني أم سيغلب العاطفة؟ وهل سيتفهم الغرب والكيان الصهيوني ردا محدودا ويتجاوز الأمر كما كان في استهداف قاعدة عين الأسد وقاعدة أربيل في العراق؟
في كل الأحوال تبقى هذه هي العوامل التي ستتحكم في توقيت الرد ومكانه وحجمه وحدوده والمستهدف منه.. الأهم أن الخاسر الأكبر في كل هذه الأحداث هو الدول العربية التي استثمرت في القرب من الصهاينة ظنا منها أنها قوة حامية لهم من "الخطر" الإيراني فإذا بهم يكتشفون أنها ورطة وأن إيران أقوى مما كانت عليه وأن أمريكا لن تضحي بحرب مباشرة معها لحسابهم، بل قد تفضل تقاربا معها على حسابهم كما كان في عهد الديمقراطي أوباما أستاذ بايدن.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الإسرائيلية إيران هجوم إيران هجوم إسرائيل رأي مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المواجهة المباشرة الکیان الصهیونی الرد الإیرانی أن إیران لا یمکن کما کان ما کان
إقرأ أيضاً:
عيد الفطر في مصر.. بين طقوس الاحتفال ومعادلات السياسة والمجتمع
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
يُعدّ العيد ظاهرة اجتماعية متجذرة في الوجدان المصري، حيث يمثل مساحة زمنية خاصة تحتفي فيها المجتمعات بالتواصل والتكافل وإعادة إحياء الروابط العائلية. في مصر، يأخذ عيد الفطر طابعًا احتفاليًا مشتركًا بين جميع الطبقات الاجتماعية، لكنه يعكس أيضًا الفوارق الطبقية من خلال أنماط الاحتفال المختلفة. فعلى الرغم من أن جميع المصريين يشاركون في الطقوس الأساسية مثل صلاة العيد، وتوزيع العيديات، وتحضير الكعك، إلا أن قدرة الأفراد على الإنفاق والاستمتاع بالعطلة تختلف باختلاف أوضاعهم الاقتصادية. وكما يوضح عالم الاجتماع بيير بورديو في تحليله للتمييز الاجتماعي، فإن الطقوس والعادات التي تبدو موحدة غالبًا ما تحمل في طياتها انعكاسًا للبنية الطبقية، حيث يعبر كل فرد عن هويته الاقتصادية والاجتماعية من خلال أسلوب الاحتفال بالعيد.
العيد ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو مساحة زمنية لتعزيز التلاحم الاجتماعي. فمنذ العصور الإسلامية المبكرة، وحتى يومنا هذا، يشكل العيد فرصة استثنائية للتواصل العائلي، حيث تكثر الزيارات بين الأقارب، وتجتمع العائلات حول موائد الطعام في أجواء ودية. ووفقًا لما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته، فإن المناسبات الاجتماعية الكبرى، مثل الأعياد، تسهم في تجديد روابط العصبية والتضامن بين الجماعات، حيث تخلق لحظات من التوافق والاحتفال الجماعي تُعيد إنتاج قيم المجتمع التقليدية (ابن خلدون، المقدمة، 1377م). وفي السياق المصري، يظل العيد وسيلة لإحياء الصلات العائلية حتى في ظل التفكك الذي تشهده بعض المجتمعات الحضرية الحديثة، حيث تصبح هذه المناسبات فرصة ضرورية لتعويض البعد الاجتماعي الناتج عن ضغوط الحياة المعاصرة.
شهدت الاحتفالات بالعيد في مصر تحولات اجتماعية كبيرة بين الماضي والحاضر، متأثرة بعوامل عدة، أبرزها التحضر والتغيرات الاقتصادية والتكنولوجيا. ففي الماضي، كانت الاحتفالات بالعيد تأخذ طابعًا أكثر تقليدية، حيث يخرج الجميع إلى المساجد والساحات الكبيرة لأداء الصلاة، ثم يتجمعون في البيوت لتناول الإفطار الجماعي وتوزيع العيديات. أما اليوم، فقد أصبحت المظاهر الاستهلاكية تهيمن على الاحتفال، حيث تحولت العيديات إلى تحويلات رقمية عبر التطبيقات البنكية، وبدأت العائلات في استبدال اللقاءات التقليدية بالخروج إلى المولات التجارية والمطاعم الفاخرة. ويرى عالم الاجتماع زيجمونت باومان أن هذه التغيرات تعكس ظاهرة "الحداثة السائلة"، حيث تتغير القيم والأنماط الاجتماعية بسرعة، مما يجعل العيد يتحول من مناسبة اجتماعية للتلاحم إلى موسم استهلاكي تُهيمن عليه الدعاية التجارية.
