6 أشهر من الحرب.. كيف يتدبر سكان غزة معيشتهم؟
تاريخ النشر: 7th, April 2024 GMT
غزة- بعد أن انتظرت دورها داخل أحد متاجر الذهب، خلعت مريم خاتمها وقدمته للصائغ سائلة إياه عن ثمنه، ليخبرها بأنه يقبل شراءه بـ220 شيكل (61 دولارا)، وهو ما ردت عليه السيدة بالقبول، وقالت إنها قررت بيع الخاتم بغرض شراء مستلزمات لأسرتها النازحة من مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، إلى مدينة رفح جنوب القطاع.
وذكرت مريم (اسم مستعار) أنها اشترت الخاتم بـ280 شيكلا، وهي مضطرة لبيعه الآن بسبب استمرار الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها النازحون منذ 6 شهور على بدء الحرب الوحشية الإسرائيلية، والتي راح ضحيتها قرابة 33 ألف شخص، وأسفرت عن هدم نحو 70% من منازل القطاع بحسب بيانات أممية.
وهذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها مريم بيع شيء من مصاغها، لكن العديد من معارفها وقريباتها سبق أن بِعن بعض ذهبن، ومنهن شقيقتها التي باعت سلسالا لشراء خيمة، وتُكمل مريم للجزيرة نت "أغلب الناس تبيع ذهبها، لأن تكلفة الحياة غالية، ولأننا لا نعرف متى ستنتهي الحرب".
ووصل هذا الحال بسكان القطاع بعد أن فقد غالبيتهم أعمالهم بسبب الحرب، كما توقفت الحكومة عن دفع رواتب موظفيها، وهو ما فاقم نسبة الفقر المدقع الذي يعاني منه السكان، كما تمارس إسرائيل، بحسب تقارير الأمم المتحدة، سياسة تجويع متعمدة بحق سكان قطاع غزة، وهو ما دفع محكمة العدل الدولية، الخميس، إلى إصدار أمر لتل أبيب باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لضمان تدفق المساعدات الإنسانية من دون عوائق إلى غزة لتجنب المجاعة.
تسبب هذا الوضع بإشكالية لمتاجر الذهب، التي باتت تمتلك مخزونا كبيرا في ظل زيادة العرض وقلة الطلب، وعدم امتلاكها السيولة المالية الكافية للشراء، ويقول مالك المتجر الذي فضل عدم ذكره اسمه "نحن لا نعمل سوى في شراء الذهب من الناس ولا أحد يشتري، بات لدينا كميات ضخمة، هناك عرض كبير جدا وطلب قليل، وبتنا غير قادرين على تصريفه، وحتى لا نملك السيولة الكافية للشراء بسبب إغلاق البنوك".
ولا يعد قرار بيع الذهب سهلا على السيدات، بحسب الصائغ الذي يضيف "تأتي السيدة بدموع عينيها لتبيع ذهبها، قبل قليل سيدة باعت قطعة ذهب وقالت لي: سنتين وأنا أحوّش (أدخر) المبلغ لشراء هذه القطعة ثم أبيعها لشراء خيمة".
أما راوية جرادة فتعتمد على ما يتحصل عليه ابنها نور من بيع حلوى القطائف، بالإضافة إلى ما يصلها من مساعدات إغاثية، وكان عدد من أبنائها يعملون في بيع المعلبات الغذائية والحلويات للأطفال، وهو ما وفّر للأسرة دخلا محدودا، لكنهم لم يتمكنوا من الاستمرار، وتقول للجزيرة نت: "معاناة أسرتنا كبيرة فنحن 10 أفراد، ونواجه صعوبة في توفير اللبس والأكل والشرب".
وتؤكد جرادة ما ذهب إليه من سبقها حول اتجاه النساء إلى بيع مصاغهن من الذهب للإنفاق على أسرهن، وتضيف موضحة "أعرف عروسا باعت سلسالا ثم خاتما ثم الدبلة، وبقي معها خاتم، وسألتها لماذا لم تبعه، فأجابت إنه هدية من أبيها الشهيد، ويعز عليها بيعه"، وتكمل "وسألت جارة لي: كيف تعيشون، فأجابت: أبيع من ذهبي، فقلت لها: حرام عليكِ، فقالت: أنا مضطرة، فكيف نعيش ونأكل ونشرب؟".
