موقع النيلين:
2025-02-27@22:15:46 GMT

المفسدون أقوياء … لأنهم لا ينامون

تاريخ النشر: 10th, April 2024 GMT


وما أن فرغنا من الحصة الأخيرة، حتى رمقني السيد “المدير” بنظرة حادة، كأنه يريد أن يبوح بسر أو يعلن أمراً، ثم توقف قليلاً وهو يتجول بنظره على فريق الأساتذة القدامى من حولنا، ثم عاد ليقول لي في عبارة قصيرة ولكنها صارمة: أنت يا فلان ستكون “ضابطاً” للداخلية هذا العام. وعقدت الدهشة لساني، ثم قلت له بعد فترة من الصمت: كيف أكون ضابطاً للداخلية ولم يمض علي في الخدمة سوى عام واحد، ولم أتعرف بعد على طبيعة العمل أو بيئته، وهؤلاء الأخوة جميعاً أكثر مني خبرة بشؤون الطالب وبإدارة الداخلية؟ أصغى السيدالمدير جيداً حتى حسبت أنه قد اقتنع باعتذاري، ولكنى فوجئت به يقول: يا أخي، دعني أقول لك بصراحة إن علاقاتنا الطويلة ببيئة العمل، و”خرمجتنا” مع هؤلاء وأولئك تجعلنا دائماً موضع اتهام، أما أنت فقادم جديد، ويمكنك أن تتابع القانون دون أن تشعر بحرج، فتوكل على الله وهذا أستاذ فلان سيساعدك إن احتجت إلى شيء.