ورغم هذه التحولات، فإن بعض الطقوس العيدية التقليدية لا تزال صامدة، مما يعكس قدرة المجتمع المصري على الاحتفاظ بجذوره الثقافية مع التكيف مع المستجدات. فعلى سبيل المثال، لا يزال إعداد كعك العيد في المنازل طقسًا أساسيًا في كثير من العائلات، حتى مع انتشار المخابز التي توفره جاهزًا. كما أن ظاهرة توزيع العيديات للأطفال لا تزال مستمرة رغم تغير شكلها، مما يدل على أن العيد ليس مجرد مناسبة زمنية تتغير مع الزمن، بل هو جزء من "الذاكرة الجمعية"، وفقًا لما يصفه موريس هالبواكس، حيث يستمر المجتمع في إعادة إنتاج الطقوس والتقاليد بصيغ مختلفة ولكن بروحها الأصلية نفسها.
البعد التاريخي لاحتفالات العيد في مصراحتفلت مصر بعيد الفطر عبر العصور المختلفة بطقوس احتفالية مميزة، تتأثر بالسياقات السياسية والاجتماعية لكل عصر. في العصر الفاطمي (909-1171م)، اكتسب العيد طابعًا رسميًا وشعبيًا واسعًا، حيث كان الخليفة الفاطمي يخرج في موكب مهيب من قصره بالقاهرة إلى الجامع الأزهر أو جامع الحاكم بأمر الله، برفقة القضاة وكبار رجال الدولة، بينما تُوزَّع الهدايا والصلات على العامة. كما اهتم الفاطميون بإعداد موائد ضخمة وإضاءة الشوارع بالمشاعل والفوانيس، وهي طقوس تعكس سعي الدولة لتعزيز شعبيتها وسط الجماهير (المقريزي، "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين"). أما في العصر المملوكي (1250-1517م)، فقد استمر الاحتفال بعيد الفطر بأسلوب مشابه، حيث أقيمت الاحتفالات الكبرى في القلعة، وشهدت الميادين العامة سباقات الخيل والعروض العسكرية، ما يعكس التداخل بين الطابع الاحتفالي وإظهار القوة السياسية (ابن إياس، "بدائع الزهور في وقائع الدهور").
لعبت السلطات الحاكمة في مصر دورًا رئيسيًا في صناعة الطقوس الاحتفالية للعيد وتوظيفها سياسيًا، حيث استخدم الحكام هذه المناسبات لتقوية شرعيتهم والتقرب من الشعب. خلال العصر العثماني (1517-1798م)، حرص الولاة العثمانيون على تنظيم احتفالات رسمية تتخللها مواكب ضخمة تجوب شوارع القاهرة، حيث كان العيد فرصة لاستعراض قوة السلطة والتأكيد على استقرار الحكم. كما استُخدمت الأعياد لإصدار قرارات العفو عن بعض المساجين وتوزيع الرواتب الإضافية على الجنود، وهو نهج استمر حتى العصر الحديث، حيث درجت الأنظمة الحاكمة على استغلال العيد لتعزيز شعبيتها عبر تقديم الإعفاءات والعطايا الرمزية (الجبرتي، "عجائب الآثار في التراجم والأخبار").
برزت خلال هذه العصور بعض العادات التي صارت أيقونية في الاحتفال بعيد الفطر، مثل إعداد "كعك العيد"، وهو تقليد يعود إلى العصر الفاطمي، حيث كانت الدولة تشرف على توزيعه على العامة، وكانت تُنقش عليه عبارات مثل "كل واشكر". كما أن الخروج إلى الصلاة في الساحات العامة ظل سمة أساسية للعيد منذ العصر الإسلامي المبكر، لكنه اكتسب أبعادًا سياسية في بعض الفترات، إذ كانت ساحات العيد مكانًا لإظهار الولاء للحاكم عبر الخطابات الرسمية والمواكب الاحتفالية (المقريزي، "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"). أما إعطاء العيدية، فيعود أصلها إلى العصر المملوكي، حيث كان السلاطين يوزعون النقود والهدايا على الجنود وكبار المسؤولين، قبل أن تتحول العيدية إلى عادة اجتماعية متوارثة بين الأسر، تعبيرًا عن الفرح والتواصل بين الأجيال (ابن تغري بردي، "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة").