لا تملك منى الأعرج أي مصاغ ذهبي لتبيعه، لذلك تعتمد هي وأسرتها على ما توفره تِكية خيرية مجاورة من وجبات طعام، حيث تقدم التكايا وجبة واحدة في اليوم للأسرة، وتتكون غالبا من العدس، أو الفاصولياء، أو المعكرونة، أو الأرز بدون لحم.
وتحصل الأعرج التي تعيش في خيمة بعد نزوحها من شمال القطاع إلى مدينة دير البلح في وسطه على سلة غذائية بمعدل مرة في الشهر من مؤسسات خيرية، تعينها على قضاء بعض حوائجها، أما الخبز فتصنعه بنفسها باستخدام فرن يعمل على الحطب، مستعينة بطحين تحصل عليه من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا".
لكنّ الأعرج تواجه مشكلة كبيرة في توفير بقية متطلبات الأسرة، التي تحتاج إلى مال نقدي لشرائها مثل الطعام والأحذية، وتضيف للجزيرة نت "لا نشتري أي مستلزمات، لا نشترى ملابس ولا أحذية أنظر إليهم (وتشير إلى أطفالها)".
وقبل الحرب، كان صبحي أبو مرعي يعمل في بيع المنظفات في مخيم البريج وسط القطاع، لكنّ جيش الاحتلال دمّر منزله بالكامل، ما اضطره للنزوح وأسرته بملابسهم الشخصية فقط إلى مدينة دير البلح.
ومنذ بداية الحرب، يعيش أبو مرعي مع أسرته على ما تقدمه مؤسسات إغاثية من سلال غذائية وأكياس طحين، كما يحصل على وجبات الطعام من التكايا الخيرية في المنطقة، وهو ما يعينه على الإنفاق على أسرته، ويقول إنه يضطر لبيع بعض السلال الغذائية التي يحصل عليها لشراء مستلزمات أخرى تحتاج إلى مال نقدي.
بدوره، طلب موسى أبو معيلق من أشقائه المقيمين في الخارج مساعدته كي ينفق على نفسه وأسرته المكونة من 8 أفراد، ويقول أبو معيلق الذي يقطن في منزله بمدينة دير البلح "أنا لا أعمل، والحرب طالت والغلاء فاحش، أدبر أموري من هنا وهناك، اتصلت بإخوتي في الخارج كي يرسلوا لنا مالا"، ويضيف "ندبر حالنا بصعوبة، أحيانا لا نجد الماء ولا الأكل، خاصة في ظل الغلاء وعدم توفر السلع".
وكانت "سحر مِزيد" تحصل من والدها على مساعدات نقدية تساعدها على الإنفاق على أسرتها المكونة من 5 أطفال، لكنه استشهد قبل أسبوعين، كما كانت تمتلك خاتما خفيف الوزن، لكنها باعته للإنفاق على أسرتها، وتقول للجزيرة نت إن غالبية الأسر تبيع الذهب الذي تمتلكه كي تدبر أمورها المالية، وتضيف "ابنة عمي باعت سلسال ذهب لشراء الطعام لأسرتها، لأنها لا تعرف متى ستنتهي الحرب".
وكسابقيها، تُعتبر التكية هي العائل الأول للأسر النازحة، حيث تعتمد مِزيد عليها بشكل رئيسي في الحصول على وجبة طعام يومية لأسرتها، وتقول للجزيرة نت "زوجي لا يعمل منذ 7 شهور، أنا أعيش من التكية، أُمشّي (أُدبر) يومي، كان أبي يساعدني لكنه استشهد قبل أسبوعين"، وتعتمد مِزيد في الطعام الذي تقدمه لأسرتها على الخبز الذي تصنعه بنفسها على فرن الحطب، وغالبا ما تصنع لهم ساندويشات مكونة من الخبز والدقّة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: رمضان 1445 هـ ترجمات حريات للجزیرة نت وهو ما على ما
إقرأ أيضاً:
أسير يروي للجزيرة نت قصة هروبه من أهوال سجون الدعم السريع
الخرطوم- كشفت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الخميس الماضي عن قيام قوات الدعم السريع بسجن أكثر من 10 آلاف شخص في مراكز احتجاز داخل ولاية الخرطوم، توزعوا في نحو 40 مرفقا، و توفي منهم المئات بسبب التعذيب والمرض.
وغطى تقرير المفوضية الفترة ما بين بداية الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023 إلى يونيو/حزيران 2024، كاشفا عن تجاوزات لحقوق الإنسان وانتهاكات للقانون الإنساني الدولي في مرافق الاحتجاز هذه.
