صدى البلد:
2025-01-23@12:26:32 GMT

شيخ الأزهر: الباطل لا يتسيد إلا حين يغيب الحق

تاريخ النشر: 6th, April 2024 GMT

قال شيخ الأزهر إن العلماء عادة ما يعرضون لدراسة الحق في مقابل الباطل، من باب معرفة الضد بضده، أو النقيض بنقيضه، لما لذلك من عمق في حياة المسلم، على مستوى التفكير والعمل أيضا، لأننا الآن محاطون بالباطل من كل الجهات.

وأوضح أنه إذا كان الحق هو الموجود، فالباطل هو المعدوم، لذلك من يتمسكون بالباطل يتمسكون بمعدوم، ويجرون وراء سراب، وقد عرفه علماء الشريعة بأنه هو القول أو العمل الذي لا ينعقد شرعا ولا تترتب عليه أثار شرعية، وقد جاء الحق ضد الباطل كما ورد في قوله تعالى "قل جاء الحق وزهق الباطل"، فالباطل لا يتسيد إلا حين يغيب الحق، وإذا ظهر الحق ينتهي الباطل تلقائيا.

وأوضح فضيلته، في الحلقة السابعة والعشرون من برنامج "الإمام الطيب"، أن كثير من الناس يلبسون الحق بالباطل، بمعنى تزييف الحق وإظهار الباطل على أنه هو الحق، وخير مثال ما يحدث الآن من كبار السياسيين حينما يقولون أن من حق الكيان الصهيوني أن يدافع عن نفسه، وغيرها من المزاعم الباطلة، ويتركون الحديث عن إبادة شعب كامل وقتله في غزة، مضيفا أن ذلك يحدث في صورة اجتماعات متكررة، وتصويتات، ثم نرى الفيتو على الأرض وقلعة من السلاح تقف على الشواطئ، فكل هذا باطل، لكن له جنوده التي تدافع عنه، رغم معرفتهم أن هذا ليس بحق ولكن لا بد أن يقولو شيئا في تبرير ما يرتكبونه.

وردا على سؤال "ما هو حق الله على عباده؟"، أكد شيخ الأزهر أن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أنهم إذا لقوه لا يشركون به شيئا، فحقهم عليه أن يدخلهم الجنة وألا يعذبهم، مصداقا لقوله صلى الله عليه و سلم، فيما ورد عن معاذ بن جبل " قال: كنتُ رديف النبيِّ ﷺ على حمارٍ فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حقّ الله على العباد؟ وما حقّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، وحقَّ العباد على الله أن لا يُعذِّب مَن لا يُشرك به شيئًا"، فحق العباد على الله أن لا يعذبهم إذا عبدوه.

وأوضح فضيلته أن العبادة هنا لا يقصد بها الصلاة والزكاة وغيرها فحسب، لكنها بمفهومها الواسع، فالكثيرون يظنون أنهم إذا صاموا وزكوا وصلو قد أدوا حق الله تعالى، وبعد ذلك في معاملاتهم وأخلاقهم يخضعون للشيطان وحظوظ النفس، وعدم احترام الآخرين، مع أن هذه هي معاصي القلوب، وليست معاصي الجوارح، فمعاصي القلوب مثل الكره والبغضاء والحسد يترتب عليها في الحياة العملية نتائج ماسة بالآخرين، أما معاصي الجوارح فقاصرة على فاعلها فالدين هو المعاملة.

وأضاف شيخ الأزهر أن للمسلم على أخيه المسلم حقوق، أوضحها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه"، فمن حقه إذا مرض أن يعده، حيث ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم:  يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! أما علمتَ أنَّ عبدي فلانًا مرض فلم تعده، ولو عدتَه لوجدتني عنده؟ وهو هنا ينصح المسلم أنه اذا مرض أخيه أن يعده.

واختتم فضيلته بأن دعاء "اللهم آرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه"، هو دعاء محوري في حياة المسلم وخاصة في أيامنا الحالية، ونحن نعلم ونصدق القرآن الكريم في قوله تعالى: "فماذا بعد الحق إلا الضلال"، ومن ثم على الإنسان أن يلتجئ إلى الله تعالى ليريه الحق حقا، لأنه لولا هذه المعونة الإلهية سوف يلتبس عليه الأمر، وبالتالي لا يعلم إذا كان ما يفعله حقا أم غير حق.

