سودانايل:
2025-04-03@02:40:16 GMT

الفاقة.. ظاهرة حتمية.. أم متوهمة؟

تاريخ النشر: 7th, April 2024 GMT

ناجي شريف بابكر.. أبريل 7، 2024

يُعرِّفُ إقتصاديو المنشأة أو المايكرو إكونوميكس "الحد المثالي للإنتاج" لدى الوحدات الصناعية بأنه يتمثل في أن تستمر الفابريقة في الإنتاج حتى اللحظة التي تتساوى فيها التكلفة الحدية، وهي الزيادة في التكلفة الكلية التي تحدثها صناعة قطعة إضافية من المنتج" مع السعر أي معدل العائد.

ففي إقتصاد المنافسة الحرة معدل العائد يساوي سعر البيع المتاح بالأسواق.. إذ أنه من المفترض في الإقتصاد الحر الذي يخلو من الإحتكار، أن تبقى فيه الأسعار متغيرات مستقلة لا تخضع لسيطرة المنتجين.
لمزيد من التوضيح لهذه الفرضية، يلزمنا أن نعلم أن العملية الإنتاجية في المصانع تتشكل تكلفتها في مدخلات عوامل الإنتاج المستخدمة لإنتاج السلع، كالعمالة البشرية، والوقود والمواد الخام كمدخلات مباشرة للعملية الإنتاجية من جانب، والإتصالات والإيجارات وغيرها من النفقات الإدارية كمنصرفات غير مباشرة من جانب آخر.. مجموع هذه النفقات يمثل التكلفة الكلية للعملية الإنتاجية. فكلما زادت الوحدات المنتجة كلما إحتاج المصنع لمواد خام إضافية بالتالي فإن التكلفة الكلية تتزايد وتتناسب بصفة طردية مع زيادة الكمية المنتجة.
كما أن العائد على العملية الإنتاجية يتمثل في إجمالي الإيرادات التي تحققها المبيعات من السلع المنتجة، وكلما تضاعفت الوحدات المنتجة فمن المنطقي أن يتضاعف العائد من المبيعات.. لكن الحقيقة ليست كذلك طول الوقت.. ففي إقتصاد المنافسة الحرة الخالي من الإحتكار، وعلى الصعيد النظري، فإن المنتجين لا يتحكمون في فرض أسعار منتجاتهم، فهم مقيدون بمعدلات الأسعار المتاحة في السوق، لأن الأسعار كما نعلم تفرضها ديناميكيات العرض والطلب علوا وهبوطا.
كما سبق وأوردنا فيما تقدم، أن التكلفة الكلية تتزايد كلما أقدم المصنع بإنتاج قطعة إضافية من المنتج، لكن بالمقابل فإن الدخل الكلي أو العائد على المبيعات، يتزايد كذلك بمعدل سعر قطعة إضافية واحدة من المنتج تم طرحها بالسوق. وكلما كانت الزيادة الإضافية في التكلفة تقل عن الزيادة الإضافية في العائد، فإن العملية الإنتاجية بخير.. أي أنها تحقق فوائض لصاحب المصنع.. لكن التكلفة الإنتاجية الحدية أي تكلفة القطعة الأخيرة المنتجة لا تتبع نسقا خطيا، فهي تتتبع سلوك دالة من الدرجة الثانية ، أي سلوك منحنى. بحيث أن تكلفة القطعة الإضافية عندما يتقدم الكم المنتج ليقترب من الكم المثالي، فإن التكلفة الكلية تتزايد بمعدلات متراكمة، حتى تصل مرحلة تتعادل فيها التكلفة الحدية، أي تكلفة آخر قطعة منتجة، مع السعر بحيث أن الفائض الدي يحققه عائد البيع للقطعة الواحدة ناقصا تكلفتها الحدية يعادل صفرا.. أي أن الزيادة التي سببها إنتاج تلك القطعة في التكلفة الكلية، أصبح لا يقل عن سعر بيعها كما كان عليه الحال في القطع التي سبقتها في خط الآنتاج.. أي أن العائد الحدي المارجنال ريفنيو قد أصبح يعادل المارجنال كوست، أو التكلفة الحدية.