وفي ذات السياق كشفت تقارير صحفية نشرتها صحيفة "غارديان" أول أمس عن أدلة على تعرض أكثر من 500 شخص للتعذيب أو الجوع حتى الموت في مركز احتجاز، ثم دفنوا في مقبرة جماعية سرية شمالي الخرطوم بالقرب من قاعدة قري العسكرية، التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع حتى تاريخ 25 يناير/كانون الثاني الماضي.
وكشفت زيارة إلى القاعدة الواقعة على بعد حوالي 40 ميلًا (70 كلم)، بعد فترة وجيزة من استعادتها من قبل الجيش السوداني، عن وجود مركز احتجاز غير معروف سابقًا، مع وجود أغلال معلقة على الأبواب، تشير إلى أنها كانت غرف تعذيب من خلال بقع الدم على الأرض.
أكبر الجرائميروي أشخاص معتقلون تعرضوا للتعذيب في مركز الاحتجاز بشكل متكرر من قبل خاطفيهم، أنه يوجد في مكان قريب من المركز موقع دفن كبير فيه العديد من جثث أشخاص ماتوا خلال التعذيب، وبه ما لا يقل عن 550 قبرا غير محدد، وكثير منها محفور حديثًا، ووجد الأطباء الذين فحصوا الناجين علامات لا تعد ولا تحصى على التعذيب، وخلصوا إلى أنهم كانوا يتضورون جوعا.
إعلانويعد الموقع أكبر أرض دفن مؤقت موجودة في السودان خلال الحرب الحالية، حيث قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي حققت في انتهاكات في جميع أنحاء السودان خلال الحرب، إن موقع مركز الاحتجاز هذا يمكن أن يشكل "واحدة من أكبر مشاهد الجرائم الوحشية التي تم اكتشافها في السودان منذ بدء الحرب"، ودعت للسماح لمحققي جرائم في الأمم المتحدة بالوصول للموقع.
وقال الدكتور هشام الشيخ، الذي فحص 135 رجلا تم العثور عليهم هناك، بعد أن استعادت القوات المسلحة السودانية الموقع في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، إن الأدلة السريرية على التعذيب وسوء التغذية المزمن كانت كثيرة، وقال الشيخ لصحيفة "الغارديان" إن الرجال -وجميعهم من المدنيين- كانوا مصابين بصدمة كبيرة ولا يستطيع كثيرون منهم الكلام.
وتكشف صورة تم التقاطها عبر الأقمار الاصطناعية لطريق أحادي المسار بجانب القاعدة، بعد أسابيع من بدء الحرب، غياب أي مظهر من مظاهر الدفن، بينما تكشف صورة أخرى لنفس الموقع تم التقاطها بعد عام في 25 مايو/أيار 2024 عن عدد كبير من التلال التي تمتد على مسافة حوالي 200 متر.
وقال الرقيب محمد أمين الذي يتمركز الآن في قري إن "جميع الجثث المدفونة هناك لقى أصحابها حتفهم في القاعدة"، وقال ضابط في الجيش السوداني إن المعتقلين الذين عثروا عليهم "كانت أيديهم وأقدامهم مربوطة معًا، وكانوا في حالة سيئة للغاية مع علامات تعذيب على أجسادهم".
وقال جان بابتيست جالوبين، من "هيومن راتيس ووتش" إن "السلطات السودانية التي تسيطر على القاعدة الآن قد تعاملت معها كموقع محتمل لجريمة حرب، وبذلت جهودًا فورية لتأمين وجمع وحماية الأدلة، التي قد تكون حاسمة في عملية المساءلة"، ووصف ذلك بـ"الأمر الحيوي".
على لسان أسيرالتقت الجزيرة نت بأحد الأسرى الناجين من سجون قوات الدعم السريع، وأفسحت له المجال ليروي قصته وشهادته، مع طلبه عدم الإشارة إلى اسمه كاملا، لأنه لم يأخذ الإذن من وحدته العسكرية.
إعلانيسرد ضابط الصف عثمان ما جرى معه خلال هذه الأيام، ويقول إنه ومنذ اليوم الأول في الحرب، تواصلتُ مع وحدتي العسكرية عبر الهاتف وأخذت كل التكليفات، ثم بدأت تنفيذها من خلال ذات الهاتف في منزلنا الكبير بضاحية الأزهري جنوبي الخرطوم، على مدى نحو شهرين.