نسيت أن أقول أن كلمة “مدير” هذه هي الكلمة الجديدة التي صارت ترمز منذئذٍ للسيد “ناظر” المدرسةالإبتدائية التي جئت لتوي للعمل بها. كان يكبرني بنحو من عشرين عاماً أو يزيد، إلا أنه كان رشيقاً في بدنه، أنيقاً في زيه، فناناً في الخط العربي، ويحب الفكاهة ولعب الكشتينة. كان الوقت مطلع السبعينات من القرن الماضي، وكانت ثورة مايو في عامها الأول، وكان الدكتور محي الدين صابر (رحمه الله) وزيراً للتربية وللتعليم، يقف على رأس “الثورة التعليمية”، يصدر قراراً تلو القرار: ضاعفوا المدارس، ضاعفوا القبول، أضيفوا فصلاً خامساً هنا، أدخلوا مادة التربية الوطنية هناك. كان الجو كله مشحوناً بالثورة، كنت تسمع وردى يغنى: أنت يا مايو الخلاص، يا جداراً من رصاص، وكنت ترى كتابة بالخطوط العريضة على حيطان المدارس: نميري/قذافي/ناصر، حرية/وحدة/اشتراكية، مكتوبة بخط أحمر قان، وكنت ترى الرئيس النميري ينزل من الطائرة قفزاً، لا ينتظر السلالم.
وقفت مع الواقفين في طابور طويل أمام مدرسة الخرطوم الثانوية القديمة، ولما جاء دوري سألني رئيس لجنة المعاينة: هل معك الشهادة السودانية؟ قلت له نعم، هل أنت مستعد للعمل في أي مكان خارج الخرطوم؟ قلت نعم، وانتهت “المعاينة”. (الحظ عبارة “أي مكان خارج الخرطوم”). ووجدت نفسي بعد أسبوع واحد في قطار الاثنين المتجه إلى الأبيض، إذ كانت قطارات الركاب ما زالت تعمل. ذهبت فوراً إلى معسكر التدريب المقام بالمدرسة الثانوية لبنات الأبيض. كانت الخطة هي أن عدداً من التربويين (الذين جيء بهم أيضاً على عجل) سيقومون باختصار نظريات التدريس والتربية وتدريبنا عليها في شهر واحد، يتم بعده توزيعنا على المدارس لنشرف على السّلم التعليمي الجديد. وقد وقع ذلك بالفعل، فصرت معلماً في شهر واحد، ثم تمت ترقيتي على يد الأستاذ “المدير” فصرت “ضابطاً” للداخلية في الشهور التي تلت ذلك، ألم أقل لك إننا كنا نعيش “ثورة تعليمية”؟
كانت المؤسسة التعليمية ترتكز على نظام الإعاشة الكاملة للتلاميذ، وكان نظام الإعاشة يرتكز على ثلاثة أركان: ضابط التعليم، ضابط الداخلية، المتعهد/المقاول. يطرح ضابط التعليم عطاء عاماً لتوريد مواد غذائية للمدارس التي يضمها مجلسه، يتقدم المقاولون بعطاءاتهم، ثم يوقع عقد مع صاحب العطاء الفائز يتعهد فيه توريد المواد المطلوبة وفقاً للأسعار التي اقترحها في عطائه. وإذا أنت تأملت هذه العملية على “الدفاتر الرسمية” لما راودك شك في قانونيتها وشفافيتها وعدالتها، أما إذا قدر لك أن تراها عارية على الأرض فستدرك أن الفرقبين “الدفاتر الرسمية” والحقيقة الأرضية كالفرق بين الليل والنهار.تقمصتني ذات يوم روح “الضابط”، فصرت أتجول على الناحية الخلفية من المدرسة، متفقداً أحوال الرعية التي صرت مسئولاً عنها رغم أنفى. رأيت أكواماً من حطب الحريق، فخطر لي أن أسأل “حميدان”، رئيس الطالب الذي كان يساعدني، ويتسلم المواد من المندوب المحلى للمتعهد: كم “قنطاراً” من الحطب تستخدمون في الإسبوع لأعداد الطعام؟ قال: ماذا تقصد بقنطار الحطب يا أستاذ؟ قلت ألا تزنون الحطب بالقنطار كما هو منصوص عليه؟ تبسم حميدان في أدب ثم قال لي: إن قريتنا هذه محاطة بالغابات، ومليئة بالحمير، والحطب عندنا لا يوزن يا أستاذ. راجعت قراءة “العقد” المبرم بيننا وبين المتعهد، فوجدت أننا نستلم “نظرياً” وبحسب نصوص العقد عدداً من “قناطير” الحطب في الأسبوع، وأن القيمة المنصوص عليها لقنطار الحطب تكاد تساوى قيمةالدقيق، إن لم تخني الذاكرة.
قلت لعل في الأمر سهو، ولكنه سهو أثار فضولي، فأخذت أراجع أسعار المواد الأخرى المقدمة لنا واحدة تلو الأخرى: الدقيق والبامية واللحم الطازج واللحم الجاف والبصل واللبن والصابون والجاز الأبيض، فوجدت عجباً، وجدت مثال أن “العقد” يتحدث عن دقيق الذرة، دون تحديد، مع أن أسعار الذرة تختلف باختلاف أنواعها، ووجدت أن المتعهد لا يورد إلا دقيق “الفتريتة”، والذي يقل سعره كثيراً عن الأنواع الأخرى من الدقيق، كما يقل كثيراً عن المبلغ الذي التزم به في العطاء. غير أن تصرفه هذا كان يعد سليماً من الناحية “القانونية” طالما أنه لا يمكن لأحد بالطبع أن ينكر أن الفتريتة نوع من الذرة. ثم وجدت العقد ينص على إيراد كذا كيلو من “اللحم الناشف” بينما يورد المتعهد كذا كيلو من اللحم الطازج، على ما بين الناشف والطازج من فروق كبيرة في الوزن والسعر.