من هنا يمكننا الإنتباه لحقيقة هامة جدا، وهي أن الإنتاجية القصوى في الإقتصاد الرأسمالي ندرة كانت أم وفرة، لا ترتبط بالضرورة بالطاقات التصميمية القصوى للماكينات.. بل أن الإنتاج يتوقف عند حد معين، لأسباب لا علاقة لها بالسعات الإنتاجية، إنما يتوقف الإنتاج عند النقطة التي تتعادل فيها الزيادة في تكلفة الإنتاج مع الزيادة المتوقعة من العائد إذا ما قمنا بإضافة قطعة جديدة للكم المنتج.. وذلك لأن التكلفة الإضافية لإنتاج قطعة جديدة كاد أن يتجاوز العائد المنتظر من ورائها..وهو سعر البيع.. الذي لا يتحكم فيه المنتجون. ذلك يقودنا لاكتشاف حقيقة هامة جدا.. ذلك إن الكميات المنتجة من السلع والخدمات والمطروحة في إقتصاد ما، هي أقل بكثير من السعات الإنتاجية للماكينات المتوفرة لدى القطاع الصناعي هناك.
وعودا على بدء، فكما أوردنا فإن واحدة من عوامل الإنتاج التي تضيف للتكلفة الكلية لإنتاج السلع والخدمات في إقتصاد ما، تتمثل في أجور العاملين.. وفي غالب الأحيان فإن إنخفاض أجور العاملين ومقاربتها لحد الكفاف، هي المنتج الأساسي للفقر كظاهرة إجتماعية تبعث على القلق على الصعيد الإنساني، لكنها ظاهرة وفق الفلسفة الرأسمالية خارج سيطرة العملية الإقتصادية، لأن الرأسمالي يلزمه أن يتشدد في تكاليف ساعات العمل حتي يتحكم في التكلفة الكلية لعمليته الإنتاجية.. وأنه رغم أن السعات الإنتاجية في الماكينات بإمكانها أن تنتج المزيد من السلع، لكنه يتحكم في الإنتاج وفق حدود معينة حتى لا يتجاوز فيها الحد المثالي للإنتاج "ذي أوبتيمم بروداكشن ليفيل".
لكن ماذا إذا إرتفعت الأجور؟.. هل سيتسبب ذلك في إفلاس القطاع الصناعي؟ لأن المنتجين لا يتحكمون في معدل الأسعار في ظل إقتصاد تسوده المنافسة الحرة "ذا بيرفيكت كومبيتشن".. بالطبع قد يتسبب ذلك في إنفلات التكلفة بلا شك على الأقل في المدى القصير، لكن ماذا عن المدى الطويل والمتوسط. فإن من شأن زيادة الأجور أن تشكل طفرة في الطلب على السلع والخدمات في مستوى الأسعار السابق "أب وورد شيفت إن ديماند كيرف"، فيؤدي الأمر لموجة تضخم تتزايد فيها الأسعار، وفي هده الحالة أسعار السلع الأساسية "إنفيريار قوودز" كالغذاء والكساء، التي تشكل معظم الطلب لدى الطبقات العاملة. لكن طبقات أخرى من المجتمع ستتقاسم هذا العبء التصخمي في سوق الطلب على السلع الإساسية دون أن ترافق ذلك زيادة في دخولهم القابلة للإنفاق خلاف ما عليه الأمر لدى الشغيلة.
من شأن زيادة أسعار المنتجات الأساسية أن تعدل في معطيات منحنى الإنتاج على المدى البعيد والمتوسط، إذ ستزداد التكلفة الكلية بسبب تضاعف بند الأجور، وبسبب إنعكاس التضخم ولو بمعدل أقل، على تكلفة مدخلات الأنتاج، لكن الزيادة في أسعار المنتجات من السلع الأساسية تخلق وضعا إيجابيا في منحنى العملية الإنتاجية، بحيث يسمح الوضع الجديد بزيادة الكم المنتج بكميات تفوق ما كان متاحا في السابق، إذ تنزلق نقطة التعادل ما بين السعر والتكلفة الحدية قليلا إلى اليمين بالتوازي مع المحور السيني، ليتسنى إنتاج سلع أكثر قبل النقطة التي يلتقي فيها مننحنى التكلفة الحدية مع معدل الأسعار. يتيح الوضع الجديد إنتاج المزيد من السلع والخدمات بالتحديد في السلع الأساسية، يتمكن فيه العاملون من الحصول على سلع إضافية بسبب الزيادة في أجورهم تتفوق نسبيا منفعتها على ما أحدثه الأمر من التضخم.. إن من شأن ذلك أن يخفف من الأوضاع القاسية والمعاناة التي تكابدها الطبقات ذات الدخل المتدني.. دون أن يقعد ذلك بالعملية الإنتاجية ودون أن يتطلب نفقات رأسمالية، إذ أن الإنتاج كما أسلفنا لم يتجاوز بعد الطاقات التصميمية لماكينات القطاع الصناعي.