كنت قلقا على أسرتي الصغيرة زوجتي وصغيريها، ووالدي المسن وأمي التي تتحمل الأعباء، بدأت أخطط لترحيلهم بعيدا عن مواقع الجنجويد، خصوصا بعد أن زادت حدة الانتهاكات، وبدأت تتواتر الأنباء عن اقتحام البيوت الخالية وسرقة محتوياتها، ونهب السيارات بقوة السلاح، كنت أدرك بحكم خلفيتي العسكرية أن الدور قادم علينا.
لم أكن أتصور أنه في يوم من الأيام سيكون الطارق على الباب هو العدو نفسه، لم يمنحني فرصة المراوغة، قالوا لي: عثمان نحتاجك الآن في مكتب استخبارات الدعم السريع.
وصلت برفقة المجموعة التي أوصلتني إلى محطة الصهريج القريبة من مكان سكني، لم يكن مكتبا، بل بيتا تحت التشييد، الذين أخذوني لم يتحدثوا كثيرا، كأنما كانوا على عجلة من أمرهم، وتركوا للسياط مهمة الاستنطاق، ضرب مبرح في كل مكان، وعندما أجبتهم: نعم أنا عثمان أعمل بالقوات المسلحة، كان ذاك كافيا لكف الأذى لبعض الوقت، لكني بقيت في المكتب نحو 5 أيام.
ومن نقطة الاحتجاز الأولى، تم نقلي وأحد زملائي إلى سجننا الأول في مقر الدعم السريع في ضاحية الرياض، والذي يعرف أيضا بـ"العمارة الهيكلية"، تم حشرنا في غرفة صغيرة نحو 25 معتقلا، وفي ركن الزاوية تم وضع جردل لقضاء الحاجة، أضفنا ستارة لستر العورة، وحينما يمتلئ الإناء نغرق بالقاذورات، حتى يُسمح لنا في الصباح بتفريغ ما أفرزته البطون الخاوية ليلا.
كنا نُمنح وجبتين على سبيل الاصطلاح، لقيمات من دقيق الذرة يعرف في السودان بـ"العصيدة"، لكن بلا إدام، فقط يضاف للذرة المطبوخة بالماء الساخن سكر في الصباح وملح في الليل، أو وفق ما يتيسر.
إعلانحصة الفرد من الماء 6 أكواب في اليوم، أحيانا يقل الماء فنعلن حالة الطوارئ، نقتصد في ما عندنا ونقلل في حصتنا حتى لا يهلكنا العطش، هزلت أجسادنا، وبات القمل يسرح في الرؤوس ثم يمضي إلى أدني من ذلك.
رفاق الزنزانةيكمل عثمان حديثه للجزيرة نت، متحدثا عن أيامه في السجن ومن رافقه فيه، كالدكتور محمد مرعي وهو طبيب جراحة مدني، لكنه يعمل في أحد المشافي العسكرية، كان ذلك كافيًا ليزج به في السجن، ومات فيه بسبب الجوع وقهر الرجال.
علي جعفر، أميركي من أصول سودانية، تم اعتقاله وهو في طريقه لبورتسودان، لم تشفع له وثائق السفر الأجنبية، حيث اعتبر متعاونا مع الجيش، افترقنا لاحقا وأظنه قد مات، فقد تبادلنا داخل الحبس المعلومات الشخصية حتى يُطمئن الذي يخرج من السجن ذوي الآخر، لكن الاتصال بيني وبينه انقطع.
وائل محمد، شاب، كان أحدثنا عمرا، يحمل الجواز الأميركي والسوداني معا، فقد عقله داخل السجن، كان يتحدث بالإنجليزية فقط، وهو شخصية عسكرية مهمة، اتهم بأنه خطط لتفجير مقر رئاسة قوات الدعم السريع في اليوم الأول من الحرب، أخرجوه من السجن ولم نعرف وجهته.
بعد عدة أشهر من المعاناة، نُقلنا إلى سجن سوبا شرقي الخرطوم، كان الأمر بالنسبة لنا أفضل من سجننا الأول، هنا توجد عنابر ضخمة، أهم ما فيها حمام لقضاء الحاجة، الماء أوفر، ولكن الطعام قليل، حشرنا نحو 180 معتقلا في هذا العنبر.