ومع دخول مصر العصر الحديث، شهدت احتفالات العيد تحولات كبيرة متأثرة بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. في عهد محمد علي باشا (1805-1848م)، أصبحت الاحتفالات أكثر تنظيمًا، مع إصدار قرارات خاصة بالعطلات الرسمية والمواكب السلطانية. ومع انتشار وسائل الإعلام في القرن العشرين، أصبح العيد مناسبة لترويج الخطابات السياسية، حيث استُخدمت الإذاعة والتلفزيون في بث خطب القادة وتحياتهم للمواطنين، كما ازدادت المظاهر التجارية المرتبطة بالعيد، مثل بيع الملابس الجديدة والحلويات، مما جعل العيد يتحول تدريجيًا من مناسبة دينية ذات طابع اجتماعي إلى موسم اقتصادي وثقافي واسع التأثير (رشيد، "التغيرات الاجتماعية في مصر الحديثة").
لطالما استغلت الأنظمة السياسية في مصر عيد الفطر لتعزيز شرعيتها أمام الشعب، حيث تحولت هذه المناسبة الدينية إلى فرصة لإظهار قرب السلطة من المواطنين وترسيخ مفهوم "الحاكم الأبوي". فمنذ العصر المملوكي، كان السلاطين يستغلون العيد لإقامة الاحتفالات الضخمة، والتي تضمنت توزيع الأموال والهدايا على العامة، في محاولة لضمان ولاء الشعب وإظهار سخاء الدولة (ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور). ومع دخول العصر الحديث، استخدمت الدولة العيد كأداة لخلق حالة من التوافق الوطني، فعلى سبيل المثال، كان الملك فؤاد والملك فاروق يحرصان على حضور صلاة العيد وسط الجماهير، والتقاط الصور أثناء توزيع العيديات على الأيتام، وهو نهج استمر لاحقًا مع الرؤساء المصريين في فترات الجمهورية (الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار).
من أبرز ممارسات الدولة في توظيف العيد سياسيًا تنظيم مواكب العيد الرسمية، والتي بدأت منذ العصور الفاطمية واستمرت بأشكال مختلفة حتى اليوم. في العصر العثماني، كان والي مصر يخرج في موكب رسمي بعد صلاة العيد، ترافقه شخصيات الدولة وأمراء الجيش، كإشارة إلى استقرار السلطة وإظهار قوتها أمام العامة (المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار). أما في العصر الحديث، فقد تحولت هذه المواكب إلى زيارات رسمية للمؤسسات الاجتماعية ودور الأيتام والمستشفيات، حيث يسعى القادة إلى تقديم أنفسهم على أنهم قريبون من الشعب، وهي ممارسة واضحة في احتفالات العيد التي تواكبها التغطية الإعلامية المكثفة.
كما يُعدّ الإفراج عن المساجين في العيد أحد أهم الإشارات الرمزية التي تستخدمها السلطة السياسية لإظهار التسامح والقوة في آنٍ واحد. هذه العادة ترجع جذورها إلى العصر الإسلامي المبكر، لكنها أصبحت ممارسة ثابتة في التاريخ المصري الحديث، حيث يصدر رئيس الجمهورية قرارات بالعفو عن بعض المسجونين بمناسبة العيد، خاصة في القضايا ذات الطابع غير السياسي. هذه الخطوة تُستخدم لتعزيز صورة النظام كجهة رحيمة، في محاولة لكسب تأييد فئات اجتماعية مختلفة (رشيد، السياسة والمجتمع في مصر الحديثة). إضافة إلى ذلك، فإن هذه القرارات غالبًا ما تُوظف سياسيًا، حيث تُستخدم لتهدئة الأوضاع الداخلية في فترات التوتر السياسي.