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: العباد على الله شیخ الأزهر الله على

إقرأ أيضاً:

من كلّ بستان زهرة – 92-

من كلّ بستان زهرة – 92-

#ماجد_دودين

قال صلى الله عليه وسلّم:” ما من مسلِمٍ يَدعو، ليسَ بإثمٍ ولا بِقطيعةِ رَحِمٍ إلَّا أَعطَاه إِحدَى ثلاثٍ: إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوَتَهُ، وإمَّا أن يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ، وإمَّا أن يَدْفَعَ عنهُ من السُّوءِ مِثْلَها قال: إذًا نُكثِرَ، قالَ: اللهُ أَكثَرُ”.

الدُّعاءُ هو العِبادةُ، واللهُ سُبحانَه وتَعالى يُحِبُّ أنْ يَدعُوَه عِبادُه، ومَن وُفِّقَ إلى الدُّعاءِ فلا يَستعجِلِ الإجابةَ، بل عليه أنْ يَثِقَ باللهِ سُبحانَه، ويَعلَمَ أنَّه يُريدُ له الخَيرَ، سواءٌ بتَعْجيلِ الإجابةِ أو بتَأخيرِها.

مقالات ذات صلة عودة الحياة تدريجيا لغزّة 2025/01/21

وفي الحَديثِ أنَّ الاستِجابةَ لِلدُّعاءِ غَيرُ مُقيَّدةٍ بنُزولِ المَطلوبِ؛ فقد يُكفَّرُ عنه بدَعوتِه، أو يُدَّخَرُ له في الآخِرَةِ.

زَخرف الرشيد يومًا منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم، فقال أبو العتاهية:

عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً … في ظِلّ شاهقَةِ القُصورِ

يسْعَى عليكَ بِمَا اشتهيْتَ … لدَى الرَّوَاح أوِ البُكُورِ

فقال: حسن ثم ماذا؟

فقال:

فإذا النّفوسُ تَقعَقَعَتْ … في ظلّ حَشرجَةِ الصّدورِ

فَهُناكَ تَعلَم، مُوقِناً … مَا كُنْتَ إلاَّ فِي غُـــــــــرُورِ

فبكى الرشيد بكاء كثيراً شديداً

لابن القيم رحمه الله كلام جامع في آداب الدعاء حيث يقول: ” وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعًا في القلب وانكساراً بين يدي الرب، وذلّاً له وتضرعًا ورقِّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة، وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرد أبداً، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم” (.

قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتُك وسعت كل شيء وأنا شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنك خلقتَ قومًا فأطاعوك فيما أمرتهم، وعملوا في الذي خلقتهم له فرحمتك إياهم كانت قبل طاعتهم لك يا أرحم الراحمين.

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر في ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري.

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك.

يا أبت، إن في الله تعالى عوضاً عن فقدك، وفي رسول الله أسوة في مصيبتك،

اللهم نزل بك عبدُك خالياً مقفراً من الزاد، مخشوشن المهاد، غنياً عما في أيدي العباد، فقيراً إلى ما في يدك يا جواد، وأنت -أي ربّ-خير من نزل به المرمِلون (الفقراء)، واستغنى بفضله المقلِّون، وولج في سعة رحمته المذنبون، اللهم فليكن قِرى عبدك منك رحمتَك، ومهاده جنتك.

قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: ٤]. أي: ” في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يُقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يُكابد مشاق التعلُّم، ثم مشاق القيام بأمور الدين، وأمور معاشه، وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره، ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلاّ بعد دخول الجنة”.

فعلى الإنسان أن يوطِّن نفسه على أنْ لا يجد زمانَ الدنيا كلَّه سروراً لا كدر فيه، فالحياة يومان: يوم سرور، ويوم شرور، ويوم أفراح، ويوم أتراح. فمن روّض نفسه على هذه الحقيقة هانت عليه مصائب الدنيا.

فيومٌ علينا ويومٌ لنا … ويومٌ نُساءُ ويوم نُسَرْ

قال ابن القيم-مخاطبًا ضعيف العزم على طريق الحق-: ” أين أنت، والطريقُ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم وتريده أنت باللهو واللعب؟!.

فيا دارَها بالحَزْنِ إن مزارها … قريبٌ، ولكنْ دون ذلك أهوالُ. (الفوائد لابن القيّم).