في نهاية المطاف تبقى منا على قيد الحياة نحو 48 أسيرا، الموت هنا يحصد الناس حصدا، فعند إصابة أحدنا بالإسهال ننقله لمدخل الحمام ليصبح سكنه الدائم حتى يتوفى، ونقوم بهذا الإجراء مخافة العدوى وحتى نسهل للمريض قضاء الحاجة.
تم نقل بعض المرضى للوحدة الطبية بعد أن ساءت حالتهم، لكننا كنا نعتبر من يذهب للمشفى مفقودا وفي عداد الأموات، في كل أسبوع كنا نفقد نحو عشرة من رفاق السجن، من يتوفاه الله نحاول غسله إن توفر ماء، ونصلي عليه داخل العنبر، ثم نضعه في الممر الخارجي، يمكن أن يبقى في هذا الوضع حتى تفوح رائحته وبعدها ينقل إلى مقابر نجهل مكانها.
إعلان لحظة أملفي بداية شهر فبراير/شباط ظننا أننا سنموت جميعا في سجننا في ضاحية سوبا، فجأة سمعنا دوي الرصاص، خبراء السلاح أكدوا لنا أن هذه المعركة قريبة من سجننا، كانت أصوات الرصاص ترتفع، وبدأ الحراس بخلع ملابسهم العسكرية ثم هربوا.
سرت حالة من الفوضى داخل العنابر المغلقة بإحكام، بدأنا نتداول الحديث حول تقرير مصيرنا، اقترحت مجموعة كسر الأقفال والهروب، لكن الرأي في عنبرنا استقر على أن ننتظر الجيش، فهروبنا في مناخ الفوضى يمكن أن يجعل بعضا وقودا للمعارك.
وبعد أن كان صوت السلاح عاليا، انخفضت وتيرته قليلا، ثم اختفي شعاع الأمل، ليوضح لنا خبراء السجن أن ذلك يبدو انسحابا تكتيكيا للجيش، وغالبا سيعاود الكرة في اليوم الذي يليه، لكن ذلك لم يحدث.
عاد الهاربون أكثر غضبا، وبدؤوا في إعادة فرز المساجين، بعد أن كان التوزيع يتم على أساس قبلي، بتوجيه من بعض زعماء العشائر الذين جاؤوا إلى سجننا وفحصوا الأسرى، فأبناء الدرجة الأولى تم إطلاق سراحهم فورا، ثم خصص للآخرين عنابر كنا نسميها "عنبر أولاد القبائل" من باب الطرفة.
بعد اقتراب المعارك، أدركت بخبرتي المتواضعة أن التصنيف الجديد يعني نقلنا إلى سجن جديد، وربما نقلنا إلى مدينة أخرى، وهو ما حدث بالفعل، فاتفقت مع رفاق الغرفة على تغيير اسمي باسم شخص آخر توفي، كان يعمل بالشرطة وكنت أحتفظ باسمه كاملا ورقم هويته العسكرية.
ولأن المليشيا لا تهتم بتدوين دفاتر الوفيات، تمكنت من خداعهم، وبحكم اعتباري رجل شرطة قضي الأمر بتحويلي إلى سجن الاحتياط المركزي جنوبي الخرطوم مع مئات من السجناء، فيما نقل زملائي العسكريين إلى مدينة نيالا، حيث كانوا نحو 300 ضابط وضابط صف وجندي، وكان نقل الأسرى على عجل مؤشرا على أن قوات الدعم السريع أدركت أنها ستخسر كل المعارك في العاصمة الخرطوم.
محاولةهنا لن تستطيع التفكير في الهروب بصوت مسموع، سيمنعك رفاق الزنزانة من ذلك، فنجاح محاولة الهروب ستلقي بتبعات عالية على المتبقين داخل الحراسات، حيث يعقب أي عملية هروب "حفل تعذيب جماعي" وتضييق في الأكل والشرب والحركة.
إعلانفقبل فترة، تمكن نحو 7 ضباط من الهروب عبر فتحة في سور السجن، صنعَتها قذيفة من الجيش، واكتفى حراس السجن بوضع أغصان الأشجار وبعض الكتل الصلبة، لكن الضباط تجاوزوا الصعاب ونالوا حريتهم بينما تذوقنا نحن طعم التعذيب.