أما الإعلام الرسمي، فقد لعب دورًا محوريًا في إبراز صورة الحاكم القريب من الناس خلال العيد. فمنذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر، أصبحت التهاني الرئاسية وبث خطب العيد عبر الإذاعة والتلفزيون تقليدًا ثابتًا، حيث ظهر عبد الناصر أكثر من مرة وهو يؤدي صلاة العيد وسط المواطنين، في رسالة رمزية إلى بساطة الحاكم وانتمائه للشعب. استمر هذا النهج في عهد السادات ومبارك، حيث ركزت وسائل الإعلام على تصوير زيارات المسؤولين لدور الأيتام والمستشفيات، في محاولة لإظهار تلاحم الدولة مع الفئات الأكثر احتياجًا (حسين أمين، الإعلام والسلطة في مصر). وفي العصر الرقمي، باتت وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا في إعادة إنتاج هذه الصورة، من خلال نشر صور القادة وهم يؤدون صلاة العيد، أو يهنئون الشعب عبر المنصات الإلكترونية، مما يعكس استمرار استخدام العيد كأداة للترويج السياسي.
تختلف مظاهر الاحتفال بعيد الفطر في مصر بين الريف والحضر، حيث لا تزال القرى تحتفظ بالكثير من العادات التقليدية التي تراجعت في المدن الكبرى. في الريف، يستمر التركيز على التجمعات العائلية الممتدة، وصلاة العيد في الساحات المفتوحة، وتحضير الأطعمة المنزلية مثل الفطير والمخبوزات التقليدية، بينما في المدن أصبح العيد أكثر فردية واستهلاكية، حيث يفضل الكثيرون قضاء العطلة في المولات التجارية أو السفر إلى المنتجعات الساحلية (غالي، التغيرات الاجتماعية في مصر المعاصرة). كما أن الأعياد في الريف لا تزال تحمل بعدًا مجتمعيًا قويًا، حيث تكثر الزيارات بين الجيران، ويتمسك الأهالي بتقاليد مثل زيارة المقابر صباح العيد، وهي طقوس تراجعت في المدن مع تسارع نمط الحياة الحديثة.
أثرت العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ على شكل الاحتفال بالعيد في مصر، حيث تحولت بعض العادات التقليدية إلى ممارسات رقمية. على سبيل المثال، حلت التهاني الإلكترونية ورسائل "واتساب" و"فيسبوك" محل الزيارات العائلية التقليدية، وأصبح تقديم العيديات يتم أحيانًا عبر التحويلات البنكية أو التطبيقات المالية بدلًا من تبادل العملات الورقية، وهو ما يعكس تحول العيد إلى تجربة أكثر رقمية (Castells، The Rise of the Network Society، 1996). كما لعبت وسائل الإعلام الحديثة دورًا في تصدير أنماط احتفالية جديدة، مثل السفر للخارج خلال العيد، أو إقامة حفلات ضخمة للفنانين، مما أوجد فجوة بين الاحتفال التقليدي والممارسات العصرية التي باتت أكثر انتشارًا بين الطبقات الشابة والميسورة.
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تأثر الاحتفال بالعيد في مصر بشكل واضح، حيث أدى ارتفاع الأسعار إلى تقليص الإنفاق على الملابس الجديدة، والحلوى، والخروجات العائلية، وهو ما انعكس على طقوس العيد التقليدية. تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يشير إلى أن متوسط إنفاق الأسرة المصرية على الكعك وحلويات العيد انخفض بنسبة 30% في السنوات الأخيرة، بسبب ارتفاع تكلفة المواد الخام (التعبئة والإحصاء، تقرير 2024). كما أن ارتفاع أسعار وسائل الترفيه مثل السينما والملاهي جعل الكثير من الأسر تعتمد على الأنشطة الأقل تكلفة، مثل زيارة الحدائق العامة أو مشاهدة الأفلام في المنزل، مما غيّر شكل العيد خاصة لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة.