قلت لحميدان: أي أنواع الدقيق تحبون؟ تبسم حميدان في أدب ثم قال لي: طبعاً “الدخن” يا أستاذ. فاتخذت قرارا بالأ نستلم من وكيل المتعهد إلا “دخنا”، طالما أن الدخن يمكن أن يعد أيضاً، وبحسب القانون، نوعاً من الذرة.ثم لاحظت بعد قليل أن الدقيق المقرر لإطعام عشرة تلاميذ مثال يكفي لإطعام عشرين حينما يتحول إلى عصيدة، مما يعنى أن لدينا فائضاً منه، فاتخذت قرار بتحويل قيمة الدقيق الفائض إلى بلح وحلوى، وفائض قيمة الحطب إلى لحم، وفائض البامية إلى صابون. فكان السيد “المدير” إذا ذهب يتجول في سوق القرية، سأله بعض آباء التلاميذ: ما بال أبنائنا في هذا العام يأتوننا بالبلح والحلوى وقد صارت لهم”كضيمات”؟ (يقصدون خدود ناعمة)، أما إذا سافر إلى المدينة في نهاية الشهر، سأله المتعهد في ثورة عارمة: من هذا “الحيوان” الجديد الذي جعلتموه ضابطاً للداخلية؟ والله لافعلن به كذا وكذا، ولأنقلنه إلى بلد طيره عجمي.
كنت أرى نفسي مصلحاً، وكنت أتوهم أن ضابط التعليم أقوى من المتعهد، وأنه سيقف معي إذا ساءت الأمور (لأنه يمثل الحكومة والثورة)، وأن أولياء أمور التلاميذ أقوى منهما معاً، وسيقفون معي لأنهم يمثلون ضمير الشعب، كنت أتوهم أنني في موقف قوى لأن القانون معي والشعب معي، ولكن لم يمر عام ثان إلا وجدت نفسي بالفعل على رأس قائمة المنقولين، نقلت إلى قرية نائية، طيرها عجمي، لا توجد بها عيادة ولا سوق ولا بئر، ولا يمكن الوصول إليها إلا على حمار. لقد أبر السيد المتعهد بقسمه، ولم يتدخل ضابط التعليم (وهو الذي يوقع على قوائم النقل بالنهار، ويتسامر مع المتعهد بالليل) ولم يحتج آباء التلاميذ، فالمتعهد في ذلك الزمان والمكان كان أقوى من الحكومة ومن الشعب. لقد شعرت، لا أخفى عليك، بغيظ داخلي لازمني طويلاً؛ ليس فقط لأني نقلت من قرية نائية إلي أخرى أشد نأياً، ولكن لأن المتعهد هذا يعد وجهاً من وجوه المدينة يتصدر المجالس، ويتبرع الأموال، ويشار إليه بالبنان.
كانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالانتصار والهزيمة معاً، ولكني تعلمت درساً لن أنساه: إن المفسدين أقوياء لأنهم لاينامون، ولا يعمل أحدهم منفرداً، وإنما يعمل من خلال شبكة أو شلة أو شركة يلبس انواع فاخرة من الثياب، ويكثر من الولائم، ويحتفظ بخطوط مفتوحة مع كبار المسئولين والقانونيين الإعلاميين. أما المصلحون فهم ضعاف لأنهم يعملون فرادى، وينامون مبكراً.
كنت ساذجاً قليل التجربة، فلم أدرك شيئاً من هذا. لقد كان خطئي الأساسي في ذلك الزمان أن توهمت أن “القانون” وحده سيكون كافياً. كان على أن أدرك أن كثيراً من القوانين يكتبها المفسدون أنفسهم، وينفذها أصدقاؤهم، وأن كثيراً منها لا ينفذ إلا على المغفلين أو المعدمين، كان على أن أدرك أن القانون لا قيمة له إذا لم يسنده وعى جماهيري، فلو أنى مثال تواصلت مع المواطنين/الآباء، أصحاب المصلحة الحقيقية في الاصالح (كما كان يتواصل معهم المتعهد)، وقرأت عليهم العقد، وأوضحت لهم حقوق أبنائهم، وكشفت لهم ألاعيب المتعهد، وصديقه ضابط التعليم، لما وجدت نفسي مكشوف الظهر؛ ولو أنى أنشأت جمعية في القرية لحماية التلاميذ، أو للحفاظ على حقوق الطفل، لكان ذلك أكثر نفعاً على المدى البعيد من المعركة الخاسرة التي خضتها وحدي مع المتعهد.
لكن ألا يعنى ذلك أن أغير “وظيفتي”؟ ألا يعنى ذلك أن أتحول من معلم يحارب الجهل إلى سياسي يطارد المفسدين؟ لا، ليس هناك تحول، لأن محاربة الجهل ومحاربة الفساد لا ينفصلان، وفى مثل الظروف القاسية التي يمر بها شعبنا ينبغي على كل من تعلم حرفا أن يتحول إلى مصلح، و أن ينخرط ليس فقط في عملية إشاعة الوعي بين الجماهير المسحوقة التي توجد بأسفل الهرم، وإنما يحرضها ويحركها حتى تمسك بزمام الأمور، فتقطع دابر المفسدين الذين يتربعون بأعلى الهرم، أو يندسون في طبقاته الوسطى.
إن خطوة صغيرة في طريق الإصلاح قد يكون لها أثر كبير في إرباك الشلل الفاسدة، ومحاصرتها، والقضاء عليها، بشرط أن يستيقظ المصلحون، وأن يفتحوا الخطوط بينهم، وأن يفتحوا الخطوط مع الجماهير، فالجماهير أقوى من المفسدين.
ولا قوة إلا بالله