اتفقت مع ثلاثة من زملائي على الهرب، قلت لرفاقي "إنه الموت جوعا وعطشا أو أثناء محاولة الهروب"، ووضعنا خطة لأن نقفز من عربة النقل أثناء مرورها في منطقة سوبا ذات الطبيعة الترابية التي تجعل العربة تبطئ من سرعتها، لكن المفاجأة كانت أن تم تغيير وسيلة النقل إلى باصات محكمة الإغلاق، ففشلت الخطة الأولى لكننا لم نفقد الأمل بانتزاع حريتنا.
تم نقلنا في الأسبوع الثاني من شهر فبراير/شباط إلى سجن شرطة الاحتياط المركزي جنوبي الخرطوم، بالقرب من ضاحية الدخينات، لم يكن المبني في الأصل سجنا بل مقرا للتدريب، لهذا كانت هنالك الكثير من الثغرات.
تخطي الأسواركان لقائد فريقنا أنور -وهو أحد ضباط الصف في الجيش- معرفة جيدة بالسجن، وتم اختياره كـ"حكمدار" وهي وظيفة تنسيقية بين حراس السجن والأسرى، حيث تتيح هذه الوظيفة لشاغلها حرية الحركة.
وبعد أن تفقد سجننا الجديد، وضع أنور خطة جديدة للهروب، ورغم أننا أربعة لم نكن على اتفاق على تفاصيل الخطة، لكن إصرار قائد الفريق على التنفيذ جعلنا نوافق ونتعاهد على الموت.
قامت خطة أنور على عنصر المفاجأة في تمام الساعة الثامنة مساء، حيث يكون الظلام قد حل لكن الحركة مستمرة داخل المعسكر الذي بات سجنا، وكانت الخطوة الأولى أن يكسر أنور نافذة الغرفة الضخمة دون أن ينتبه النزلاء، لم تكن مهمة سهلة، لكنه نفذها بقليل من الضوضاء وكثير من الخبرة، فلم تثر عملية الكسر إلا انتباه من كان يترقب الحدث.
قفز أنور أدنى الشباك بشكل عمودي، وبات في وضع الانتظار، تخلص من ملابسه الخارجية ذات الألوان المناهضة للستر، ووضعها في كيس كان يحمله، وبذات الخطوات نفذ ثلاثتنا المهمة، ثم زحف قائد الفريق إلى السور الأول المغطى بشجر "المسكيت" ثم تجاوزه نحو الضفة الأخرى، وفي ذات الدرب سرنا خلفه.
إعلانكانت في الزاوية البعيدة خيمة حراسة يبدو أن أفرادها مشغولون بشأنهم، وكانت العقبة الكبرى أمامنا تجاوز السور الأعظم، في زاويته يوجد برج مراقبة عليه حارس مسلح، ورغم أن هذه العقبة جعلتنا نتوقف، فإن أنور قرر أن يستكشف ما بداخل البرج في ذلك الليل الدامس.
كلما اقترب من البرج لم يكن يرى أي حركة، وعندما وصله وجده خاليا، ارتقى السلم ثم استكشف الشارع، كان خاليا تماما أيضا، وعاد إلينا يحمل البشرى، فتناوبنا القفز على السور العالي، لقد كانت مهمة شاقة لرجال جياع وعطشى فقدوا نصف وزنهم خلال أيام الأسر.
أخيرا تنفسنا الصعداء، ارتدينا ملابسنا ثم دخلنا الحي الشعبي المجاور لمعسكر الاحتياط، قبل أن نصل إلى المنزل الذي من المفترض أن نقضي ليلتنا فيه، لكننا فوجئنا بمجموعة من عناصر الدعم السريع تقف على ناصية الشارع الذي في وجهنا.
فكرنا في تغيير وجهتنا، لكن ذلك كان سيثير شكوكهم، فاخترنا أن نمضي نحوهم بشكل مباشر، ونلعب دور مدنيين يعيشون في هذا الحي إن تم استجوابنا، أو نخوض غمار مواجهة وننزع بعض أسلحتهم، لكن عندما اقتربنا منهم ردوا على تحيتنا بغير اهتمام، وأحسب أنهم ظنوا أننا قوة من رجالهم الذين ينتشرون في الأمسيات بشكل عشوائي.
أخيرا.. وصلنا إلى بغيتنا، منزل شقيق أحد أفراد الفريق، وفيه نمنا ليلتنا الأولى ونحن أحرار، وفي الصباح تفرق شملنا بإحساس من هزم الموت أكثر من مرة، لكن لن تكتمل فرحتنا إلا بمعرفة مصير رفاقنا في سجون مليشيا الدعم السريع.