في السياق السياسي، أصبح العيد ساحة للجدل حول دور الدولة في دعم المواطن في ظل الأزمة الاقتصادية. فبينما تُعلن الحكومة عن إجراءات مثل زيادة المرتبات أو تقديم معونات محدودة في هذه الفترة، يرى البعض أنها محاولات رمزية لا تعالج المشكلات الهيكلية في الاقتصاد (المصري اليوم، تقرير اقتصادي 2024). كما أن هناك انتقادات متزايدة لغياب الفعاليات العامة التي كانت تُنظم سابقًا خلال العيد، مثل الحفلات المجانية أو العروض في الميادين الكبرى، حيث يُنظر إلى ذلك على أنه تراجع في دور الدولة في خلق مناخ احتفالي مشترك (الشروق، مقال رأي 2023). وبينما تستمر بعض الأسر في الاحتفال رغم الضغوط، فإن الطابع الاقتصادي والسياسي للعيد بات أكثر حضورًا في النقاشات العامة، مما يعكس كيف أن هذه المناسبة لم تعد مجرد تقليد ديني واجتماعي، بل صارت مرآة للتحولات العميقة التي تمر بها مصر.
على مدار التاريخ، لم يكن العيد مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل تحوّل في بعض الفترات إلى ساحة لإظهار الاحتجاجات والتعبير عن التحولات السياسية، خاصة بعد الثورات أو التغيرات الكبرى في الحكم. في مصر، شهد عيد الفطر بعد ثورة 1919 احتفالات ممزوجة بروح الثورة، حيث خرجت المسيرات الاحتفالية حاملة صور سعد زغلول والهتافات ضد الاحتلال البريطاني، ما جعل العيد يتجاوز كونه مناسبة دينية ليصبح لحظة وطنية جامعة (طه، الحركات الوطنية في مصر الحديثة). بعد ثورة 25 يناير 2011، أخذ العيد بعدًا سياسيًا جديدًا، حيث تحوّلت صلاة العيد في بعض الساحات إلى تجمعات سياسية، رُفعت فيها لافتات تطالب باستكمال الثورة، كما استخدمت بعض القوى السياسية العيد كفرصة لإعادة الحشد الجماهيري (السيد، الثورات العربية: ديناميات التغيير).
لطالما كان العيد موسمًا لعودة الخطابات الوطنية والدينية، حيث تستغل الأنظمة الحاكمة ورجال الدين هذه المناسبة لتوجيه رسائل ذات طابع سياسي أو اجتماعي. في العصور الإسلامية المبكرة، كانت خطب العيد تحمل مضامين تعبوية تدعو للجهاد أو الطاعة للحاكم (المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار). ومع تطور الدولة الحديثة، أصبح العيد فرصة لبث خطاب الوحدة الوطنية، ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، كانت خطب العيد تركز على القومية العربية والصراع مع إسرائيل، بينما استخدم الرئيس السادات خطب العيد للترويج لسياساته، خاصة بعد انتصار أكتوبر 1973 (هيكل، سنوات الغليان). حتى اليوم، تستمر هذه الممارسة، حيث يُستخدم العيد لتوجيه رسائل سياسية، سواء عبر الخطب الرسمية أو البرامج الإعلامية، لتعزيز صورة السلطة وتعميق الشعور بالانتماء الوطني.
من جهة أخرى، أدركت القوى السياسية أهمية العيد كوسيلة لتجييش الشارع سياسيًا، خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي استغلّت هذه المناسبة لحشد أنصارها وإظهار قوتها. ففي فترة حكم الجماعة لمصر (2012-2013)، نظّمت صلاة العيد في ميادين رئيسية مثل "رابعة العدوية"، حيث رُفعت شعارات دعم الرئيس محمد مرسي، ما أعطى العيد بُعدًا سياسيًا غير مسبوق (عز الدين، الإسلاميون والسلطة في مصر). كما استخدمت الأحزاب السياسية العيد لعقد لقاءات جماهيرية، أو تقديم مساعدات للأسر الفقيرة لتعزيز شعبيتها، وهي ممارسة استمرت حتى بعد سقوط حكم الإخوان، حيث لجأت الجماعة إلى استخدام العيد كفرصة لتنظيم تظاهرات صغيرة في بعض المناطق احتجاجًا على النظام الحاكم.