صَبَرْتُ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى تَوَلَّتِ … وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتِ

وَمَا النَّفْسُ إلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى … فَإِنْ طَمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتِ

لا تجزَعَّنَ مِنَ المَنايا إِنْ أَتَتْ … واصبِر لِما تأَتي بِهِ الأَقدارُ

وغَدا الصَبور يَجُرُّ ذيلَ سُرورِه … في جَنَّةٍ مِنْ تحتِها الأنهَار

فكأَنْ قَدْ انكشَفَت غياياتُ البلا … وانجابت الآفات والأَكدار

وجَنى الجَزوعُ لِما جَنَى ثَمَرَ الأَسَى … فجَرى بِلَا أَجر لَهُ المِقدار

إِنِّي رأَيتُ معاشِراً لَم يفهموا … مَعنى الوجود فأَصبَحوا قَدْ حاروا

دُنياكَ دارٌ للبَلايا مُهِّدَت … ووراء ذَلك إِنْ عقلتَ نهـــــــــــــــــار

كان أبو ذر رضي الله عنه يقول للناس: “أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى. قال: فسفرُ طريقِ القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم؛ حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يومًا شديداً حرُّه لحر يوم النشور، صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير”

يقول ابن الجوزي رحمه الله واصفًا الفائزين في الدنيا: ” لله در أقوام أقبلوا بالقلوب على مقلِّبها، وأقاموا النفوس بين يدي مؤدبها، وسلموها إذ باعوها إلى صاحبها، وأحضروا الآخرة فنظروا إلى غائبها، وسهروا الليالي كأنهم وُكِّلوا بِرَعي كواكبها، ونادوا أنفسهم صبراً على نار حطبها، ومقتوا الدنيا فما مالوا إلى ملاعبها، واشتاقوا إلى لقاء حبيبهم فاستطالوا مدة المقام بها”.

هذه جملة من مواعظ ابن القيم القصيرة، وحِكمه البليغة الغزيرة، يقول رحمه الله: ” من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بإذنه. للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس. للعبد رب هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه. إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم العمر؟. محبوبُ اليوم يعقب المكروه غداً، ومكروه اليوم يعقب المحبوب غداً. أعظمُ الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها. كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟!. يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه. المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه، والرب تعالى إذا خفته أنست به، وقربت إليه. لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين. دافعِ الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهِمَّة، فإن لم تدافعها صارت فعلاً، فإن لم تتداركه بضده صار عادة، فيصعب عليك الانتقال عنها”

قال الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: ” لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات، ولذات الآخرة صافية غير مكدرة”

قال ابن الجوزي: ” وأجهل الجهال من آثر عاجلاً على آجل لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. ولو كان هذا فحسب لكفى حزناً كيف والجزاء الدائم بين يديه، فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها؛ ليسلم له عاقبة لذته، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار”. فـ”لا تؤثر لذة تفوِّت خيراً كثيراً، وصابِرْ المشقةَ تحصِّل ربحاً وافراً”.

جاء في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل).

قال ابن القيم: ” فبين عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: ١٥]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته.” (إغاثة اللهفان).

يأمرنا الله تعالى أن ننظر إلى الحياة الدنيا بالبصيرة لا بالبصر، وبعاقبة أمرها، لا بإقبال أوائلها، يقول تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص: ٦٠]، ” أي: تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء، {وما عند الله خير وأبقى}؛ لأن منافع الآخرة خالصة عن الشوائب وهي دائماً غير منقطعة، ومنافع الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر العظيم {أفلا تعقلون} أي: أن الباقي خير من الفاني، وقيل: من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل؛ ولهذا قال الشافعي: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صُرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله؛ لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى. (تفسير الخازن ٥/ ١٧٩).

تَمَتَّعْ مِنْ الْأَيَّامِ إنْ كُنْت حَازِمًا … فَإِنَّك مِنْهَا بَيْنَ نَاهٍ وَآمِرِ

إذَا أَبْقَتْ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ … فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرِ

فَلَنْ تَعْدِلَ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ … وَلَا وَزْنَ ذَرٍّ مِنْ جَنَاحٍ لِطَائِرِ

فَمَا رَضِيَ الدُّنْيَا ثَوَابًا لِمُؤْمِنٍ … وَلَا رَضِيَ الدُّنْيَا جَزَاءً لِكَافِرِ

مقالات مشابهة

  • رمضان .. كيف تدرب نفسك على الصيام عن الشهوات
  • دعاء بعد الظهر لقضاء الحاجة وتيسير الأمور.. احرص عليه الآن
  • معنى قوله تعالى ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾
  • بيان معنى الأمّية في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم
  • بيان مدى علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغيب
  • علي جمعة: المسلم يؤمن بالكتب السماوية إجمالًا وتفصيلًا
  • من كلّ بستان زهرة – 92-
  • أذكار الصباح .. أفضل ما يبدأ بها المسلم يومه كما أوصانا رسول الله
  • شهيد القران رضوان الله عليه
  • الأزهر للفتوى: الغش في الامتحانا مُحرَّم ويؤثر على مستقبل الأمة