أول نقد سيكون عليّ أن أتوقعه على ما أورته بهذا المنشور ربما يتركز على أن الأعباء التضخمية التي يفرضها هذا المنحى ستغسل كل المكاسب التي تتحقق للعاملين من خلال زيادة القيمة الإسمية لأجورهم، والرد عليه يتمثل في المنطق الذي إستخدمته ورقة كارل ماركس في الرد على سبنسر في ندوة النادي الحغرافي بلندن.. وهي أن مثل هذا النقد يجانب الصواب. لسببين:
أولهما: بالنظر للطبيعة الإستهلاكية للطبقات الأقل دخلا فإن الطلب يتركز بصفة أساسية في السلع الغذائية والمنسوجات، وبالطبع فإن الأثرياء يشاركونهم في إنفاق جزء من دخولهم على السلع الأساسية التي ستقع عليها طائلة التصخم. إن الأثرياء سيشاركون في تحمل عبء ليس بالقليل من الضغوط التضحمية بمقدار نسبتهم المتفوقة في الطلب على السلع الأساسية. بالإضافة لذلك فإن تراجع القيمة الحقيقية لدخولهم القابلة للإنفاق الناتج عن التزايد النسبي لإنفاقهم على السلع الأساسية ربما يساهم في تحجيم الطلب الكلي على الأسواق الأخرى خلاف أسواق السلع الأساسية. وبلغة الإقتصاد البحت فإن التغير المتوقع في التكلفة الحدية للمنتجات من السلع الأساسية، الناتج من زيادة وحدة واحدة في متغير الأجور يُفترض فيه أن يفوق الصفر وأن يقل في نفس الوقت عن الواحد الصحيح. وهذه الجزئية توضح أن العبء الذي تضيفه تعديلات الأجور على محسوبة مدخلات الإنتاج ينعكس برافعة أقل على العملية الإنتاجية.
ثانيهما: أن زيادة أسعار السلع الأساسية ستتسبب في رفع العائد على الإستثمار في القطاع الصناعي المتعلق بإنتاج السلع الأساسية بما يفوق العائد على الإستثمار في خلافه أي في قطاع إنتاج سلع الرفاهية والسلع الرأسمالية، مما يتسبب في زيادة العرض الإئتماني لصالح المنتجين في قطاع إنتاج السلع الأساسية، وبالتالي تراكم الإستثمارات في السلع الأساسية في المدى المتوسط والبعيد بما يتسبب تدريجيا في إزدهار أسواقها وجاذبيتها للعمالة ورأس المال.
إذا ما كان هناك أي إحتمالات لصحة فرضية هذا المنشور، فسيكون عليّ أن أستغل هذه السانحة بأن أعلن أن الفقر والفاقة ليستا ظاهرتان حتميتان في الإقتصاد الرأسمالي، بل أنه بالإمكان تلافيهما والتخفيف من وطأتهما، دون إحداث خسائر باهظة في حق الرأسماليين أو حتى القطاعات الأخرى من الطبقة الوسطى. بل أكثر من ذلك فإن بإمكان ذلك مضاعفة العدالة والسلام الإجتماعي وإتاحة المجال لمجتمعات أكثر تعافيا في حرصها على التوافق والأمن والسلام الإجتماعي.
إنتهى..
nagibabiker@gmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: العملیة الإنتاجیة السلع والخدمات السلع الأساسیة القطاع الصناعی إنتاج السلع العائد على فی التکلفة الزیادة فی على السلع فی إقتصاد من السلع زیادة فی