الدكتور التجاني عبد القادر حامد

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: أقوى من

إقرأ أيضاً:

تكريم ضابط عراقي أثنى شابا عن محاولة انتحار (شاهد)

كرم رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، ملازم الشرطة رائد فاضل عبد الجبر جبر، التابع لمديرية شرطة النجدة، بعد أن أنقذ حياة شاب حاول الانتحار. 



وقالت خلية الإعلام الأمني، إن "هذا التكريم من قبل القائد العام للقوات المسلحة يأتي تقديرا للموقف البطولي والإنساني لضابط الشرطة، وتكريسًا للمتابعة الميدانية من قبل رئيس الوزراء لكل عمل بطولي يقدمه رجال القوات الأمنية والعسكرية في سبيل تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد"، حسب وكالة الأنباء العراقية.

القائد العام للقوات المسلحة يكرم احد ضباط شرطة النجدة بعد انقاذه لحياة شاب حاول الانتحار
……….
كرم السيد رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة المهندس محمد شياع السوداني ملازم الشرطة ( رائد فاضل عبد الجبر جبر ) المنسوب إلى مديرية شرطة النجدة الذي قام بانقاذ حياة شاب… — خلية الإعلام الأمني???????? (@SecMedCell) February 25, 2025
من جهته كذلك، كرّم وزير الداخلية عبد الأمير الشمري الملازم رائد فاضل، بعد أن أنقذ الشاب الذي حاول الانتحار من أعلى جسر السنك في العاصمة بغداد.

وأكد الشمري أن "لدينا في وزارة الداخلية رجالًا يستحقون أن نفخر بهم وبما يقومون به من جهود تعزز السلم المجتمعي وإنقاذ أرواح المواطنين والمحافظة على حياتهم". 


يأتي هذا التكريم في ظل ارتفاع مقلق في عدد حالات الانتحار في العراق، حيث أشارت مصادر أمنية في وزارة الداخلية إلى أن العاصمة بغداد سجلت نحو نصف عدد حالات الانتحار المسجلة في البلاد خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي.

ويشهد العراق في السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الانتحار ومحاولات إنهاء الحياة، في ظاهرة كانت نادرة الحدوث سابقًا. وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المؤسسات الحكومية إلى تسجيل أرقام قياسية، مما يعكس ترسخ هذه الظاهرة المقلقة. 

ويُعزى الإقدام على الانتحار في العراق إلى عدة عوامل، وفقًا لخبراء ومتخصصين، أبرزها انتشار المخدرات، وارتفاع معدلات البطالة، والاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى التفكك الأسري وأسباب أخرى. 


وكشف رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، أن العراق سجل أكثر من 2000 حالة انتحار، حيث بلغ عدد الحالات 1073 حالة في عام 2022، و700 حالة في عام 2023، و300 حالة خلال النصف الأول من عام 2024. 

وأضاف الغراوي أن الفترة بين عامي 2016 و2021 شهدت تسجيل 3063 حالة انتحار، حيث ارتفع العدد من 343 حالة في عام 2016 إلى 863 حالة في عام 2021، بالتزامن مع تداعيات الحظر الذي فرضته جائحة كورونا. 

وتتركز غالبية حالات ومحاولات الانتحار في المحافظات الوسطى والجنوبية. وأكد مدير مكتب حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، أن المحافظة سجلت وحدها 150 حالة ومحاولة انتحار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024. وأشار التميمي إلى أن الفئة العمرية الأكثر تأثرًا بهذه الظاهرة هي الشباب، خاصة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا.

مقالات مشابهة

  • تكريم ضابط عراقي أثنى شابا عن محاولة انتحار (شاهد)
  • استهداف منزل ضابط بعبوة ناسفة وعمليات أمنية مكثفة وسط العراق
  • 3 أبراج فلكية لا يهمها كلام الناس.. واثقة في نفسها
  • إصابة ضابط بالحشد وسط بغداد
  • تفصله عن الموت قفزة.. ضابط شرطة ينقذ حياة شاب في بغداد (فيديو)
  • شمس: صرت أبحث عن من سممني… فيديو
  • بمشهد انساني.. ضابط ينقذ شخصا حاول الانتحار من أعلى جسر السنك (فيديو)
  • انتحار ضابط برتبة نقيب داخل مقر قيادة عمليات نينوى
  • إصابة ضابط في الحشد الشعبي بطلق ناري وسط بغداد
  • مختص: الناس اللي ينامون أقل من ٧ ساعات عرضة للإصابة بالسكري والزهايمر.. فيديو