أما الأنظمة السياسية، فقد تعاملت مع هذه الظاهرة إما بالقمع أو الاحتواء، حيث شهدت بعض أعياد ما بعد الثورات تواجدًا أمنيًا مكثفًا لمنع أي تحركات احتجاجية. في عيد الفطر 2013، وبعد فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، حاول أنصار الإخوان استغلال صلاة العيد لإعادة التظاهر، ما أدى إلى مواجهات أمنية في بعض المحافظات (الأهرام، تقرير عيد الفطر 2013). على الجانب الآخر، استخدمت الدولة العيد لإعادة توجيه المشهد السياسي، عبر بثّ مشاهد الاحتفالات الرسمية، وتنظيم فعاليات وطنية تهدف إلى تعزيز سردية الاستقرار، وهو ما يعكس كيف أن العيد لم يعد مجرد طقس ديني، بل أداة ضمن توازنات القوى في المجال العام المصري.
مع تصاعد الأزمات الاقتصادية، باتت قدرة المصريين على الاحتفال بالعيد كما كان سابقًا تتعرض لتحديات متزايدة. فالارتفاع المستمر في الأسعار أدى إلى تراجع مظاهر البذخ التي كانت تميز العيد، مثل شراء الملابس الجديدة، وصناعة كعك العيد في المنازل، والتنزه العائلي في الأماكن العامة. وفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2024)، فإن نسبة الإنفاق الأسري على مستلزمات العيد تراجعت بنسبة 25% مقارنة بالسنوات الماضية، ما يعكس ضغوطًا اقتصادية متزايدة تدفع الأسر إلى تقليص احتفالاتها (التعبئة والإحصاء، تقرير 2024). هذا التحول الاقتصادي لا يؤثر فقط على العادات، بل أيضًا على الشعور العام ببهجة العيد، حيث بات يُنظر إليه لدى بعض الفئات كعبء مالي أكثر من كونه مناسبة احتفالية.
ورغم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، فإن بعض العادات الأصيلة لا تزال صامدة في مواجهة التحولات الحديثة، مما يطرح التساؤل حول ما إذا كان العيد يفقد معناه التقليدي أم يتطور بشكل مختلف. العيدية، صلاة العيد، وزيارات الأقارب لا تزال قائمة، حتى لو تغيرت أشكال ممارستها. على سبيل المثال، في ظل الغلاء، لجأت بعض الأسر إلى استبدال الكعك الفاخر بالحلويات البسيطة، أو تقليل قيمة العيديات للأطفال، لكن المبدأ ذاته لم يختفِ (الشافعي، التحولات الثقافية في المجتمع المصري). ورغم انخفاض عدد الزيارات العائلية بسبب تسارع نمط الحياة، فإن المصريين لا يزالون يحرصون على لمّ الشمل خلال العيد، وإن كان ذلك عبر مكالمات الفيديو أو الرسائل النصية، مما يعكس قدرة التقاليد على التكيف مع التغيرات.
لكن في المقابل، هناك مؤشرات على أن العيد أصبح يتحول تدريجيًا إلى "موسم اقتصادي" أكثر من كونه ظاهرة اجتماعية. فمع توسع ثقافة الاستهلاك، باتت الشركات تستغل العيد كفرصة لزيادة المبيعات، من خلال حملات إعلانية مكثفة، وعروض خاصة على الملابس والحلويات والترفيه. وأصبح التركيز على الجانب الاستهلاكي للعيد، مثل التسوق والسفر، أكثر وضوحًا في المدن الكبرى، حيث تنتعش الأسواق والمولات التجارية خلال الأيام السابقة للعيد، مما يجعل الاحتفال بالمناسبة مرتبطًا بالقدرة الشرائية أكثر من ارتباطه بالروح الاجتماعية والتقليدية للعيد (Castells، The Rise of the Network Society، 1996).
في هذا السياق، لعب الإعلام الجديد دورًا رئيسيًا في إعادة صياغة صورة العيد، وتحويله من مناسبة روحية واجتماعية إلى منتج استهلاكي. وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طريقة تفاعل الناس مع العيد، حيث أصبح التركيز على نشر صور الاحتفال أكثر من معايشته فعليًا. فبدلًا من التجمعات العائلية الكبيرة، بات البعض يهتم بإظهار تجربته الشخصية في العيد عبر "إنستغرام" و"فيسبوك"، مما يعزز النزعة الفردية في الاحتفال (المصري اليوم، تقرير 2023). كما أن انتشار الإعلانات الرقمية والمحتوى الترويجي جعل العيد يُختزل أحيانًا في صورة عروض تسوق وسفر، بدلًا من كونه فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية، مما يثير التساؤل حول مستقبل العيد في ظل هذه التغيرات.