إقرأ أيضاً:

ظاهرة لن تتكرر قبل عام 2100.. النجم المتألق على وشك الانفجار

#سواليف

في حدث ينتظره #علماء_الفلك وهواة مراقبة السماء منذ ثمانية عقود، يقترب النجم الثنائي ” #الإكليل_الشمالي تي” (T Crb) من لحظة #الانفجار الحاسمة.

وهذا العملاق السماوي، الذي يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية في أعماق كوكبة الإكليل الشمالي، على وشك منحنا عرضا مبهرا لن يتكرر مرة أخرى في حياة معظمنا.

ويدور في هذا النظام النجمي الثنائي شريكان غير متكافئين: عملاق أحمر عجوز وقزم أبيض جشع يسرق مواده ببطء. وكل ثمانين عاما تقريبا، عندما يصل تراكم المواد إلى نقطة حرجة، ينفجر #القزم_الأبيض في ظاهرة تعرف بالمستعر الأعظم.

مقالات ذات صلة مرصد أكيد: 94 إشاعة في شهر آذار من بينها 86 إشاعة داخلية 2025/04/02

ويعد هذا الحدث المرتقب فرصة علمية نادرة، وعندما ينفجر “الإكليل الشمالي تي” أو كما يعرف أيضا باسم النجم المتألق، سيتحول فجأة من نقطة خافتة لا ترى إلا بالتلسكوبات إلى نجم لامع يمكن رؤيته بالعين المجردة، بمستوى سطوع يشبه النجم القطبي.

ولكن هذه الفرصة لن تدوم طويلا، فالعرض السماوي سيكون قصيرا، ربما أسبوعا واحدا فقط، قبل أن يعود النجم إلى خموله لعقود قادمة.

ولا أحد يعلم تحديدا متى سيثور نجم “الإكليل الشمالي تي”، ومع ذلك، مع بداية أبريل 2025، يشرق النجم ضمن كوكبة الإكليل الشمالي في السماء الشرقية بعد ثلاث إلى أربع ساعات من غروب الشمس. ويمكنك تحديد موقع الكوكبة بالبحث بين النجمين اللامعين “النسر الواقع” (Vega) و”السماك الرامح” (Arcturus)، أو بتتبع نجوم الدب الأكبر (Big Dipper)، ثم تتبع النجوم الأربعة التي تشكل “النعش” في كويكبة بنات نعش الكبرى.

وفي كل شهر حتى سبتمبر، سيشرق “الإكليل الشمالي تي” في وقت أبكر، ما يجعله هدفا أسهل للرصد.

وللحصول على أفضل تجربة مشاهدة، ينصح الخبراء بالتعرف مسبقا على هذه المنطقة من السماء. ويمكنك استخدام تطبيقات الفلك مثل Stellarium، أو حتى مجرد الخروج في ليلة صافية للتعرف على نمط النجوم في كوكبة الإكليل الشمالي. وعندما يحين الوقت، ستلاحظ فجأة نجما جديدا لامعا يظهر حيث لم يكن موجودا من قبل.

ووفقا لحساباته، ينفجر T CrB كل 128 دورة، وتستغرق الدورة الكاملة للنظام 227 يوما. وكانت التقديرات الأولى وفقا لهذه المعادلة، تفترض أن يحدث الانفجار في 27 مارس الماضي. لأن هذا لم يحدث، فإن التواريخ المحتملة التالية تشمل 10 نوفمبر 2025 أو 25 يونيو 2026.

وهذه الظاهرة ليست مجرد مشهد جميل، بل نافذة نادرة لفهم أحد أكثر العمليات الكونية إثارة. وكل انفجار من هذا النوع يقدم للعلماء فرصة لدراسة التفاعلات المعقدة بين النجوم الثنائية، وآليات نقل المواد بينها، والفيزياء النووية الحرارية التي تحدث في مثل هذه الانفجارات.

وفي المرة الأخيرة التي انفجر فيها هذا النجم، كان العالم عام 1946، في حقبة ما قبل غزو الفضاء، عندما كانت التلسكوبات بدائية مقارنة بما لدينا اليوم. الآن، مع تطور التكنولوجيا الفلكية، قد نتمكن من جمع بيانات غير مسبوقة عن هذا الحدث النادر.

لذا احتفظ بهذا التاريخ في ذاكرتك، وجهز معداتك الفلكية، وتأهب لفرصة قد لا تتكرر في حياتك. لأنك إذا فوت هذه الظاهرة، فإن الحدث القادم سيكون في العام 2100 تقريبا.

مقالات مشابهة

  • فرنسا: المواجهة العسكرية مع إيران شبه حتمية حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي
  • فرنسا: المواجهة العسكرية مع إيران شبه حتمية في هذه الحالة
  • ظاهرة لن تتكرر قبل عام 2100.. النجم المتألق على وشك الانفجار
  • ظاهرة غامضة في عدن.. مياه البحر تتقدم 300 متر وتثير الذعر!
  • تامر مرتضى يكشف كواليس إنتاج مسلسل جودر وتحدياته الإنتاجية
  • بعد حادثة طعن.. علماء الدين في كوردستان يحذرون من ظاهرة الأسلحة البيضاء
  • بسعر فائدة يصل لـ30%.. أعلى عائد على شهادات ادخار بنك مصر
  • أعلى شهادات ادخار في البنك الأهلي بعائد يصل لـ 30%
  • صلاح خاشقجي يوضح التوقيت الأمثل لسداد القرض العقاري .. فيديو
  • لتحسين السلالات.. الزراعة: جهود مكثفة للهيئة العامة للخدمات البيطرية وزيادة الإنتاجية